يمكننا أن نرد على هذا الإشكال الذي يثيره هؤلاء الطاعنون من خلال عدة أوجه تبين الفهم المغلوط لديهم وتزيل الغطاء عن الحقائق الملتبسة عندهم وهي:
- أولًا: النهي عن كتابة الحديث كان مرحليًّا ومعللًا، ثم نُسخ بالإباحة
لا يصح فهم النهي عن كتابة الحديث على أنه حكم أبدي مطلق، بل هو نهي مؤقت صدر لعلة معينة، وهي الخوف من اختلاط السنة بالقرآن الكريم في أذهان الصحابة، خاصة في فترة نزول الوحي وتدوينه، وقد أوضح الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، في مقاله "أدلة تدوين السنة في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم-" حقيقة هذا النهي، فقال: "وقد يظن بعضهم أن ذلك الكلام وغيره يتعارض مع قوله- صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (رواه الإمام أحمد في مسنده)، فإن ذلك الحديث كان في بداية تدوين القرآن فأراد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ألا ينشغل الصحابة- رضى الله عنهم- بشيء غير القرآن الكريم، ومن هنا نهى في بدء الإسلام عن كتابة أي شيء غير القرآن الكريم، وكان ذلك لعدة أسباب منها: عدم اختلاط كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- بالقرآن، وعدم ركون المسلمين إلى الكتابة وترك الحفظ، وغير ذلك من الأسباب، فلما زالت تلك الأسباب أذن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك في كتابة الحديث لمن أراد من المسلمين" [الدكتور علي جمعة، "مقال أدلة تدوين السنة في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم-"، ١٥ مارس ٢٠١٦م].
وقد أكدت بوابة الأزهر الشريف في ردها الرسمي على هذه الشبهة أن الأحاديث الواردة في النهي "محمولة على خوف اختلاط السنة بالقرآن، أي أن النهي عن الكتابة كان مرحليا فقط، ثم نسخ ذلك بإباحتها" [بوابة الأزهر الشريف، المصدر نفسه].
وأوضح الدكتور أيمن الحجار، الباحث بهيئة كبار العلماء، في ملتقى الأزهر العلمي، أن حديث النهي عن كتابة السنة "لا يعني منع تدوين السنة مطلقا، بل جاء في مرحلة معينة من مراحل التعليم، حين كان الصحابة في بداية تلقيهم للوحي، حتى لا يختلط عليهم القرآن بغيره من الكلام" [ملتقى الأزهر العلمي، "تدوين السنة النبوية– الشبهات وردود العلماء"، ١٥ مارس ٢٠٢٦م].
فالنهي إذًا كان إجراءً احترازيا في مرحلة التأسيس، لضمان تمييز كلام الله عن كلام رسوله ﷺ، فلما استقر القرآن في الصدور، ورسخ في الأذهان، وعُرف الفرق بين النوعين، أُذن بالكتابة، بل حُثَّ عليها.
- ثانيًا: كتابة السنة ثابتة في عهد النبي ﷺ بإذنه الصريح
يُخطئ من يزعم أن كتابة السنة لم تبدأ إلا في عصور متأخرة، فالواقع التاريخي يثبت أن كتابة السنة بدأت في حياة سيدنا النبي ﷺ، فقد صحت الأخبار في إباحته– صلى الله عليه وسلم– الكتابة عنه، وقد ذكر الدكتور علي جمعة في مقاله الأدلة على ذلك، فقال :"لما فتح الله- تعالى- مكة للمسلمين خطب النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاه، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهْ» (رواه الإمام أحمد في مسنده)، وعند البخاري زيادة... فدل ذلك على صريح إذنه بالكتابة" [الدكتور علي جمعة، المصدر نفسه].
كما أورد الدكتور علي جمعة دليلا آخر، فقال: "وعن عبد الله بن عمرو- رضى الله عنهم-، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» (أخرجه أبو داود (٣٦٤٦)، والدارمي (٥٠١)، وأحمد (٦٥١٠). قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح). " [الدكتور علي جمعة، المصدر نفسه].
وقد عُرفت صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص بـ"الصحيفة الصادقة"، وكانت من أوائل المدونات الحديثية في التاريخ الإسلامي.
وأكدت بوابة الأزهر الشريف في ردها الرسمي على هذه الشبهة أن "كتابة السنة بدأت في حياة النبي- صلى الله عليه وسلم-، فقد صحت الأخبار في إباحة النبي- صلى الله عليه وسلم- الكتابة عنه، ومن المجازفة إنكار ذلك" [بوابة الأزهر الشريف، المصدر نفسه].
وقد أورد الشيخ محمد أبو زهو رأيًا وإن لم يعول عليه بأن حديث النهي موقوف على أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- فقال: "على أن بعض العلماء يرى أن حديث أبي سعيد هذا، موقوف عليه وليس من كلام النبي- صلى الله عليه وسلم- قال ذلك البخاري وغيره". [الشيخ محمد محمد أبو زهو الحديث والمحدثون ص ١٢٤]، وقد تعددت الأدلة في إباحة الكتابة ما بين موقوف ومرفوع.
- ثالثًا: الحفظ في الصدور كان عماد النقل، والكتابة أداة مساعدة
لا ينبغي أن ننظر إلى قضية التدوين من منظور حديث تغلبت فيه الكتابة على الحفظ، فالثقافة العربية في ذلك العصر كانت ثقافة شفوية بامتياز، يعتمد فيها على الحفظ والإتقان، والسنة النبوية كانت محفوظة في صدور الصحابة والتابعين، قبل أن تُدوَّن في السطور، وقد أشار الشيخ عطية صقر– رحمه الله– في فتوى له بدار الإفتاء المصرية (مايو ١٩٩٧م) إلى الجهود الكبيرة التي قام بها المسلمون للمحافظة على السنة النبوية، سواء بالحفظ أو بالكتابة [ينظر كتاب "فتاوى دار الإفتاء المصرية"].
وهذا يعني أن غياب التدوين الرسمي الجامع في فترة مبكرة لا يعني غياب العناية بالسنة، بل كانت حية متداولة، يتناقلها الثقات عن الثقات، ويتحفظونها في صدورهم، ويكتبونها في صحفهم الخاصة، فالكتابة لم تكن الوسيلة الوحيدة، بل كانت أداة مساعدة للحفظ، وليس بديلا عنه.
- رابعًا: منهج النقد الحديثي كان حائلًا دون تسرب الأهواء والتحريف
حتى لو افترضنا جدلا أن ثمَّة فترة زمنية قبل التدوين الرسمي، فإن ما يضمن سلامة النقل هو المنهج النقدي الدقيق الذي وضعه علماء الحديث، كالتثبت في الرواة، ومعرفة الجرح والتعديل، واشتراط الاتصال في السند، وهذا المنهج لم يكن وليد الصدفة، بل كان علما مستقلا له أصوله وقواعده، تولى كشف المكذوب وتمييزه عن الصحيح.
وقد ألف الشيخ محمد محمد أبو زهو، العالم الأزهري الكبير، كتابه "الحديث والمحدثون" الذي يعد من أهم المراجع في بيان عناية الأمة الإسلامية بالسنة النبوية، وخصص فيه مبحثا كاملا لتدوين الحديث في هذا العصر وطريقة العلماء في ذلك [كتاب "الحديث والمحدثون"، الطبعة الأولى ١٣٧٨هـ - ١٩٥٨م، مطبعة مصر]، وقد بيَّن في هذا المبحث جهود المحدثين في تدوين السنة، وضوابطهم في قبول الرواية وردها، مما يؤكد أن عملية التدوين كانت محكومة بضوابط دقيقة، وليست عملية عشوائية كما يزعم المشككون.
كما أكد الدكتور خالد عبد الرازق، أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين القاهرة، في ملتقى الأزهر العلمي، أن "مسألة تدوين السنة النبوية وحفظها أمر محسوم في تاريخ الأمة الإسلامية"، وأن "الله- سبحانه وتعالى- تكفّل بحفظ دينه" [ملتقى الأزهر العلمي، المصدر نفسه]، وقد استشهد في ذلك بآية القرآن: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩﴾ [الحجر: ٩]، موضحا أن المقصود بالذكر القرآن الكريم، وأن الله أنزل الوحي ليبين للناس ما نزل إليهم، وأن القرآن والسنة كلاهما محفوظان بحفظ الله [المصدر نفسه].
- خامسًا: التدوين كان عملية مستمرة، لا حدثًا مفاجئًا
ليس صحيحًا أن التدوين بدأ فجأة في القرن الثالث الهجري بصحيحي البخاري ومسلم، بل كانت هناك مراحل متعددة من التدوين، بدأت بالصحف الفردية في عهد النبي ﷺ، ثم الصحف الموسعة في عصر التابعين، ثم التصنيف والتبويب في القرن الثاني الهجري، ثم الجمع والترتيب في القرن الثالث، وقد أوضح الدكتور محمود محمد بكار في مقاله حول تدوين السنة والمنشور على منصة وزارة الأوقاف المصرية أن:
"تدوين السنة مر بمرحلتين: الأولى مرحلة الكتابة: في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم-، وإلى ما بعده بقليل وهو ما يسمى بكتابة الحديث. الثانية مرحلة التدوين: وهو جمع الصحف المتفرقة في ديوان لحفظها" [أ.د/ محمود محمد بكار منصة وزارة الأوقاف المصرية، "تدوين السنة: مراحله ورد الشبهات حوله"].
كما أن من أحسن الأجوبة في الجمع بين أحاديث الإذن والمنع، هو أن "النهي عن الكتابة إنما كان في أول الإسلام مخافة اختلاط الحديث بالقرآن، فلما كثر عدد المسلمين وعرفوا القرآن وميزوه عن الحديث زال هذا الخوف، فنسخ الحكم الذي كان مترتبا عليه، وصار الأمر إلى الجواز" [المصدر نفسه].
وهذا يُظهر أن عملية التدوين كانت تراكمية ومستمرة، وليست حدثا طارئا، وأن جهود الأمة في حفظ السنة كانت متصلة غير منقطعة.