تُعتبر المدارس في الإسلام امتدادًا
للمساجد، فكان المسلمون في عصورهم الأولى يتوسعون في مهمة المسجد، فاتخذوه مكانًا
للعبادة، ومعهدًا للتعليم، ودارًا للقضاء، وساحة تتجمع فيها الجيوش، ومنزلًا
لاستقبال السفراء، وقد ميزوا الجامع عن المسجد بأن الجامع هو الذي يجتمع فيه الناس
لصلاة الجمعة أو الجماعة، أما المسجد فهو مكان الصلاة ولو كان حجرة خاصة في
المنزل.
وقد اشتهر من بين المدارس ثلاثة هي:
وقد كان هذا المسجد قبلة أنظار
الأساتذة والطلاب، ومن أشهر العلماء الذين جلسوا للتدريس فيه: الخطيب البغدادي،
والكسائي، والفرّاء
[تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي].
وكان للمالكية به زاوية للتدريس في
الجانب الغربي، وللشافعية مدرسة على يمين الخارج من باب البريد، وهناك كذلك مقصورة
برسم الحنفية يجتمعون فيها للتدريس وبها يُصلّون [معجم الأدباء: ياقوت الحموي ١ /٢٥٥].
وقد بُني هذا الجامع سنة ٢١ هـ، فهو
أقدم جامع في قارة إفريقيا، ومن العلماء الذين جلسوا للتدريس به: سُليم بن عِتر
التُّجَيبي.
وقد سجل المقريزي بعض التفاصيل عن أهم
الزوايا العلمية بهذا المسجد، وهي: زاوية الإمام الشافعي، والزاوية المجدية،
والزاوية الصاحبّية، ومن أشهر العلماء الذين جلسوا للتدريس فيه الإمام محمد بن
جرير الطبري [الخطط والآثار: للمقريزي ٢ /٢٤٦ وما بعدها].
أما العلوم التي كانت تُدرس في المسجد
فكثيرة، أهمها: العلوم الدينية، واللغوية، والأدبية، ومبادئ علم الكلام، والعروض،
وعلم الطب، والميقات (الفلك).
وقد انتقل التعليم من المساجد إلى
المدارس بسبب ما يحدثه التدريس من أصوات ومناقشات تُحدث قليلًا أو كثيرًا من
الضوضاء التي تؤثر على ما يلزم من وقار الصلاة وخشوعها، ثم إن العلوم تطورت بتطور
الزمن، فأصبح الجدل والمناظرة من العلوم المهمة، مع ما تُحدثه من أصوات تتناقض مع
ما يحتاجه المسجد من هدوء وجلال.
وهناك فروق واضحة بين المدرسة والمسجد:
١- في المدرسة يُعيَّن المدرّس، وذلك
بخلاف معلمي المساجد.
٢- وجود الإيوان في المدارس، وهو
الاسم الذي يرادف قاعة المحاضرات، ولم يوجد في المسجد باستثناء المساجد الكبرى
التي تهتم بالتعليم.
٣- كان عدد التلاميذ محددًا في
المدرسة، بخلاف حلقة المسجد التي كانت مفتوحة لمن يجلس فيها [الروضتين في ذكر أخبار الدولتين: أبو شامة ١ /١٨٩].
أما أقدم المدارس الإسلامية، فهي مدارس
الوزير العظيم نظام الملك الذي وزر لألب أرسلان وملكشاه، وسُميت هذه المدارس
"النظامية" نسبة لنظام الملك، وكانت هذه المدارس كثيرة، لم تخلُ منها
مدينة أو قرية.
واقتفى نور الدين زنكي أثر نظام الملك
فأنشأ المدارس في الشام، وسار صلاح الدين الأيوبي وأفراد أسرته على هذا النهج
فأنشأوا المدارس في مصر.