تُمثل غزوة حنين (٨هـ) المحطة التربوية الأبرز في السيرة النبوية؛ إذ جاءت في أعقاب فتح مكة لتنقل المسلمين من نشوة النصر إلى اختبار الزلزال والتمحيص.
تُمثل غزوة حنين (٨هـ) المحطة التربوية الأبرز في السيرة النبوية؛ إذ جاءت في أعقاب فتح مكة لتنقل المسلمين من نشوة النصر إلى اختبار الزلزال والتمحيص.
أ ـ الغرور والإعجاب:
كان إعجاب المسلمين بكثرتهم والذي تحول لدى بعض عناصر الجيش إلى غرور - السبب الرئيسي في الإهمال والاسترخاء الذي حل لدى كثير من عناصر الجيش محل التنبه واليقظة والحذر، "رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَلْفَيْنِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ، فَلَمّا فَصَلَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَوْ لَقِينَا بَنِي شَيْبَانَ مَا بَالَيْنَا، وَلَا يَغْلِبُنَا الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ قِلّةٍ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل فِي ذَلِكَ: ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِی مَوَاطِنَ كَثِیرَةࣲ وَیَوۡمَ حُنَیۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَیۡءࣰا وَضَاقَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّیۡتُم مُّدۡبِرِینَ﴾ الآية [الواقدي، المغازي (٣/٨٨٩)]، قَالَ الرَّبِيعُ وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْهُمْ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ [البيهقي دلائل النبوة (٥/١٢٤)، وعن الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَسِرْنَا مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ، فَيُعَلِّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا، قَالَ: فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، قَالَ: فَتَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، إنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» [ابن هشام، السيرة النبوية (٢/٤٤٢)]؛ مما أدى إلى تمكين العدو من وضع خطة الكمائن وتنفيذها بصورة ناجحة أدت إلى هزيمة المسلمين هزيمة منكرة عند الصدمة الأولى، هذه الهزيمة التي كادت أن تكون كاملة شاملة ساحقة لولا ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم القائد الأعلى للجيش في الميدان.
ب - مستوى التعبئة الذي كانت عليه قوات هوازن قبل المعركة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَلَمّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ، جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النّضْرِيّ فَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مَعَ هَوَازِنَ ثَقِيفٌ كُلّهَا، وَاجْتَمَعَتْ نَصْرٌ وَجُشَمٌ كُلّهَا، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ وَهُمْ قَلِيلٌ وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إلّا هَؤُلَاءِ.... وَجِمَاعُ أَمْرِ النّاسِ إلَى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ، فَلَمّا أَجْمَعَ السّيْرَ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَطّ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فَلَمّا نَزَلَ بِأَوْطَاسٍ اجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ فِي شِجَارٍ لَهُ يُقَادُ بِهِ فَلَمّا نَزَلَ قَالَ "بِأَيّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ " قَالُوا: بِأَوْطَاسٍ قَالَ "نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ لَا حَزْنٌ ضَرِسْ وَلَا سَهْلٌ دَهِسْ مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّغِيرِ وَيُعَارَ الشّاءِ؟" قَالُوا: سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ، قَالَ: "أَيْنَ مَالِكٌ؟" قِيلَ: هَذَا مَالِكٌ وَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: "يَا مَالِكُ إنّك قَدْ أَصْبَحْت رَئِيسَ قَوْمِك، وَإِنّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيّامِ، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّغِيرِ وَيُعَارَ الشّاءِ؟" قَالَ: سُقْت مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، قَالَ: "وَلِمَ ذَاكَ؟" قَالَ: أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَهْلُهُ وَمَالُهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ، قَالَ: "فَأَنْقَضَ بِهِ" [ابن هشام، السيرة النبوية (٢/٤٣٨)، السهيلي، الروض الانف (٧/٢٧٦)].
رأينا كيف أن ذلك الشاب قائد هوازن وملكها، مالك بن عوف رغم غلطته التعبوية القاتلة (استصحاب الجند للأهل والمال معهم) قد لجأ عند تعبئة قواته في حنين إلى عامل نفسي كان له أثره المرعب في نفوس جند المسلمين، وهو أنه أركب النساء في الصفوف الخلفية من جيشه على الجمال، فظهرن وكأنهن جزء من الجيش، حتى بدا جيش هوازن وكأنه مائة ألف لا عشرين ألفًا كما شهد بذلك أحد الصحابة الذين حضروا حنين.
ج- نجاح قائد هوازن في سبق المسلمين إلى وادي حنين:
اختار مالك بن عوف المرابطة بجيشه في المكان المناسب من هذا الوادي، حتى بدا واضحًا وكأنه أجبر المسلمين على المرور في مضايق وشعاب، لا يفضلون المرور فيها لوعورتها وضيقها وشدة انحدارها، وهذه حقيقة أدلى بها أحد الصحابة وهو يتحدث عن التحرك إلى حنين، فذكر أن جيش الإسلام - وهو يحاول الدخول إلى وادى حنين - لم يكن يتحرك في سهل منبسط، كما هو الأفضل لجيش أكثره من الفرسان والهجانة، وإنما كان ينحدر في منحدرات وعرة شديدة الانحدار، الأمر الذي جعله يفقد الكثير من انتظام صفوفه، ويسهل على الكمائن التمكن منه وإنزال الهزيمة به وعلى تلك الصورة المخيفة.
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي حنين وانحدر المسلمون في الوادي قرب الصبح وهو واد أجوف، وقد كمن المشركون لهم في شعابه ومفارقه فأعدوا للقتال، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحدر والمسلمون بالوادي إذ اشتدت عليهم الكتائب من المشركين شد رجل واحد، وانهزم المسلمون راجعين، لا يعرج أحد، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم قال: أين أيها الناس! هلموا، أنا رسول الله! أنا محمد بن عبد الله! واحتملت الإبل بعضها بعضًا ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رهط من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعطفون على شيء قال: «يَا عَبَّاسُ اصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ» فنادى العباس- وكان امرأً جسيمًا شديد الصوت: يا معشر الأنصار يا أصحاب السَّمُرة، فأجابوا لبيك لبيك، وكان الرجل من المسلمين يذهب ليثني بعيره فلا يقدر على ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ثم يأخذ سيفه وترسه، ثم يقتحم عن بعيره فيخلي سبيل بعيره ويؤم الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رجل واستقبلوا الناس وقاتلوا [ابن حبان، السيرة النبوية (١/٣٤٨)].
د - نجاح استخبارات ودوريات المشركين:
حيث إنهم حصلوا على أدق المعلومات عن عدد جيش الإسلام ومواعيد تحركاته بشكل لسنا متيقنين إذا قلنا: إنه أدق من أعمال دوريات واستخبارات المسلمين.
بعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأمرهم أن يتفرّقوا في العسكر فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالهم، فقال:
ويلكم ما شأنكم، فقالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، والله ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلّا أهل السماوات وإن اطعتنا رجعت بقومك، فإنّ الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا، فقال: أفّ لكم، أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقًا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلّوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل، فخرج ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت رجالًا بيضًا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فو الله ما تماسكت أن أصابني ما ترى، فلم يثن ذلك مالكًا عن وجهه [الصالحي الشامي، سبيل الهدى والرشاد (٥/٣١٦)].
ولولا نجاح دوريات واستخبارات هوازن، لما استطاعوا أن يحددوا لقائدهم العام المواضع التي وصلها جيش الإسلام والأماكن التي سيكون فيها عند الفجر، الأمر الذي يسر لمالك بن عوف (وفق معادلات وحسابات دقيقة) أن يضع الكمائن في المواقع المناسبة لتنقض على جيش الإسلام بصورة فعالة في الوقت المناسب.
وكان مالك يعلق أكبر الآمال على عمليات الكمائن الصاعقة المباغتة، والتي نجحت في مهمتها مائة في المائة، وكاد مالك يقطف الثمرة النهائية اليانعة النجاح خطة الكمائن، لولا ثبات الرسول القائد صلى الله عليه وسلم، والقلة من أصحابه، الذين ضيعوا على ملك هوازن وقائده ثمرة عمليات الكمائن الناجحة.
هـ - من أسباب الهزيمة وجود حديثي عهد بالإسلام
حيث إنه يوجد في جيش الإسلام عناصر من قريش وكنانة حديثة عهد بالإسلام، أسلمت ولما يدخل الإيمان في قلوبهم.. كانت هذه العناصر تتمنى أن تنزل الهزيمة الكاملة بالجيش النبوي، وتود أن تتمكن هوازن من أن تعيد للوثنية سلطانها على مكة المكرمة.
قال ابن إسحاق: فَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ (يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ) وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكَّةَ الْهَزِيمَةَ، تَكَلَّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الضِّغْنِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ: لا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ، وَإِنَّ الأَزْلامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ- وَصَوَّبَهُ ابْنُ هِشَامٍ: كِلْدَة- أَلَا بَطُلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ أَخُوهُ لأُمِّهِ وَكَانَ بَعْدُ مُشْرِكًا: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ يَرُبَّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يربني رجل مِنْ هَوَازِنَ [ابن سيد الناس، عيون الأثر (٢/٢٤٠)].
وروى محمد بن عمر، عن أبي قتادة- رضي الله عنه قال: مضى سرعان النّاس من المنهزمين، حتى دخلوا مكّة، ساروا يومًا وليلة- يخبرون أهل مكّة بهزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعتَّاب بن أَسِيد -بوزن أمير- على مكّة ومعه معاذ بن جبل، فجاءهم أمر غمّهم، وسر بذلك قوم من أهل مكة وأظهروا الشّماتة، وقال قائل منهم: ترجع العرب إلى دين آبائها، وقد قتل محمد وتفرّق أصحابه، فتكلم عتّاب بن أَسِيد يومئذ فقال: إن قُتل محمد، فإن دين الله قائم، والّذي يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا من ذلك اليوم حتّى جاء الخبر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقع بهوازن، فسُرَّ عتاب بن أَسِيد، ومعاذ بن جبل، وكبت الله -تعالى- من هناك ممّن كان يسرّه خلاف ذلك [الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد (٥/٣٢٠)].
أ - ثبات الرسول ﷺ:
يأتي (دونما شك) وفي الدرجة الأولى، من أسباب انتصار المسلمين الساحق بعد هزيمتهم المنكرة في حنين: يأتي في الدرجة الأولى، ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم عند الهزيمة، حيث انحاز في الميدان إلى مكان مناسب وثبت فيه - صلى الله عليه وسلم -وصار يناشد المنهزمين ليعودوا إلى ميدان الشرف وينضموا إليه، قَالَ أَنَسٌ: فَسَمِعْت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَالْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَالنّاسُ مُنْهَزِمُونَ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَا أنصار الله وأنصار رَسُولِهِ! أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ صَابِرٌ»!
قَالَ: ثم تقدم بحربته أمام الناس، والذي بَعَثَهُ بِالْحَقّ، مَا ضَرَبْنَا بِسَيْفٍ وَلَا طَعَنّا بِرُمْحٍ حَتّى هَزَمَهُمْ اللهُ، ثُمّ رَجَعَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم إلى العسكر وأمر أَنْ يُقْتَلَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَجَعَلَتْ هَوَازِنُ تُوَلّي وَثَابَ مَنْ انْهَزَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: حَدّثَنِي مَعْمَرٌ، وَمُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَوَلّى الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ، فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا مَعَهُ إلّا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آخِذًا بِثَفَرِ بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبىّ صلى الله عليه وسلم لا يألوا مَا أَسْرَعَ نَحْوَ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: فَأَتَيْته حَتّى أَخَذْت بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ شبهاء، فَشَجَرْتهَا بِالْحَكَمَةِ، وَكُنْت رَجُلًا صَيّتًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَى مِنْ النّاسِ مَا رَأَى، لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، قَالَ: «يَا عَبّاسُ، اُصْرُخْ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! يَا أَصْحَابَ السّمُرَةِ» فَنَادَيْت: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! يَا أَصْحَابَ السّمُرَةِ! قَالَ: فَأَقْبَلُوا كَأَنّهُمْ الْإِبِلُ إذَا حَنَتْ إلَى أَوْلَادِهَا، يَقُولُونَ: يَا لبّيك! يا لبّيك! فيذهب الرجل مِنْهُمْ فَيُثْنِي بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَأْخُذُ دِرْعَهُ فَيُقَدّمُهَا فِي عُنُقِهِ، وَيَأْخُذُ تُرْسَهُ وَسَيْفَهُ ثُمّ يَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ فَيُخَلّي سَبِيلَهُ فِي النّاسِ، وَيَؤُمّ الصّوْتَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذَا ثَابَ إلَيْهِ النّاسُ اجْتَمَعُوا، فَكَانَتْ الدّعْوَةُ أَوّلًا: يَا لَلْأَنْصَارِ! ثُمّ قُصِرَتْ الدّعْوَةُ فَنَادَوْا: يَا لَلْخَزْرَجِ! قَالَ: وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ اللّقَاءِ، صُدُقًا عِنْدَ الْحَرْبِ. قَالَ: فَأَشْرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَالْمُتَطَاوَلِ فِي رَكَائِبِهِ، فَنَظَرَ إلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ: الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ! ثُمّ أَخَذَ بِيَدِهِ مِنْ الْحَصَى فَرَمَاهُمْ، ثُمّ قال: انهزموا، ورب الكعبة! [مغازي الواقدي (٣/٨٩٩)].
وَزَادَ غَيْرُهُ:
أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ … أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا» [مسلم (١٧٧٥)].
وَمِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهَا وُجُوهَهُمْ فَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ» فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ القبضة فولوا مدبرين [ابن سيد الناس، عيون الأثر (٢/٢٤١)].
الأمر الذي جعل هزيمة المسلمين غير شاملة، بعد أن كادت تكون كاملة ومدمرة وساحقة، فقد انتاب المنهزمين و(خاصة الأنصار) الخجل من أنفسهم، عندما علموا أن نبيهم وقائدهم الأعلى صلى الله عليه وسلم ثابت في الميدان يقاتل المشركين مقبلًا غير مدبر، فعادوا إلى الميدان وأعادوا تشكيل وحداتهم كلها من جديد وشرعوا بقيادة نبيهم صلى الله عليه وسلم، في القيام بهجوم مضاد كاسح جديد، فضيعت عودتهم إلى الميدان ثمرة الانتصار التي كاد أن يقطفها قائد هوازن.
ب- بلاء سيدنا علي بن أبي طالب وأنصاري في الحرب:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ هَوَازِنَ صَاحِبُ الرَّايَةِ عَلَى جَمَلِهِ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ، إذْ هَوَى لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ، فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ ، وَوَثَبَ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الرَّجُلِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنَّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ، فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ، قَالَ: واجتلد النَّاس، فو الله مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النَّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتَّى وَجَدُوا الْأُسَارَى مُكَتَّفِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٤٤٥)].
ج- قتال الملائكة يوم حنين والرعب الذي حدث للمشركين:
عَنْ سعد بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ أَمَدَّ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ وَيَوْمَئِذٍ سَمَّى اللَّهُ الأَنْصَارَ مُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [تفسير ابن أبي حاتم (٣/٧٥٢)].
وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير ابن مطعم- رضي الله عنه قال: رأيت قبل هزيمة القوم- والناس يقتتلون- مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوت قد ملأ الوادي، لم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم.
وروى محمد بن عمر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن شيوخ من قومه من الأنصار، قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السّود هوت من السماء ركاما، فنظرنا فإذا رمل مبثوت، فكنا ننفضه عن ثيابنا، فكان نصر الله- تعالى- أيّدنا به.
وروى مسدّد في مسنده، والبيهقي، وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال:
حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لمّا التقينا نحن وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة أن كببناهم، فبينما نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة- وفي رواية- إذ غشينا، فإذا هو رسول الله- صلى الله عليه وسلم فتلقّتنا عنده، وفي رواية: إذا بيننا وبينه رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا- وكانت إيّاها [الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد (٥/٣٢٧)].
د- رجالًا ونساء صدقوا ما عاهدوا لله عليه:
قَالَ ابن اسحاق: وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مِمَّنْ صَبَرَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ حِينَ أَسْلَمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ، فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا ابْنُ أُمِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ [ابن هشام السيرة النبوية (٢/٤٤٦)].
وكانت أم سليم بنت ملحان مع زوجها أبي طلحة فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حازمة وسطها ومعها جمل أبي طلحة فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَوْ يَكْفِي اللهُ يا أُمَّ سُلَيْم»! وإنها يومئذ لحُبلى بعبد الله بن أبي طلحة ومعها خنجر فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ [السيرة النبوية لابن حبان (١/٣٥٠)].
وروى محمد بن عمر عن عمارة بن غَزِيَّة قال: قلت أم عمارة: لما كان يوم حنين والناس منهزمون في كل وجه، وكنّا أربع نسوة، وفي يدي سيف لي صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنّها يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث.
قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بعجت بطنه، فقال أبو طلحة: يا رسول الله! ألا تسمع ما تقوله أم سليم.
قال شيوخ محمد بن عمر: فجعلت أمّ عمارة تصيح يا لَلأنصار: أية عادة هذه، ما لكم والفرار؟! قالت: وأنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل، فيقع على عجزه وأشد عليه، ولم أزل أضربه حتّى أثبتّه، وأخذت سيفا له [الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد (٥/٣٣١)].
فَكَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَقُولُ: إنّ أُمّ سُلَيْمٍ، أُمّي ابْنَةَ مِلْحَانَ جَعَلَتْ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْت هَؤُلَاءِ الّذِينَ أَسْلَمُوك وَفَرّوا عنك وخذلوك! لا تعف عَنْهُمْ إذَا أَمْكَنَك اللهُ مِنْهُمْ، فَاقْتُلْهُمْ كَمَا تَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «يَا أُمّ سُلَيْمٍ، قَدْ كَفي اللهُ! عَافِيَةُ اللهِ أَوْسَعُ» [مغازي الواقدي (٣/٩٠٤)].
أ- فرار مالك بن عوف الى ثقيف:
فرّ مالك من الميدان فرار الجبان الرعديد، بل كان انهزامه أشبه بالانسحاب المنظم، ووقف في كتيبة من فرسانه على تل يوفر الحماية لبعض الفارين من الميدان من قومه، وخاصة الضعفة والنساء، وظل ثابتًا على التل في هيئة أركان حربه حتى أيقن أنه إن لم يختف ستحيط به كتيبة الفرسان المطاردة التي يقودها الزبير بن العوام، فلجا إلى الاختفاء بين الأشجار في وادي اليمانية (نخلة) وواصل ترحاله حتى لحق بحصنه في وادي لية، ثم لحق بثقيف فتحصن معها في الطائف.
قال ابن إسحاق: وَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ اسْتَحَرَ الْقَتْلُ مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَنِي مَالِكٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَتَوُا الطَّائِفَ، وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَعَسْكَرَ بَعْضُهُمْ بِأَوْطَاسَ، وَتَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي آثَارِ مَنْ تَوَجَّهَ قِبَلَ أَوْطَاسَ أَبَا عَامِرٍ الأَشْعَرِيَّ، فَأَدْرَكَ مِنَ النَّاسِ بَعْضَ مَنِ انْهَزَمَ، فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ دُرَيْدٍ هُوَ الَّذِي رَمَى أَبَا عَامِرٍ فَقَتَلَهُ.
وَوَقَفَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ عَلَى ثَنِيَّةٍ مِنَ الثَّنَايَا حَتَّى مَضَى ضُعَفَاءُ أَصْحَابِهِ، وَتَتَامَّ آخِرُهُمْ، ثُمَّ هَرَبَ فَتَحَصَّنَ فِي قصر يليه، ويقال: دخل حصن ثقيف [عيون الأثر، لابن سيد الناس (٢/٢٤٢)].
ب- مقتل دُرَيْد بن الصِّمَّة:
وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ أَتَوْا الطّائِفَ، وَعَسْكَرَ عَسْكَرٌ بِأَوْطَاسٍ، وَتَوَجّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجّهَ إلَى نَخْلَةَ إلّا بَنُو عَنَزَةَ مِنْ ثَقِيفٍ.
فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْلًا تَتْبَعُ مَنْ سَلَكَ نَخْلَةَ، وَلَمْ تَتْبَعْ مَنْ سَلَكَ الثّنَايَا وَيُدْرِكُ رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعِ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ سَمّالِ بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمّةِ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ جَمَلِهِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ امْرَأَةٌ، وَذَلِكَ أَنّهُ كان في شجار له، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ فَأَنَاخَ بِهِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ سِتّينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، فَإِذَا هُوَ دُرَيْدٌ وَلَا يَعْرِفُهُ الْغُلَامُ. قَالَ الْفَتَى: مَا أُرِيدُ إلَى غَيْرِهِ مِمّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ دِينِهِ.
قَالَ لَهُ دُرَيْدٌ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَبِيعَةُ بْنُ رُفَيْعٍ السّلَمِيّ. قَالَ: فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يُغْنِ شَيْئًا. قَالَ دُرَيْدٌ: بِئْسَ مَا سَلّحَتْك أُمّك! خُذْ سَيْفِي مِنْ وَرَاءِ الرّحْلِ فِي الشّجَارِ فَاضْرِبْ بِهِ وَارْفَعْ عَنْ الطعام واخفض عن الدّماغ، فإن كُنْت كَذَلِكَ أَقْتُلُ الرّجَالَ، ثُمّ إذَا أَتَيْت أُمّك فَأَخْبِرْهَا أَنّك قَتَلْت دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ، فَرَبّ يَوْمٍ قَدْ مَنَعْت فِيهِ نِسَاءَك [المغازي للواقدي (٣/٩١٥)].
وانهزمت هوازن، وملك الأموال والعيال، واستحر القتل في بنى مالك من ثقيف، فقتل منهم خاصة يومئذ سبعون رجلا، في جملتهم رئيساهم: ذو الخمار، وأخوه عثمان، ابنا عبد الله بن ربيعة بن الحارث، ولم يقتل من الأحلاف إلا رجلان، لأن سيدهم قارب بن الأسود لما رأى أول الهزيمة أسند رايته إلى شجرة وفر بقومه [ابن حزم، جوامع السيرة، ص١٩١].
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال فجمعت بالجعرانة؛ وبعث في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك الناس بعض من انهزم فساروا يرمون كل من لقوه ورمي أبا عامر بسهم فقتل، وأخذ برايته بعده أبو موسى فقاتلهم ففتح له وهزمهم الله [ابن حبان السيرة النبوية (١/٣٥٣)].
وذكر ابن هشام في سيرته [(٢/٤٤٩)]، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ حُنَيْنٍ، وَأَمْكَنَ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ، قَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:
قَدْ غَلَبَتْ خَيْلُ اللَّهِ خَيْلَ اللَّاتِ … وَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالرِّوَايَةِ لِلشِّعْرِ:
غَلَبْتِ خَيْلُ اللَّهِ خَيْلَ اللَّاتِ … وَخَيْلُهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ اسْتَحَرّ الْقَتْلُ مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَنِي مَالِكٍ فَقُتِلَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا تَحْتَ رَايَتِهِمْ فِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبٍ وَكَانَتْ رَايَتُهُمْ مَعَ ذِي الْخِمَارِ فَلَمّا قُتِلَ أَخَذَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى قُتِلَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: لَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَتْلُهُ قَالَ: «أَبْعَدَهُ اللهُ فَإِنّهُ كَانَ يبغض قُريْشًا» [السهيلي، الروض الانف (٧/٢٩٤)].
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا: أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرّ يَوْمَئِذٍ بِامْرَأَةٍ وَقَدْ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالنّاسُ مُتَقَصّفُونَ عَلَيْهَا، فَقَالَ «مَا هَذَا؟» فَقَالُوا: امْرَأَةٌ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ: «أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ لَهُ: إنّ رَسُولَ اللهِ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا» [السهيلي، الروض الانف (٧/٣٠٢)].
قال أهل المغازي فحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتّى أسرع القتل في ذراري المشركين. فبلغ ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ بَلَغَ بِهِمُ الْقَتْلُ حَتَّى بَلَغَ الذُّرِّيَّةَ! أَلَا لَا تُقْتَلُ الذُّرِّيَّةَ، أَلَا لَا تُقْتَلُ الذُّرِّيَّةَ» ثلاثًا، فقال أسيد بن الحضير: يا رسول الله، أليس إنّما هم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ! كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا».
قالوا: وهزم الله تعالى أعداءه من كل ناحية، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنّمهم الله- تعالى- نساءهم وذراريهم وأموالهم، وفرّ مالك بن عوف حتّى بلغ حصن الطّائف، هو وأناس من أشراف قومه، وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله- تعالى- رسوله وإعزاز دينه [الصالحي الشامي، سبيل الهدى والرشاد (٥/٣٣١)].
ثُمَّ جُمِعَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَبَايَا حُنَيْنٍ وَأَمْوَالُهَا، وَكَانَ عَلَى الْمَغَانِمِ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالسَّبَايَا وَالْأَمْوَالِ إلَى الْجِعْرَانَةِ، فَحُبِسَتْ بِهَا.[ابن هشام، السيرة النبوية (٢/٤٥٩)].
وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بِالْجِعِرَّانَةِ بين المسلمين، فأصاب كل رجل أربعًا من الإبل وأربعين شاة، ومن كان فارسًا أخذ سهمه وسهمَيْ فرسه، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرة من سنام بعيره ثم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي وَاللَّهِ مَا لِي مِنْ فَيْئِكُمْ وَلَا هَذِهِ الْوَبَرَةِ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ، فَإِنَّ الْغُلُولَ يَكُونُ عَلَى أَهْلِهِ نَارًا وَشَنَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِكُبَّةِ خُيُوطٍ مِنْ شَعْرٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخَذْتُ هَذِهِ الْكُبَّةَ أُخِيطُ بِهَا بَرْدَعَةَ بَعِيرٍ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ»، فَقَالَ: أَمَّا إِذَا بَلَغَتْ هَذِهِ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا [ابن حبان السيرة النبوية (١/٣٥٦)].
أ- سهم المؤلفة قلوبهم:
ثم أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم تألفا، فأعطى حُويطب بن عبد العزى مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى صفوان ابن أمية مائة من الإبل، وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس السلمي شيئًا دونهم، فقال فيه أبياتًا، ولم يعط الأنصار منها شيئًا [ابن حبان السيرة النبوية (١/٣٥٧)].
فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةً مِنَ الإِبِلِ قَالَ: ابْنَيْ يَزِيدَ، قَالَ: «أَعْطَوْهُ أربعين أُوقيَّةً ومائة من الإبلِ» قال: ابني مُعَاوِيَةَ، قَالَ: «أَعْطَوْهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً وَمِائَةً مِنَ الإِبِلِ»،
وَأَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، ثُمَّ سَأَلَهُ مِائَةً أُخْرَى فَأَعْطَاهُ، وَأَعْطَى النَّضِيرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ مِائَةً مِنَ الإبل، وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى الْعَلاءَ بْنَ جَارِيَةَ الثَّقَفِيَّ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَأَعْطَى الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ..."[ابن سيد الناس عيون الأثر (٢/٢٤٢ وما بعدها)].
ب- وَجْد الأنصار من عطاءات المؤلفة قلوبهم:
وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ قَائِلُ الْأَنْصَارِ: أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَقِيَ قَوْمَهُ، فَانْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الْأَنْصَارُ قَدْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مِمَّا رَأَوْكَ صَنَعْتَ فِي هَذِهِ الْعَطَايَا، قَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟» قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ: «فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ»، فَخَرَجَ سَعْدٌ فَنَادَى فِي قَوْمِهِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَجْتَمِعُوا فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ، فَقَامُوا سِرَاعًا وَقَامَ سَعْدٌ عَلَى بَابِ الْحَظِيرَةِ فَلَمْ يَدْخُلْهَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَدْ رَدَّ أُنَاسًا، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: هَذِهِ الْأَنْصَارُ قَدِ اجْتَمَعَتْ لَكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ؟ أَكْثَرْتُمْ فِيهَا! أَلَمْ تَكُونُوا ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ؟ أَلَمْ تَكُونُوا عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ؟ أَلَمْ تَكُونُوا أَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللهُ بَيْنَكُمْ» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَفَلَا تُجِيبُونِي»؟ قَالُوا: إِلَيْكَ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ، قَالَ: «أَمَا وَاللهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ وَصَدَقْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ، وَمُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ! أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا أَسْلَمُوا وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِيمَانِكُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ! فَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ. وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، إِنَّ الْأَنْصَارَ كَرِشِي وَعَيْبَتِي، اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ وَلِأَبْنَاءِ أَبْنَائِهِمْ» فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا: رَضِينَا بِاللهِ، وَبِرَسُولِهِ حَظًّا، وَقَسْمًا، وَنَصِيبًا! ثُمَّ تَفَرَّقَ الْأَنْصَارُ. [ابن حبان السيرة النبوية (١/٣٥٨)].
ج- لقاء النبي ﷺ بأخته الشيماء:
وَقَدِمَتِ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُخْتُكَ، قَالَ: «وَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ»؟ قَالَتْ:
عَضَّةً عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ، قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَلامَةَ، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيَّرَهَا وَقَالَ: «إِنْ أَحْبَبْتِ فعندي محبة مكرمة، وإن أحببت أن أُمَتِّعُكِ وَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ» قَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتَرُدُّنِي إِلَى قَوْمِي، فَفَعَلَ،
فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أَنَّهُ أَعْطَاهَا غُلامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: مَكْحُولٌ، وَجَارِيَةً، فَزَوَّجَتْ إِحْدَاهُمَا الآخَرَ، فَلَمْ يَزَلْ فيهم من نسلها بَقِيَّةٌ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: فَأَسْلَمَتْ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ أَعْبُدٍ، وَجَارِيَةً، وَنَعَمًا وَشَاءً، وَسَمَّاهَا حُذَافَةَ، وَقَالَ: الشَّيْمَاءُ لقب [ابن سيد الناس، عيون الأثر (٢/٢٤٤)].
إن غزوة حنين مدرسةٌ خالدة رسخت قاعدة أن النصر ليس بكثرة العَدد، بل بصدق المَدد؛ حيث أعادت صياغة الروح الإسلامية بنزع فتيل العُجب، وتثبيت أركان فقه القيادة والرحمة عند الظفر، لقد برهنت الأحداث أن الثبات في الميدان هو مفتاح التمكين، وأن رضاء الله ورسوله هو الغنيمة الكبرى التي تتضاءل دونها لُعاعات الدنيا، لتبقى حنين درسًا في الموازنة بين حكمة الأرض ومدد السماء.
قامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة على أساس التآخي بين المهاجرين والأنصار.
من القبائل العربية التي عرفت بحضارتها واهتمامها بالزراعة والحرف اليدوية.
وقعت في ١٧ رمضان من السنة الثانية للهجرة.
وقعت في ١٥ شوال من السنة الثالثة للهجرة.
من أبرز المحطات في التاريخ الإسلامي؛ حيث تجلت فيها عبقرية التخطيط النبوي.