وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن صيام هذا اليوم لا يقف عند حدود التبرك بالزمان، بل هو امتثال صريح للأمر الشرعي بتذكر نعم الله الكبرى في التاريخ وإهلاك الطغاة، وتحويل الزمان من وعاء جامد إلى حركة حية تُستثمر بالشكر والعبادة والعمل الصالح.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِءَایَٰتِنَاۤ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّكُلِّ صَبَّارࣲ شَكُورࣲ﴾ [إبراهيم: ٥].
وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِ﴾ قال: «بِنِعَمِ اللهِ» [أحمد، رقم (٢١١٢٨)].
يذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره: ﴿وَذَكِّرۡهُم بِأَیَّىٰمِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: "بأيادية ونعمه عليهم" [تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير، ج ٤، ص ٤١٠]، وقال مجاهد وقتادة: "بالنعم التي أنعم بها عليهم؛ أنجاهم من آل فرعونَ، وفلق لهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ، وأنزَل عليهم المَنَّ والسلوى" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري، ج ١٦، ص ٥٢١].
شهد هذا الوعاء الزمني تحولاتٍ فارقةً صاغت مسيرة الإيمان عبر العصور السالفة، وتنوعت ملامحه بين نجاة الأنبياء، وإهلاك الطغاة، وتمكين المستضعفين، واقتران هذا الميقات بقبول توبة آدمَ - عليه السلام - وقوم يونس - عليه السلام - مما يجعله محطةً سنوية عريقة للتطهر الروحي والأوبة إلى الله.
قال الله - تعالى - في قصة توبة آدم - عليه السلام: ﴿فَتَلَقَّىٰۤ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتࣲ فَتَابَ عَلَیۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ؟» قَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ وَغَرَّقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ، وَهَذَا يَوْمُ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ» فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّوْمِ" [مسند أحمد (٨٧١٧)].
عن الأسْود بن يزيدَ، قال: سألت عُبيدَ بنَ عُميرٍ عن صيام يوم عاشوراء، فقال: "المحرّم شهر الله الأصمّ، فيه يوم تِيب فيه على آدم، فإن استطعت ألاّ يمرّ بك إلاّ صمتَه فافعل" [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي، ص ١٠٤]، وروى عكرمة في شأن صوم الجاهلية له: "أذنبت قريش في الجاهلية ذنبًا فتعاظَم في صدورهم، فسألوا ما توبتهم؟ قيل: صوم عاشوراء، يوم العاشر من المحرم" [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي، ص ٩٢].
إن الدرس الأكبر والمحوري من أحداث عاشوراء هو الثقة المطلقة في الله - تبارك وتعالى - وانقطاع الأسباب الدنيوية المادية أمام القدرة الإلهية، ويتجلى ذلك في اللحظة التي تراءى فيها الجمعان، وعظُم الكرب، وضجت النفوس بالخوف، فانطلقت القراءةُ الإيمانية الواثقة لتثبت أن أدوات الهلاك في يد الله تصبح هي ذاتها أدوات النجاة.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَٰۤءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰۤ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ * قَالَ كَلَّاۤۖ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی سَیَهۡدِینِ﴾ [الشعراء: ٦١-٦٢]، وقال سبحانه: ﴿فَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰۤ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقࣲ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
يقرر أئمة التفسير والأثر في توجيه معالم اليقين قائلين: "ليس الأمر كما ذكرتم، كلا لن تدركوا، إن معي ربي سيهدين، يقول: سيهدين لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام الطبري، (١٧/٥٨١)]، وجاء في لطائف العرفان: "وقد قال سبحانه: ﴿وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ينجّيهم من كلّ بلاء، ويخصّهم بكل نعمة" [لطائف الإشارات = تفسير القشيري للإمام أبي القاسم القشيري، (٣/١٢)].
يرسخ الموقف المحمدي الشريف من يوم عاشوراء مبدأ وحدة الرسالات السماوية وعقيدة التوحيد الراسخة؛ فالمسلمون هم الامتداد الشرعي والأصل الحقيقي للأنبياء والمرسلين، والوارثون لبهجة نصر الحق وإهلاك البغي عبر الزمان، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه قَالَ: "دَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وَإِذَا أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ» [البخاري (٣٩٤٢)].
قوله صلوات ربي وسلامه عليه: «نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ، فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ» قد سلف أن رسول الله كان يصوم عاشوراء قبل الهجرة على طريق الوجوب، فلما نزل رمضان نسخ وجوبه وبقي كونه ندبًا، وقوله: نحن أحق بموسى معناه أنه لم يخالف اليهود فيما فيه تعظيم موسى كما كان يخالفهم في كل أمر [الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري (٧/ ١١٦)].
تتبّع العلماء الهدي النبوي في صيام عاشوراء فوجدوا أنه مرّ بأربعة أحوال تشريعية دقيقة، تعكس حكمة التدرج، وتطوَّر في أواخر العهد النبوي ليرسخ خصوصية الأمة الإسلامية، ومقصد المخالفة لأهل الكتاب؛ صيانةً للهوية العبادية من التبعية أو المشابهة الظاهرية.
الحال الأول (بمكة): عَنْ أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ..." [البخاري (٤٥٠٤)].
الحال الثاني (بالمدينة وتعويد الصبيان): عن سيدتنا الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ - رضي الله عنها - قالت في صيامهم وصيام أطفالهم: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ» قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ" [البخاري (١٩٦٠)].
الحال الثالث (التخيير بعد فرض رمضان): عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما "أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَامَهُ وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا افْتُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ عَاشُورَاءَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» [مسلم (١١٢٦)].
الحال الرابع (العزم على صيام التاسع للمخالفة): عَنْ ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: "حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [مسلم في صحيحه (١١٣٤)]، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا، أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا» [صحيح ابن خزيمة (٢٠٩٥)].
يقرر الفقهاء معالم مراتب الصيام الفقهية اللغوية كما في المتون: "عاشوراء وتاسوعاء اسمان ممدودان، هذا هو المشهور في كتب اللغة، قال أصحابنا: عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، وتاسوعاء هو التاسع منه، هذا مذهبنا، وبه قال جمهور العلماء" [المجموع شرح المهذب (٦/٣٨٣)]، "وَفِيهِ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا: الِاحْتِيَاطُ حَذَرًا مِنَ الْغَلَطِ فِي الْعَاشِرِ، وَالثَّانِي: مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ؛ فَإِنَّهُمْ يَصُومُونَ الْعَاشِرَ فَقَطْ، فَعَلَى هَذَا، لَوْ لَمْ يَصُمِ التَّاسِعَ مَعَهُ اسْتُحِبَّ أَنْ يَصُومَ الْحَادِي عَشَرَ" [روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي، ج ٢، ص ٣٨٧]، "وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: أَدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْحَادِي عَشَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" [فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابنِ حجرٍ العسقلاني (٤/٢٤٦)]، وجاء في ضبط التميز اللغوي: «صُوْمُوْهُ وصُوْمُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أوْ يَوْمًا بَعْدَهُ وَلَا تَشَبَّهوا باليَهُوْدِ» [التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه لأبي الوليد الباجي، (١/٣١١)].
تتجلى في عاشوراء منحة إلهية تترجم سعة رحمة الله؛ حيث أثار أئمة الشروح نقاشًا علميًا عميقًا حول كيفية تكفير الذنوب المستقبليّة والمشروطة قياسًا بعرفة، والربط التربوي لأصل (الاحتساب) الذي يحول العبادة من إمساك مادي إلى وقاية ربانية، وحصانة إيمانية تحمي العبد من الوقوع في الزلات والشقاء للأبد.
عن أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [مسلم (١١٦٢)، وسنن ابن ماجه، ( ١٧٣٨)]، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا» [الإمام الطبراني في المعجم الأوسط، ( ٢٨٥٦)]، وعن الامام عَليٍّ - رضي الله عنه - قال: "سَألهُ رَجُلٌ، فقال: أىَّ شَهْرٍ تأمُرُنِي أنْ أصُومَ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضانَ؟ فقال لهُ: مَا سَمعْتُ أحَدًا يَسألُ عن هذا إلا رَجُلًا سَمعْتُهُ يَسألُ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأنا قَاعدٌ عنده، فقال: يَا رَسولَ اللهِ أيَّ شَهْرٍ تأمُرُني أنْ أصُومَ بَعْدَ شَهرِ رَمَضانَ؟ قال: «إنْ كُنْتَ صَائمًا بَعْدَ شَهْرِ رَمَضانَ، فَصُم المُحَرَّمَ، فَإنّهُ شَهْرُ اللهِ، فيهِ يَوْمٌ تَابَ فيهِ على قَوْمٍ، وَيَتُوبُ فيهِ على قَوْمٍ آخَرِينَ» [سنن الترمذي (٧٥١)].
يذكر الإمام بدرُ الدين العيني: "لأنه قد يجوز أن يكون يصومه شكرًا لله لمَّا أظهر موسى - عليه السلام - على فرعون، فيشكر الله به ما شكره به من ذلك، فيكفر به عنه السنة الماضية" [نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار للإمام بدر الدين العيني، (٨/٤١٤)]، ويشرح المباركفوري تكفير السنتين: "قيل معناه: أن يحفظه الله - تعالى - من الذنوب فيها، وقيل: أن يعطيه الله - تعالى - من الرحمة والثواب قدرًا يكون ككفارة السنة الماضية والسنة القابلة، إذا جاءت واتفقت له فيها ذنوب" [تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام المباركفوري ( ٣/٣٧٧)].
ويؤكد المُناوي التوجيه الأصولي بقوله: "أو يكفرها حقيقة لو وقع فيها، ويكون المُكَفِّر مقدَّمًا على المُكَفَّر، قال صاحب العدة: وذا لا يوجد شيء مثله في شيء من العبادات" [فيض القدير شرح الجامع الصغير للإمام المناوي (٤/٢٣٠)]، وجاء في حكمة التعرض للنفحات: "فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ لَمْ تَحْصُل لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا تُوجَدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لِأَنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى جَذْبَةٍ مِنْ جَذَبَاتِ الْحَقِّ تُوَازِي عَمَلَ الثَّقَلَيْنِ، وَالتَّحَابُبُ سَبَبُ التَّجَاذُبِ" [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لمُلا علي القاري (٨/٣١٣٨)]، وفي التيسير: «فَتَعَرَّضُوا لَهُ» بتطهير الْقلب وتزكيته من الأكدار والأخلاق الذميمة... فإن العَبْد لَا يدْرِي فِي أَي وَقت يكون فتح خَزَائِن المِنَن... فَمن وَافق الْفَتْح اسْتغنى لِلْأَبَد" [التيسير بشرح الجامع الصغير للإمام المناوي (١/٣٣٩)].
توازن الشريعة بين طهارة الروح بالصيام وإدخال السرور والتضامن الجماعي بالتوسعة والنفقة المالية على الأهل والفقراء، مع طمأنة المريض والنساء عند فجاءة العذر الشرعي بأن رصيد النية الصادقة والبدء بالعبادة يكتب به الأجر كاملًا موفورًا.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ سَائِرَ سَنَتِهِ» [الطبراني في المعجم الكبير (١٠٠٠٧)]، وعن جابر - رضي الله عنه - في الأثر مرفوعًا: «مَنْ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ» [ابن عبد البر في الاستذكار (٣/٣٣١)]، قوله - صلى الله عليه وسلم - في ثواب الأعذار: «إِذا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» [البخاري (٢٩٩٦)]، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» [البخاري في صحيحه، (٦٤٩١)].
قال ابنُ عُيينة: عن جعفرٍ الأحمرِ، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ المنتشرِ، وكان من أفضل أهل زمانه، أنّه بلغه أنّه من وسّع على عياله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته، قال ابن عُيينة: جرّبناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرًا [لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي، ص ١٠٣]، وجاء في فقه المالكية: "وأمّا النَّفَقَةُ فيه والتَّوسعة، فمخلوفَةٌ باتِّفَاقِ إذا أُرِيدَ بها وجهُ الله - تعالى - وأنّه يخلف الله بالدِّرْهَمِ عشرًا" [المسالك في شرح موطأ مالك للإمام ابن العربي المالكي، (٤/٢٠٦)]، ونقل ابن حبيب هذه الأبيات:
لا تَنْسَ لا يُنْسِكَ الرَّحمنُ عاشورا … واذْكُرْهُ لا زلتَ في الأحياءِ مذكورَا
قال الرَّسولُ صلاةُ اللهِ تَشْمَلُهُ … قَوْلًا وَجَدْنَا عليه الحَقَّ والنّورا
أوْسِعْ بمَالِكَ في العَاشُورِ إنَّ له … فَضْلًا وَجَدْنَاهُ في الآثار مَأْثُورَا
مَنْ بَاتَ في لَيْلَةِ العَاشُورِ ذَا سَعَةٍ … تكن معيشَتُهُ في الحَوْلِ مَسْرُورَا
[المسالك في شرح موطأ مالك للإمام ابن العربي المالكي، ج ٤، ص ٢٠٦].
وجاء فقه الحنابلة: "ينبغي فيه -أي يوم عاشوراء- التوسعة على العيال، سأل ابنُ منصورٍ أحمدَ عنه، قال: نعم" [المبدع في شرح المقنع لبرهان الدين بن مفلح الحنبلي (٣/٤٩)].
يُحذر العلماء من بعض المظاهر والمحدثات التي يفعلها بعض الناس في يوم عاشوراء ولم ترد في الشرع الشريف؛ كضرب الجسد، وإسالة الدم، وشق الجيوب، واتخاذِه مأتمًا أو حزنًا بداعي مقتل الإمام الحسين - رضي الله عنه وأرضاه - فالواجب الشرعي في المصائب هو الصبر والاحتساب والالتزام بهدي المحجَّة البيضاء، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» [مسلم (١٠٣)].
إن يومَ عاشوراءَ يتجاوز السَّرد الإخباري ليكون طاقةً رُوحية متجددة، وبناءً للوعي الحضاري في وجدان الأمة؛ يغرِس معالمَ التوبة والاستقامة، ومبادئ المعية الإلهية، وثبات الهوية، لتستمر طاعة المسلم ممتدةً لا تنقطع بانقضاء المَوسم، بل تلزمُ الصراط المستقيم.
صيام عاشوراء شكرٌ لله، وتجسيدٌ لوفاء النبي بمكانة موسى عليه السلام العالية.
عاشوراء محطةٌ إيمانية ورمزٌ للتضحية، يجسدها استشهاد الحسين دفاعًا عن المبادئ السامية.
عاشوراء يوم نصر موسى، وصيامه تجديدٌ للعهد النبوي وتجسيدٌ للولاء والارتباط بالسماء.
عاشوراء فرصة متجددة لتعزيز قيم التعايش والتسامح والوحدة الإنسانية بين المذاهب والأديان.