Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مناسك الحج أسرارها وروحانياتها: رحلة إيمانية تهز القلب وتغير الحياة

الكاتب

هيئة التحرير

مناسك الحج أسرارها وروحانياتها: رحلة إيمانية تهز القلب وتغير الحياة

يُعدالحج أحد أعظم العبادات في الإسلام، وهو الركن الخامس الذي يجمع بين العبادة الجسدية والروحية، يبحث الكثيرون عن مناسك الحج خطوة بخطوة لفهم كيفية أداء هذه الفريضة بشكل صحيح، وفي هذا المقال ستجد شرحًا مبسطًا مع توضيح المعاني الروحية لكل مرحلة.

الحج مشاعر وأحاسيس إنسانية

أولًا: حنان وشوق يملأ الفؤاد قبل أن تمتلئ الحقائب

الحنان: رقة في القلب، وشوق ولهفة، ورأفة ورحمة، قال تعالى: ﴿وَحَنَانࣰا مِّن لَّدُنَّا﴾ [مريم: ١٣]؛ أي رحمة ورأفة، وقد وضع الله - سبحانه وتعالى – حنانًا واشتياقًا في نفس من كتب له الحج، فقال: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ومن زار البيت مرة حنَّ إليه مرات، وقال -تعالى: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا﴾ [البقرة: ١٢٥]، أي جعله محلًّا تشتاقه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام [ابن كثير، ١/٤١٣].

ثانيًا: حياة وميلاد جديد في رحاب البيت العتيق

الحياة الحقيقية هي تلك التي يحياها المرء قريبًا من ربه، وأداء فرض الحج بإخلاص لله يحيي العبد من جديد، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [صحيح البخاري:١٨٢٠].

 إنه يولد من جديد، ويبدأ حياة جديدة، والحياة الحقيقية لا تتحقق إلا في نور الله، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَیۡتࣰا فَأَحۡیَیۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورࣰا یَمۡشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢].

ثالثًا: حلاوة الإيمان لذة لا يذوقها إلا من جرد قلبه لله

إن للإيمان حلاوة لا يحسها إلا المؤمن، ينطلق الحاج تاركًا ومودعًا أهله وبيته وماله؛ حبًّا في الله وطاعة لمولاه، فيجد حلاوة الإيمان التي قال عنها النبي المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوَةَ الإيمانِ؛ أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المرْءَ لا يُحبُّهُ إلَّا للهِ، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ اللهُ مِنْهُ كَما يَكرَهُ أنْ يُلْقى في النارِ» [صحيح البخاري: ١٦].

 رابعًا: فرحة تدمع لها العيون قبل أن تبتسم الشفاه

إنَّ فرحة الحاجِّ الذي يتوق لزيارة بيت الله الحرام لا تنافسها في النَّفس أي فرحة، فلم ير الناسُ أحدًا يفارق أهله ووطنه، ويبذل ماله، ويبكي من الفرح، كالحاج الذي وضع رجله في المتاعب ملبيًا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)، واقرأ إنْ شِئت في أعين المسافرين إلى بيت الله الحرام هذه الفرحة التي امتزجت بدموع الحنين والاشتياق.

ما أجمل الشعائر إذا امتزجت بالمشاعر والأحاسيس، وما أجمل المناسك إذا كانت بعد شوق وحنين، وإذا كانت كلمة "حج" تبدأ بحرف الحاء، فإننا نتناول بإيجاز ما يبدأ بحرف الحاء من مشاعر وقيم وأخلاق وصفات وفقه ومناسك تذكّرنا بها هذه الفريضة العظيمة.

الحج أنبل القيم وجوهر الأخلاق

أولًا: حب يسبق الأهلَ والمالَ والدار

الحب عاطفة جميلة ذات صلة وثيقة بحج بيت الله الحرام، أحبَّ الحاج ربه - جل وعلا – ونبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - أكثر من أي شيء آخر، فطرح الدنيا خلف ظهره، وتخلص من حرصه على المال والأهل والزينة، وأقبل على الله بحب، فوجد اللذة في طاعة الله، ووجد الراحة في تنفيذ معاني: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ)، فلا تقل (نفسي)، فإن حب الله ورسوله تتلاشى أمامه النفوس والأرواح، ولا تقل (أهلي)، فإن حب الله ورسوله أغلى وأسمى، ولا تقل (مالي)، فإن حب الله ورسوله أحلى وأبقى.

ثانيًا: الحِلم سيد الأخلاق في موسم التسامح

الحِلم خُلُق يُحبه الله ورسوله، وهو صفة من صفات الله، واسم من أسمائه الحسنى: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِیمٌ حَلِیمࣱ﴾ [الحج: ٥٩]، وكان سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، ووصف الله خليله إبراهيم - عليه السلام - بالحلم: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِیمَ لَحَلِیمٌ أَوَّٰهࣱ مُّنِیبࣱ﴾ [هود: ٧٥]، والحاج في كل شعائر الحج يتذكر خليل الله إبراهيم –عليه السلام-وحبيب الله محمدًا - صلى الله عليه وآله وسلم - فيتمسك بهذا الخلق الرفيع، نفسه متسامحة، وصدره رحب، يكظم غيظه، ويكتم غضبه، إنه الصبر الجميل الذي لا يلقاه إلا الحليم الرشيد؛ الذي لا يكافئ من عصى الله فيه إلا بأن يطيع الله فيه.

ثالثًا: حدب .. وعطف.. ورفق يطوق كل الكائنات

الحدب هو العطف والرأفة، وفي المعجم: "حدب عليه: انحنى وعطف؛ وحدبت المرأة على ولدها: امتنعت عن الزواج بعد أبيه رأفة به" [المعجم الوسيط، ١/١٥٩]. والحاج يعطف على إخوانه، وخاصة الضعفاء منهم، يعينهم ويقف إلى جوارهم ويخفف من معاناتهم في تواد وتراحم وتعاطف ورأفة، منفذًا قول رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [صحيح مسلم، (٢٥٨٦)]، والحاج يعيش هذا الحدب مع كل شيء من حوله؛ مع الناس فيساعد كبيرهم المسن، ويعاون ضعيفهم العاجز، ومع الطير فلا يصطاده، ولا ينفره، ومع النبات فلا يقتلعه، ومع الجماد فيقبل الحجر الأسود أو يحييه.

ويحافظ على مَن حوله ويحميهم مِن الأذى، فعن ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ»، والإيضاع: هو حَمْلُ الدابة على الإسراع في السَّير. [صحيح البخاري، (١٦٧١)].

رابعًا: حرية .. تحرر من كل قيد إلا قيد المحبة الإلهية

الحرية قيمة عظمى، يبذل من أجلها الغالي والنفيس، ومن وصف الله - سبحانه وتعالى - لرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - في الكتب السابقة أنه جاء ليحقق الحرية للبشر، ويضع عنهم قيود وأغلال الظلم والعبودية، قال -تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِیَّ ٱلۡأُمِّیَّ ٱلَّذِی یَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ یَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَیُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّیِّبَٰتِ وَیُحَرِّمُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡخَبَٰۤئِثَ وَیَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِی كَانَتۡ عَلَیۡهِمۡۚ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فلا ظلم، ولا عبودية، ولا قهر في الإسلام، قال سيدنا عمر - رضي الله عنه: "مُذْ كَمْ تعبَّدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!" [كنز العمال، ١٢/٦٦١]، وفي فرض الحج تتجلى الحرية في أسمى معانيها، فالتلبية والخضوع والتضرع لله وحده لا سواه، إنه البرهان العملي على التحرر من كل عبودية إلا لله وحده لا شريك له، ويتحقق في الحج اللجوء والركون إلى الملك –جل وعلا- إلى مَن بيده الأمر كله وإليه يُرجع الأمر كله.

خامسًا: حكمة .. سر إلهي في كل منسك

إن لله حكمة بالغة في كل منسك من مناسك الحج، فالتلبية برهان على التوحيد الخالص لله، وملابس الإحرام برهان على الزهد والمساواة التامة بين الجميع أمام الله، وفي الطواف ينسجم المسلم مع الكون الخاضع لله، فهو يطوف حول الكعبة عكس عقارب الساعة كما تدور المجموعة الشمسية، وكما تدور الأرض والكواكب، كل في فلك يسبح بأمر الله، وأما السعي بين الصفا والمروة فإنه يذكرنا بحال السيدة هاجر- عليها السلام - بعد أن نفد منها الماء والزاد، وأخذت تسعى وتبذل الجهد بحثًا عن غوث، فإذا بالمَلَك يفجر لها بئر زمزم، لنتعلم السعي والجهاد، ولنوقن أن الله يفرج كرب المتوكلين عليه، لا المتواكلين والانهزاميين، وأما الوقوف بعرفة فإنه تذكير للإنسان بذلك اليوم الموعود، الذي يحشر فيه العباد حفاة عراة غرلًا، لا ملجأ لهم ولا منجى من الله إلا إليه.

سادسًا: حمد .. التلبية التي تبدأ بالثناء قبل الطلب

لقد افتتح الله كتابه بسورة الفاتحة - الحمد لله رب العالمين - وجعلها أم القرآن، وافتتح سورًا في كتابه بالحمد، وسمَّى نبيه اسمًا مشتقًا من الحمد، فذو العرش محمود وهذا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي -تبارك وتعالى؟ قَالَ - صلى الله عليه وآله وسلم: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ - عز وجل - يُحِبُّ الْحَمْدَ» [أخرجه البخاري: الأدب المفرد، (٢٤٣)]؛ لذا كانت التلبية مغلفة بالحمد: (إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ).

سابعًا: حياء .. خلق الإسلام الأعلى

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَإِنَّ خُلُقَ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ» [سنن ابن ماجه:٤١٨٢]، والحاج يتخلق بهذا الخلق الرفيع، يستحي أن ينظر إلى ما حرم الله، ويستحي أن يأكل ما حرم الله، ويستحي أن يرجع بعد تمام حجه فيعصي الله وقد ذاق حلاوة القرب منه، فإذا به يستحي من الله حق الحياء، فيحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، فلا يفعل إلا الخير ولا يعيش إلا للخير.

ثامنًا: حسن خلق .. تاج المسلم الذي لا يبلى

إن أولى الناس بحسن الخلق هم حجاج بيت الله الحرام، خاطبهم ربهم بقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧]، إن شرط محو سيئات الحاج هو التخلق بحسن الخلق، وقد عزَّز رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – هذا المعنى بقوله: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [صحيح البخاري:١٨١٩]، فإذا بالحاج يتمسك بمكارم الأخلاق مع الناس والطير والنبات والجماد، ويرجع من حجه وقد عزم على ألا يفارقه حسن الخلق ما دام فيه عرق ينبض؛ لأنه أيقن بقول حبيبه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ» [سنن أبي داود، ٤٧٩٩].

الحج اقتداء وانضباط وسلوك

أولًا: الإحرام

هذا اللفظ الإسلامي الخالص اشتق من الفعل (حرم)، فمعنى الإحرام مرتبط بما يرتديه الحاج من إزار يغطي نصفه الأسفل، ورداء يغطي نصفه الأعلى، فبمجرد إحرامه حرم عليه لبس المخيط، والتطيب، وتغطية الرأس، والجماع وعقد الزواج، وقص الأظافر وإزالة الشعر، يقال للرجل الذي ارتدى ملابس الإحرام: مُحرِم، كما يقال للمرأة التي نوت الحج: محرمة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَهُوَ مُحْرِمٌ" [البخاري، ٢٧١]، وقال الجناب النبوي المكرم - صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسِ الْقُفَّازَيْنِ» [صحيح البخاري، ١٨٣٨].

ثانيًا: حرم .. حدود رسمها الخليل بأمر الجليل

أصل ذكر الحرم قوله -تعالى: ﴿أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]، والذي حَدَّ حدود الحرم أولًا هو نبي الله إبراهيم - عليه السلام - بأمر الله له ووحيه إليه، جاء في الموسوعة الفقهية: "حد الحرم من جهة المدينة المنورة عند التنعيم وهو على ثلاثة أميال، ويعرف الآن بمسجد عائشة، فما بين الكعبة المشرفة والتنعيم حرم، والتنعيم من الحل، ومن جهة اليمن سبعة أميال، ومن جهة جدة عشرة أميال، ومن جهة الجعرانة تسعة أميال، ومن جهة العراق سبعة أميال، ومن جهة الطائف على عرفات من بطن نمرة سبعة أميال عند طرف عرنة، وابتداء الأميال من الحجر الأسود" [الموسوعة الفقهية، ١٧/١٨٥-١٨٦]، والحرم لا يجوز فيه حمل السلاح، ولا قطع شجره، ولا تنفير صيده، ولا الهَمُّ فيه بالسيئة.

ثالثًا: حجر .. ياقوتة بيضاء سودتها الخطايا

أكثر الأحجار شهرة وبركة هو الحجر الأسود، الذي من عنده يبدأ الطواف حول الكعبة وعنده ينتهي، ولا يُحسب الشوط في الطواف إلا بهذه الحدود، أنزله الله من الجنة وكان أشد بياضًا من اللبن، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» [سنن الترمذي، ٨٧٧]، وكان سيدنا عمر - رضي الله عنه - يُقَبِّلُه ويقول: "أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ، ثُمَّ دَنَا فَقَبَّلَهُ" [مسند الإمام أحمد: ٣٢٧].

 والحجر الأسود يشهد لكل من استلمه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم: «يَأْتِي هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» [أخرجه مسلم (١١٣٣)، وأبو داود (٢٤٤٦)، ومسند الإمام أحمد: (٢٢١٥)]، ومن استلمه قبَّله، فإن لم يستطع لَمَسه بيده وقبَّل يده، أو أشار إليه بشيء وقبَّل ذلك الشيء، عن أبي الطفيل قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ" [صحيح مسلم: ١٢٧٥]، وعند الحجر تذرف الدموع وتُسكب العبرات، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "استقبل رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - الحجر واستلمه، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، فالتفت فإذا عمر يبكي، فقال: «يَا عُمَرُ، هَا هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» [المستدرك، ١٦٧٠].

رابعًا: حلق الرأس .. ومطلق التسليم

حلق الرأس من شعائر الحج، وهو أفضل من التقصير، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ» [صحيح البخاري، ١٧٢٧]، ويجب على الحاج الإبقاء على إحرامه وعدم الحلق حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، إنَّه قمَّة الانضباط والاقتداء والتسليم لِما شَرَعَه الله، حتى فيما يظنُّه الناس من العادات –الحلق-  ثم يذبح بعد ذلك هديه، ثم بعد ذلك يحلق أو يقصر، فإذا حلق أدركته دعوة رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - بالرحمة مرتين.

خامسًا: تحلل .. عودة الروح إلى فطرتها بعد العناء

التحلل لفظ مرتبط بالحج؛ لأن الإحرام يقابله التحلل منه، وهو لا يكون تبعًا لهوى المُحرم حيث يتحلَّل متى شاء، بل اتفق الفقهاء على أن في الحج تحللين؛ يحصل التحلل الأول بفعل اثنين من ثلاثة: رمي جمرة العقبة والحلق وطواف الإفاضة، ويحل به كل شيء إلا النساء، وأما التحلل الثاني (الأكبر) فيحصل بفعل الشيء الثالث من الأشياء السابقة، فإذا كان قد رمى الجمرة وحلق ثم طاف طواف الإفاضة حلَّ له كل شيء، وخرج عن إحرامه بالكلية بالإجماع [الفقه الإسلامي وأدلته، ٣/٥٩٣-٥٩٤].

سادسًا: حرج .. دين يسر لا دين عسر

الحرج هو الضيق والمشقة، وهي صفة منفية عن ديننا الحنيف، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجࣲۚ﴾ [الحج: ٧٨]، والحج شعيرة أظهر الله –تعالى- فيها رحمته بالعباد ودفع الحرج عنهم فلما استأذنته السيدة (سَوْدَة) –رضي الله عنها- أنْ تخرج مِن المزدلِفَة قبل الزَّحام أذِن لها، وتمنَّت السيدة عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أن تكون معها، فعَنْ أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَةُ، أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ" [صحيح البخاري:١٦٨١].

كما وردت لفظة (حرج) في الحج على لسان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ»، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»، فكان من أحكام أعمال يوم النحر أنّْ يصح التقديم والتأخير بينها؛ دفعًا للحرج عن الحجيج بعد طول عملٍ وسهرٍ ووقوفٍ. [صحيح البخاري:١٧٣٦].

سابعًا: حصيات .. رميات صغيرة تنهزم بها شياطين النفس

جمع حصاة، وبها ترمى الجمرات، ومن السنة جمع الحصيات من مزدلِفة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - غداة جُمُع (مزدلفة): «هَلُمَّ الْقُطْ لِي» فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: «نَعَمْ بِأَمْثَالِ هَؤُلاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ» [مسند الإمام أحمد: ١٨٥١]، والخذف معناه رمي الحصى بالأصبعين، ومن شروط الرمي: أن يكون الحصى كحصى الخذف، وهو أكبر من الحمص ودون البندق كالفولة أو النواة، وأن يقع الحصى في المرمى، ورمي السبع واحدة واحدة؛ أي سبع رميات، وترتيب الجمرات بأن يبدأ بالجمرة التي تلي مسجد الخيف ثم الوسطى ثم جمرة العقبة اتباعًا للسنة، وترمى كل جمرة من الجمرات الثلاث في أيام التشريق بسبع حصيات، فيكون المرمي في كل يوم إحدى وعشرين حصاة، في حديث جابر عند مسلم: "أَنَّهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا" [الفقه الإسلامي وأدلته، ٣/٥٦٥-٥٦٧]، فانظر كيف كان الحجُّ تربية وترويضًا للنفس، وكبحًا لجماحها عن الغلو والتطرف والإفراط والتفريط.

الخلاصة

الحج ليس مجرد طقوس، بل رحلة إيمانية عظيمة تغيّر حياة الإنسان؛ إن فهم خطوات الحج بالتفصيل يساعدك على أداء الفريضة بشكل صحيح وتحقيق أقصى استفادة روحية منها. 

موضوعات ذات صلة

فريضة الحج معراج قدسي يرتقي فيه المسلم من مادية الطين إلى رحابة اليقين.

ما هي المحطات التي كان يتوقف عندها الحجاج في طريقهم إلى الحج؟

في هذا المقال المختصر، ستتعرف على أهم أحكام طواف الوداع بكل وضوح.

إن من مقاصد الشريعة الغراء رعاية المكلفين ورفع الحرج عنهم في أداء المناسك.

تُعد زيارة المدينة المنورة والوقوف في رحاب المسجد النبوي من أعظم أمنيات المؤمنين.

موضوعات مختارة