يمثل يوم عاشوراء محطة إيمانية فارقة تلتقي عندها مواكب الأنبياء، وتتجلى فيها السنن الإلهية بنصرة الحق وإهلاك البغي، فكيف نستنطق هذه الأحداث لتتحول من سرد إخباري إلى طاقة روحية وأبعاد مقاصدية تصوغ عقل الأمة، وتجدد وعيها الحضاري؟
يمثل يوم عاشوراء محطة إيمانية فارقة تلتقي عندها مواكب الأنبياء، وتتجلى فيها السنن الإلهية بنصرة الحق وإهلاك البغي، فكيف نستنطق هذه الأحداث لتتحول من سرد إخباري إلى طاقة روحية وأبعاد مقاصدية تصوغ عقل الأمة، وتجدد وعيها الحضاري؟
شهد هذا الوعاء الزمني تحولاتٍ فارقةً صاغت مسيرة الإيمان، وتنوَّعت بين نجاة الأنبياء، وإهلاك الطغاة، وتمكين المستضعفين، ومن أبرزها:
وهو الحدث المحوري الأسمى الممتد عبر الزمان؛ حيث واجهت فئة مستضعفة طغيان فرعون وكبرياءه، فخرج كليم الله سيدنا موسى - عليه السلام - بجموع المؤمنين يبتغون مسالك النور، فتعقّبهم البغي بجنوده، حتى إذا التقى الجمعان وعظم الكرب في النفوس، أشرقت إشراقة الوحي الإلهي الآمرة: ﴿فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فانفلق اليمُّ مسالك ممهدة كالجبال الشامخة، فعبر موسى ومن معه سائرين صوب الأمان، بينما تهاوى فرعون بجنوده في لُجَجِ الغرق حين أمر الله البحر بالالتطام، لتصير نجاة أهل الإيمان وهلاك أهل البغي معجزةً خالدة على مر الدهور، وحين أشرف فرعون على الهلاك ونادى في اللحظة الضائعة: ﴿ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِیۤ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوۤا۟ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [يونس: ٩٠]، وهنا جاءه القصاص الغيبي يمزق أستار الكبر: ﴿ءَاۤلۡءَٰنَ وَقَدۡ عَصَیۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [يونس: ٩١].
ومرت السنينُ والأزمانُ وتشرفت المدينة المنورة بمقدم حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ووجد اليهود صائمين يعظمون هذا الميقات شكرًا لنجاة الكليم، فأعلن - صلى الله عليه وسلم - أصالة الروابط الإيمانية ونادى بأشواقه النبوية: «أَنَا أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ" [البخاري، الصحيح،٤٦٨٠].
في هذا اليوم الأغر، رسَتْ سفينة نوح - عليه السلام - فوق جبل الجودي بعد أن غمر الطوفان العظيم أرجاء الأرض؛ ليغسلها من دنس الفساد والمستكبرين؛ بعد سياحة دعوية وعطاء ممتد لسيدنا نوح - عليه السلام - دام تسع مئة وخمسين عامًا قابلوه فيها بالتكذيب والسخرية، حتى حال الموج بينه وبين ولده كنعان فكان من المغرقين، فصام نوح - عليه السلام - هذا اليوم حامدًا مستشعِرًا منة النجاة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟» قَالُوا: "هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وَهَذَا يَوْمٌ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا للهِ تَعَالَى"، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - : «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ»، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ" [أحمد: المسند، رقم ٨٧١٧ / البزار: المسنده، رقم ٩٤٥٩].
تلقت الآثار بنور القبول أن هذا اليوم هو المعراج الزمني الذي نال فيه أبونا آدم - عليه السلام - منحة العفو الرباني الفسيح بعد هبوطه للأرض ليقوم برسالته في العمران والاستخلاف؛ فبعد الذنب لهج وزوجه السيدة حواء بلسان الانكسار: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَاۤ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِینَ﴾ [الأعراف: ٢٣] فكان العاشر من المحرم تجلِّيًا لقوله - سبحانه: ﴿فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتࣲ فَتَابَ عَلَیۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [البقرة: ٣٧]، وهو ما صح عن عبيد بن عمير قال: "المحرم شهر الله الأصم، فيه تيب على آدم - عليه السلام" [ابن رجب: لطائف المعارف، ص ١٠٤].
لم ينقطع خيط التعظيم لهذا اليوم حتى في وهاد الجاهلية، فكانت قريش تصومه استشعارًا لعظم ذنب أصابوه ورغبةً في غسيل النفوس [ابن رجب: لطائف المعارف، ص ٥٥]، وجعلوا منه ميقاتًا سنويًا لأبهى شعائر التعظيم لبيت الله الحرام؛ فعن أمنا عائشة - رضي الله عنها قالت: "وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ" [البخاري: الصحيح، رقم ١٥٩٢]، ويستنبط الحافظ ابن حجر "أن الجاهلية كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور، وفيه إشارة إلى الميقات المهيب لتبديل كسوة الكعبة وهو يوم عاشوراء" [ابن حجر: فتح الباري، ٣/٥٣٠].
في المنعطف الحزين من مسيرة هذه الأمة، وبما يدمي شغاف القلوب حزنًا وأسًى، شهد العاشر من المحرم سنة ٦١ هجرية فجيعة كبرى ومصيبة مروعة؛ حيث استشهد ريحانة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيد شباب أهل الجنة، الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط النبي الفخم وابن السيدة فاطمة الزهراء البتول - عليهم السلام - أجمعين على يد فئة ظالمة في كربلاء وهو ابن ست وخمسين سنة [راجع: ابن كثير: البداية والنهاية، ١١/٥١١].
إن القراءة المستوعبة لهذه الحوادث المتلاقية في وعاء زمني واحد، تتجاوز بنا حدود السرد الإخباري الظاهر، لتوجهنا نحو اقتناصِ جملةٍ من الدروس البليغة والأبعاد التربوية المقاصدية التي تشكل وجدان الأمة وعقلها الجمعي؛ ومن أهمها:
يتجلى هذا البعد الأصولي بأبهى صور الحفاوة الحضارية في مقولة حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَىٰ مِنْكُمْ» [البخاري: الصحيح، رقم ٤٦٨٠]؛ ليرسخ في وعي الأمة أن الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - نسيجٌ واحد، ودعوتهم تخرج من عينٍ واحدة وإن تنوعت شرائعهم، وأن هذه الأمة المحمدية هي الوارث الشرعي والحارس الأمين على تراث النبوات وجهاد السالفين في الأرض.
تُعلمنا السُنة النبوية أن صيام عاشوراء جاء امتثالًا لأمر إلهي يَتَغَيَّا تذكُّرَ أيامِ الله ونعمه الكبرى في التاريخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ [إبراهيم: ٥]، والتي فسّرها حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها "نِعَم الله - تبارك وتعالى" [أحمد: مسند، رقم ٢١٢١٧]، ومن ثم، يتحول الزمان في الرؤية الإسلامية من وعاء جامد إلى حركة حية تُستثمر بالشكر والعمل والعبادة، لا بالوقوف عند مظاهر التبرك الساكن الفاقد لروحه ومقاصده.
إن مشهد انقسام البحر المتلاطم وتحوله إلى مسالك ممهدة كأطواد الجبال، كما عبر عنها الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [الشعراء: ٦٣]
هذا الحدث يُلهم وجدان الأمة درسًا بليغًا في حتمية سقوط قوى البغي والطغيان مهما بلغت قوتها المادية وتعاظم حشدها؛ فالمعية الربانية كفيلة بتبديد غطرسة المستكبرين وصناعة النصر من رحم المستحيل لصالح الفئات المستضعفة التي تمسكت بحبل اليقين ﴿كَلَّاۤۖ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ﴾ [الشعراء: ٦٢]
إن اقتران هذا اليوم بقبول توبة آدم - عليه السلام - وقوم يونس - عليه السلام [ابن رجب: لطائف المعارف، ص ٥٧]، يؤسس في قراءتنا النفسية والتربوية لمفهوم الحصانة الإيمانية الدورية؛ حيث يعود العبد إلى رصيد الفطرة الأولى بالاستغفار والاعتراف بالذنب، موقنًا أن الخطيئة عارضٌ يزول بصدق الأوبة، وأن اللطف الإلهي جعل من الصيام وقاية ربانية تمحو أثر الزلات في الماضي وتمنح العبد صيانة في المستقبل [راجع: المناوي: فيض القدير، ٤/٣٠٣].
صيام عاشوراء شكرٌ لله، وتجسيدٌ لوفاء النبي بمكانة موسى عليه السلام العالية.
عاشوراء محطةٌ إيمانية ورمزٌ للتضحية، يجسدها استشهاد الحسين دفاعًا عن المبادئ السامية.
عاشوراء يوم نصر موسى، وصيامه تجديدٌ للعهد النبوي وتجسيدٌ للولاء والارتباط بالسماء.
عاشوراء فرصة متجددة لتعزيز قيم التعايش والتسامح والوحدة الإنسانية بين المذاهب والأديان.