نجحت دار العلوم فيما كان ينبغي أن تنجح فيه من تجديد علوم اللغة
العربية وإصلاحها، والمواءمة بينها وبين العلوم الحديثة، وكان لأبناء دار العلوم
حظ موفور في مجال الإبداع الأدبي أذكر منهم محمد عبد المطلب، وعلي الجارم، ومحمود
غنيم، وعلي الجندي، ومحمود حسن إسماعيل، والعوضي الوكيل، وطاهر أبو فاشا، وآخرين
كثيرين نضرب بهم المثل، ولا نريد بهم الإحصاء أو العد.
كما شهدت دار العلوم في منتصف القرن العشرين نهضة علمية كبرى حين
زادت نسبة خريجي الجامعات الأوروبية بين أساتذتها بعد أن صارت كلية جامعية تتبع
جامعة القاهرة، تتخصص في الدراسات العربية والإسلامية، واحتفظت بكيانها وطابعها الإسلامي
الخاص، وباسمها التاريخي (دار العلوم).
ومن المعلوم أن دار العلوم التي صارت كلية جامعية منحت درجة الليسانس
لمن أتم الدراسة بالسنة الرابعة في عام ١٣٦٥- ١٣٦٦هـ / ١٩٤٥- ١٩٤٦م بعد أن صدر
القرار الوزاري بضمها إلى الجامعة في ٢٤ إبريل سنة ١٩٤٦م وفي عام ١٣٧٠هـ / ١٩٥٠م
صدر المرسوم الملكي بوضع لائحة جديدة خاصة بالدرجات العلمية التي تمنحها الكلية
على النحو التالي:
١- درجة الليسانس في اللغة العربية
وآدابها والدراسات الإسلامية.
٢- درجة الليسانس الممتازة في
اللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية.
٣- درجة الماجستير في اللغة العربية
وآدابها والدراسات الإسلامية.
٤- درجة الدكتوراة في اللغة
العربية وآدابها والدراسات الإسلامية.
وتم التعديل في مناهج الكلية الجامعية؛ إذ تم الاستغناء عن مواد
الرياضة والعلوم والرسم، وأنشىء بها ثلاث شعب على النحو التالي:
الأولى: شعبة الشريعة الإسلامية: وتركز على دراسة التفسير، والحديث،
والتوحيد، وأصول الفقه، وتاريخ التشريع، والأحكام الشرعية، وخاصة ما يتصل اتصالًا
وثيقًا بالحياة، كالوصية، والوقف، والميراث.
الثانية: شعبة الفلسفة الإسلامية: لم تكن الفلسفة جديدة في دار العلوم،
وإنما الذي جد فيها هو دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية، وأشهر الباحثين فيها،
ودراسة طرق البحث والمناظرة، ومناهج البحث في العلوم.
الثالثة: شعبة التاريخ الإسلامي: يدَّرس بها تاريخ العرب القديم،
وتاريخ الإسلام، وتاريخ مصر في العصور الوسطى، وتاريخ الشرق العربي في العصر الحديث،
وطرق البحث التاريخي.
وقد ثبت أن هذه الشعب الثلاث حققت أغراضها، وقام الطلبة بدعمها
بالبحوث المختلفة في النواحي التاريخية، والفلسفية، والدينية، وألفوا جمعيات للبحث
والتأليف، كما نظموا مناظرات من وقت لآخر في أحد موضوعات هذه الشعب.
وأصبحت دار العلوم تمثل فتحًا مبينًا في دراسة اللغة العربية
والدراسات الإسلامية، بحيث ظهر كبار العلماء الداعمين الذين تخصصوا في تجديد علوم
اللغة العربية وآدابها من خلال التركيز على النصوص والتدريب العملي في مجال
المطالعة والتذوق الأدبي.
كما خطت الكلية خطوات واسعة في الدراسات الإسلامية فلم تغفل جهود
المستشرقين، وإنما أخذت نصيبًا منها؛ لتلائم بين جهود علماء مصر الذين كان لهم
الفضل والريادة في البلاد العربية وبين جهود الأمم الأوروبية.
ولقد ظهرت عبقرية الدار في أروع صورها في عدم تبني أحد المذاهب
الدينية أو العمل على نشره، وإقصاء ما سواه من المذاهب، ولم نجد من علماء الدار من
احتمى بأصحاب الجاه والسلطان وتبنى مذهبًا معينًا يُذْكي نار الفتن في صفوف الأمة
الإسلامية.
هذه عجالة لا تفي ببيان تاريخ دار العلوم، وإظهار فضائل أبنائها، وهي
عديدة ومتنوعة، وحسبي أن أقول: إن المتابعين للأحاديث الثقافية بالإذاعة المصرية في
الستينيات سعدوا بأحاديث أساتذة دار العلوم أمثال: محمد غنيمي هلال، ومحمد مهدي
علام، وإبراهيم سلامة، ومحمد خلف الله أحمد، وعبد الله شحاتة، وأحمد شلبي، وغيرهم
كثير، تمتعنا بسماع أصواتهم في الإذاعة وقرأنا لهم أو عنهم في الصحف العربية.
والتقينا في السبعينيات في مدرجات التدريس بدار العلوم (المنيرة)
بصفوة من الأساتذة في مختلف مجالات المعرفة، نذكر منهم محمود قاسم، ومحمد كمال
جعفر في الفلسفة والمنطق، ومحمد ضياء الدين الريس، وأحمد شلبي، ومحمد حلمي أحمد في
التاريخ الإسلامي، قدموا لنا مفهومًا جديدًا للتاريخ غير الذي ألفناه من قبل، درَّسوا
لنا النظم السياسية والاقتصادية، والتقاء الحضارة الإسلامية مع الحضارات الأخرى.
ولا يتسع المقام للحديث عن علماء الشريعة الذين قدموا لنا طرائق
متطورة في دراسة الفقه، والتفسير، والحديث، وأصول الفقه، نذكر منهم الأساتذة الدراعمة:
علي حسب الله، ومحمد الزفزاف، ومحمد بلتاجي حسن، وغيرهم كثيرون.
أما علماء اللغة العربية فحدث عنهم ولا حرج، تتلمذنا على يد أساتذة،
مثل: عباس حسن، وإبراهيم أنيس، وعبد الرحمن أيوب، وتمام حسان، وبدوي طبان، وأحمد
هيكل، ومحمد عيد وغيرهم ممن يواصلون عطاءهم العلمي الغزير، ومعظم هؤلاء ابتعثوا
إلى أوروبا، وعادوا إلى مصر يحملون راية الدراسات اللغوية في مصر والعالم العربي.
ولا يقتصر دور دار العلوم على إثراء الحياة الثقافية في مصر، وإنما
كان لها دورها البارز على امتداد العالم العربي والإسلامي كله، فهي كعبة الوافدين
من البلاد الإسلامية، يأتون إليها في بعثات رسمية أو على نفقتهم الخاصة، وكثير من
هؤلاء بلغوا في بلادهم مكانة عالية؛ تولوا وزارات التربية والتعليم أو الثقافة،
وقاموا بنشاط ملحوظ في تثبيت معالم الثقافة العربية والإسلامية في أوطانهم، وحملوا
اسم دار العلوم معهم، فصار يطلق الآن على أكثر من مؤسسة تعليمية في الهند وباكستان
وإيران واليمن والمملكة العربية السعودية.
واعترافًا بسلامة مناهج دار العلوم العريقة في تكوين طلابها عربيًّا
وإسلاميًّا وجدت لها فروع في المنيا والفيوم، تحمل الاسم وتسير في خططها ومقرراتها
وفق ما درَّسه أعضاء هيئة التدريس في دار العلوم الأم التي مقرها في جامعة القاهرة
بجوار كلية الإعلام وكلية الآثار منذ ١٩٨٠م.
ومن الطرافة أن هذه المؤسسة التعليمية التي يذكر فيها اسم الله،
وكتاب الله في كل محاضراتها، شاع اسمها على ألسنة طلاب الجامعة كافة، فأصبح من في
الجامعة يقول: دخلت من مدخل دار العلوم، باب (مترو دار العلوم)، بوابة دار العلوم،
ولم يكن القائمون على نقلها في هذا المكان يدركون أنها ستستمر تحتفظ بكيانها
وطابعها الإسلامي وباسمها التاريخي الذي يعرفه العامة والخاصة، بعد أن جاء مكانها
الجديد في أطراف الجامعة كآخر الكليات التي يمكن أن يصل إليها من دخل من الباب الرئيسي
للجامعة.
هذه دار العلوم
العظيمة التي حرصت على تأكيد الهوية الإسلامية والعربية، وتأصيل التراث الإسلامي،
ومحاولة الإبقاء والمحافظة عليه، وربطه بالتكوين الثقافي المعاصر، وحسب أبناء هذه
الدار أنهم عرفوا الثقافة القديمة بحواشيها، والثقافة الحديثة، ومزجوا بين
الثقافتين مزجًا فريدًا، فوصلوا الماضي بالحاضر، والشرق بالغرب في نظام محكم
وأسلوب عربي متين، حتى أصبحت إحدى مفاخر جامعة القاهرة، وواسطة العقد بين كلياتها
المتعددة، وهي تؤدي رسالتها الخالدة في خدمة لغة القرآن وشريعة الإسلام.