Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

هل مدح سيدنا النبي ﷺ بالشعر والقصائد غلو في الدين

الكاتب

هيئة التحرير

هل مدح سيدنا النبي ﷺ بالشعر والقصائد غلو في الدين

يُثار في بعض الأوساط المعاصرة أن المديح النبوي بالشعر والقصائد من الغلو المذوم أو من البدع المحدثة، رغم ثبوت مدح النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وإقراره لذلك، ونتناول هنا حكم المديح النبوي في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية وعمل السلف الصالح، مع بيان الفرق بين المحبة المشروعة والغلو المنهي عنه، ونوضح أن المديح النبوي المنضبط بضوابط الشرع يُعد من مظاهر تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، ومن دلائل المحبة التي جعلها الإسلام من كمال الإيمان.

المديح النبوي في ضوء القرآن الكريم وتفاسير الأئمة

المديح النبوي مشروع بعموم أدلة القرآن الكريم؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لِّتُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةࣰ وَأَصِیلًا﴾ [الفتح: ٩] وقد فسّر سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ بمعنى: تعظموه، وقوله: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ أي: تحترموه وتجلوه وتعظموه. [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٤/١٩٦].

ومدح النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشعر والثناء عليه من أبرز مظاهر هذا التعظيم والتوقير؛ إذ هو تعبير عن محبته وإظهار لفضائله ومناقبه بما يليق بمقامه الشريف، من غير مجاوزة للحد المشروع أو إخراج له عن وصف البشرية الذي أثبته القرآن الكريم.

وقال الإمام الألوسي في تفسيره "روح المعاني" عند قوله تعالى: ﴿لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: "الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، كقوله سبحانه: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ﴾ [الطلاق: ١]، وهو من باب التغليب" [ الألوسي، روح المعاني ١٣/ ٤٧]، كما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾: "أي تنصروه"، كما روي عن جابر بن عبد الله مرفوعًا...وقوله: ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾: "أي تعظموه كما قال قتادة وغيره". [الألوسي، روح المعاني ١٣/ ٤٨].

وتدل هذه النصوص القرآنية وما قرره أئمة التفسير على وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، والمديح النبوي أحد المظاهر المشروعة التي يندرج تحتها هذا التعظيم.

كما قال الله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِینَ﴾ [التوبة: ٢٤].

وقد قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: "يقول تعالى آمرًا بمباينة الكفار وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهيًا عن موالاتهم إن استحبوا الكفر على الإيمان..." [ابن كثير، التفسير٢/ ٣٤٢]، ويُستدل بهذه الآية من جهة دلالتها على وجوب تقديم محبة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- على كل محبوب، ولا ريب أن الثناء على النبي -صلى الله عليه وسلم- ومدحه بما هو أهله من جملة الآثار الظاهرة لهذه المحبة الصادقة.

المديح النبوي في السنة النبوية وبيان الفرق بين الإطراء المنهي عنه والمديح المشروع

يستدل بعض الناس بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» [البخاري، الصحيح ( ٣٤٤٥) من حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه] على منع مدح سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا، وهذا فهم غير صحيح؛ لأن الحديث لا ينهى عن أصل المدح، وإنما ينهى عن الإطراء المشتمل على الغلو ومجاوزة الحد.

وقد بينت دار الإفتاء المصرية معنى الإطراء المنهي عنه، فقالت: "الإطراء هو المدح بالباطل، تقول: أطريت فلانًا مدحته فأفرطت في مدحه، وقوله: «كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ» أي: في دعواهم فيه الألوهية وغير ذلك". [الفتوى رقم ٦٧٣٥، دار الإفتاء المصرية، ١٥ سبتمبر ٢٠١٥م].

ويدل على ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينه عن المدح المشروع، وإنما نهى عن المدح المتضمن لوصفه بما لا يليق إلا بالله تعالى؛ فقد ثبت أنه لما قالت له امرأة تمدحه : "وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ"، قال لها: «لَا تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ» [البخاري، الصحيح ( ٤٠٠١) من حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، رضي الله عنها]؛ فأنكر عليها نسبة علم الغيب إليه على وجه الاستقلال؛ لأن علم الغيب المطلق من خصائص الله تعالى.

وعليه؛ فالإطراء المنهي عنه هو الغلو في مدح النبي -صلى الله عليه وسلم- برفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها، أو وصفه بشيء من خصائص الألوهية، أما المديح المشروع فهو الثناء عليه بما أثبته الله له من الفضائل والكمالات البشرية، وذكر شمائله الخَلْقية والخُلُقية، ومعجزاته، وسيرته العطرة، وجهاده، ورحمته بالأمة، وإظهار محبته والشوق إليه، والصلاة والسلام عليه.

ولهذا أكدت دار الإفتاء المصرية أن "المديح النبوي مشروع بعموم أدلة القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو سنة نبوية كريمة درج عليها المسلمون سلفًا وخلفًا، وليس صحيحًا ما يُروَّج له من أن المديح النبوي يُعد غلوًّا ومبالغةً". [الفتوى رقم ٧٠٩٣، دار الإفتاء المصرية، ٢٩ أغسطس ٢٠١٢م].

وبذلك يتبين أن النهي الوارد في الحديث إنما يتعلق بالغلو والإطراء الباطل، لا بالمديح المشروع الذي يُظهر محبة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويُعظِّم قدره في حدود ما أذن به الشرع الشريف.

قصة سيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه دليلٌ على مشروعية المديح النبوي

من أوضح الأدلة على مشروعية المديح النبوي ما جرى بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمه سيدنا العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه-؛ فقد روى الحاكم في "المستدرك" بسنده إلى خُرَيْمَ بْنَ أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَسْلَمْتُ فَسَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رِضْوَانُ اللهُ عَلَيْهِ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْتَدِحَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ». [المستدرك ج٣/ص٣٦٩( ٥٤١٧)، وأبو نعيم في الحلية ج١/ص٤٤٦، والبيهقي في دلائل النبوة ج٥/ص٢٦٨، وابن الجوزي في صفوة الصفوة ج٢/ص٢٢-٢٣].

وقد شرح الإمام ابن الأثير قول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: «قُلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ» فقال: "أي: لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يكسر الله أسنان فيك، فحذف المضاف، يقال: فضَّه إذا كسره". [ ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر( ٣/ ٤٥٤)].

فقد دعا له سيدنا الحبيب -صلى الله عليه وسلم- بأن يبقى فمه سليمًا فصيحًا، ثم أنشد سيدنا العباس -رضي الله عنه- قصيدته المشهورة في مدح سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومما جاء فيها:

(مِن قَبْلِها طِبْتَ في الظلال وفي *** مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ)

 (ثم هبطتَ البلادَ لا بَشَرٌ *** أنتَ ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ)

 (بَلْ نُطْفَةٌ تركبُ السفينَ وقد *** ألْجَمَ نَسْرًا وأهلَهُ الغَرَقُ)

 (تُنْقَلُ من صالبٍ إلى رَحِمٍ *** إذا مضى عالَمٌ بدا طَبَقُ)

 (حتى احتوى بيتك المهيمنُ من *** خِنْدِفَ عَلْياءَ تحتَها النُّطُقُ)

 (وأنت لما ولدت أشرقتِ *** الأرضُ وضاءَتْ بنوركَ الأفقُ)

 (فنحنُ في ذلكَ الضياءِ وفي النُورِ *** وسُبْلِ الرشادِ نخترقُ)

وتكمن دلالة هذه الرواية في أن سيدنا العباس رضي الله عنه استأذن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم في مدحه، فأذن له، بل دعا له قبل أن ينشد قصيدته، ثم استمع إلى أبياتها، ولم ينكر عليه أصل المدح، فكان ذلك إقرارًا نبويًا واضحًا لمشروعية الثناء عليه بالشعر، إذا خلا من الغلو ومجاوزة الحد المشروع.

ولو كان مجرد مدح سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشعر ممنوعًا أو داخلًا في الغلو المنهي عنه لمنعه صلى الله عليه وسلم من ذلك ابتداءً، أو لأنكر ما قيل بين يديه، فلما أذن فيه وأقرَّه دل ذلك على أن المديح النبوي في ذاته مشروع، وأن الممنوع إنما هو ما اشتمل على معانٍ باطلة أو أوصافٍ لا تليق إلا بالله تعالى، وقد أخرج الحاكم هذه الرواية في "المستدرك"، وقال عقبها: "هذا حديث تفرد به رواة الأعراب عن آبائهم وأمثالهم من الرواة لا يضعون" [المستدرك ٣/ ٣٦٩ ( ٥٤١٧)].

الرد على دعوى أن المديح النبوي بدعة صوفية، وبيان أدلة مشروعيته من السنة النبوية

يزعم بعض الناس أن المديح النبوي من بدع الصوفية التي لا أصل لها في الإسلام، وهذه دعوى لا يعضدها دليل، بل تخالف ما ثبت في السنة النبوية وما جرى عليه عمل المسلمين منذ الصدر الأول.

وقد ردت دار الإفتاء المصرية على هذه الدعوى، مؤكدة أن: "مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم دليل على محبته، وهذه المحبة تُعد أصلًا من أصول الإيمان، وأن المديح النبوي موجود من عهده صلى الله عليه وآله وسلم". [الفتوى رقم ٦٧٣٦، دار الإفتاء المصرية، ١٥ سبتمبر ٢٠١٥م].

كما عرّفت المديح النبوي بأنه: "الشِّعْرُ الذي ينصَبُّ على مدح النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بتعداد صفاته الخَلْقِيَّة والخُلُقِيَّة، وإظهار الشَّوْق لِرُؤيته، وزيارة قبره والأماكن المقدسة التي ترتبط بحياة الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، مع ذِكْرِ مُعْجِزَاته المادية والمعنوية، ونظم سيرته شعرًا، والإشادة بغزواته وصفاته الْمُثلى، والصلاة عليه تقديرًا وتعظيمًا، فهو شعر صادق بعيد عن التزلُّف والتكسُّب، ويُرْجَى به التقرب إلى الله عز وجل". [الفتوى رقم ٦٧٣٦].

وقد دلّت السنة النبوية على مشروعية المديح بصريح الأثر؛ فروى الإمام أحمد في مسنده بسنده إلى الأسود بن سَريع، رضي الله عنه قال: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ مَدَحْتُ اللهَ بِمِدْحَةٍ وَمَدَحْتُكَ بِأُخْرَى، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «هَاتِ، وَابْدَأْ بِمِدْحَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»". [ أحمد، المسند ( ١٦٣٠٠).

وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على إقرار سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- للمديح المشروع، إذ لم ينه عنه، وإنما وجَّه إلى البدء بحمد الله تعالى ثم الاستماع إلى ما قيل فيه من الثناء.

كما ثبت أن عددًا من الصحابة رضي الله عنهم مدحوا سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شعرًا بين يديه، ومن أشهرهم سيدنا حسان بن ثابت، وسيدنا كعب بن زهير، وسيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم، وكان صلى الله عليه وسلم يستمع إلى أشعارهم ويقرهم عليها، بل ويدعو لبعضهم ويثني عليهم، مما يؤكد أن المديح النبوي كان معروفًا ومشروعًا في عهده الشريف.

وبناءً على ذلك، فإن نسبة المديح النبوي إلى طائفة بعينها أو وصفه بأنه بدعة صوفية لا أصل لها قولٌ يرده التاريخ والسنة معًا؛ لأن المديح النبوي وُجد في حياة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومارسه الصحابة رضي الله عنهم، وتوارثه المسلمون جيلًا بعد جيل بوصفه مظهرًا من مظاهر المحبة والتوقير المشروعين.

الخلاصة

تؤكد النصوص الصحيحة أن المديح النبوي المشروع جائز ومأذون فيه شرعًا، فقد أقره النبي -صلى الله عليه وسلم- واستمع إليه من بعض أصحابه، والممنوع إنما هو الغلو والإطراء الذي يجاوز الحد، أما الثناء عليه بفضائله وشمائله وإظهار محبته وتعظيمه فهو من صور التوقير والمحبة المشروعة التي دعا إليها الإسلام.

موضوعات ذات صلة

جاء القرآن الكريم بمدح سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وبيان مكانته ورفعة شأنه

المديح النبوي فن أصيل نشأ مع ظهور الإسلام يجسد محبة الرسول ﷺ ويخلد شمائله وأخلاقه

تُعد محبة النبي ﷺ الروحَ السارية في جسد الإيمان

الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فريضة إيمانية كبرى وترجمة صادقة للمحبة الواجبة