من أوضح الأدلة على مشروعية المديح
النبوي ما جرى بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمه سيدنا العباس بن عبد المطلب -رضي الله
عنه-؛ فقد روى الحاكم في "المستدرك" بسنده إلى خُرَيْمَ بْنَ أَوْسِ بْنِ
حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَسْلَمْتُ فَسَمِعْتُ الْعَبَّاسَ
بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي
أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«قُلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ». [المستدرك ج٣/ص٣٦٩( ٥٤١٧)، وأبو نعيم في
الحلية ج١/ص٤٤٦، والبيهقي في دلائل النبوة ج٥/ص٢٦٨، وابن الجوزي في صفوة الصفوة ج٢/ص٢٢-٢٣].
وقد شرح الإمام ابن الأثير قول
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «قُلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ» فقال: "أي: لا يسقط الله
أسنانك، وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك، فحذف المضاف، يقال: فضَّه إذا كسره".
[ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر( ٣/ ٤٥٤)].
فقد دعا له سيدنا الحبيب -صلى الله
عليه وسلم- بأن يبقى فمه سليمًا فصيحًا، ثم أنشد سيدنا العباس -رضي الله عنه- قصيدته المشهورة
في مدح سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومما جاء فيها:
(مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظلال وفي *** مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ)
(ثم هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌ *** أنتَ
ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ)
(بَلْ نُطْفَةٌ تركبُ السفينَ وقد ***
ألْجَمَ نَسْرًا وأهلَهُ الغَرَقُ)
(تُنْقَلُ من صالبٍ إلى رَحِمٍ ***
إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ)
(حتى احتوى بيتك المهيمنُ من ***
خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتَها النُّطُقُ)
(وأنت لما ولدت أشرقتِ *** الأرضُ
وضاءَتْ بنوركَ الأفقُ)
(فنحنُ في ذلكَ الضياءِ وفي النُورِ ***
وسُبْلِ الرشادِ نخترقُ)
وتكمن دلالة هذه الرواية في أن
سيدنا العباس رضي الله عنه استأذن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في مدحه، فأذن له،
بل دعا له قبل أن ينشد قصيدته، ثم استمع إلى أبياتها، ولم ينكر عليه أصل المدح، فكان
ذلك إقرارًا نبويًا واضحًا لمشروعية الثناء عليه بالشعر، إذا خلا من الغلو ومجاوزة
الحد المشروع.
ولو كان مجرد مدح سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشعر ممنوعًا أو داخلًا في الغلو المنهي عنه لمنعه صلى الله عليه
وسلم من ذلك ابتداءً، أو لأنكر ما قيل بين يديه، فلما أذن فيه وأقرَّه دل ذلك على أن
المديح النبوي في ذاته مشروع، وأن الممنوع إنما هو ما اشتمل على معانٍ باطلة أو أوصافٍ
لا تليق إلا بالله تعالى، وقد أخرج الحاكم هذه الرواية في "المستدرك"، وقال
عقبها: "هذا حديث تفرد به رواة الأعراب عن آبائهم وأمثالهم من الرواة لا يضعون"
[المستدرك ٣/ ٣٦٩ ( ٥٤١٧)].