وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يُعرف هذا الموضع بالحِجر - بكسر الحاء - وهو في اللغة: المنع والإحاطة، وتعددت الروايات في سبب تسميته بحجر إسماعيل؛ فقيل: إن سيدنا إسماعيل عليه السلام اتخذه عريشًا من شجر الأراك ليحتمي فيه، وقيل: لأن قريشًا حجزت عليه بجدار لتميزه؛ إلا أن التحقيق العلمي يشير إلى أن تسميته بحجر إسماعيل هي تسمية عامية شائعة، إذ إن بناء الكعبة الحالي الذي أخرج الحجر كان بعد إسماعيل عليه السلام بقرون متطاولة. [ابن ظهيرة القرشي: الجامع اللطيف، مكتبة الثقافة الدينية، ص ١٣١].
ويُسمى الحجر أيضًا بالحطيم، وتعددت الأقوال في ذلك؛ فقيل: لأنه انحطم (انفصل) عن البيت، وقيل لأن الناس يحطمون فيه الذنوب بالاستغفار، أو لأنهم يزدحمون فيه. [أحمد بن محمد الأسدي: إخبار الكرام بأخبار المسجد الحرام، ص ٨٦].
تتفق المصادر التاريخية والشرعية على أن الحِجر قطعة أصيلة من البيت؛ فعندما أعادت قريش بناء الكعبة قبل الإسلام، قصرت بها النفقة الحلال، فتركوا جزءًا من قواعد سيدنا إبراهيم عليه السلام خارج الجدار، فقد روي أن سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أكد لأمنا عائشة رضي الله عنها هذه الحقيقة بقوله: «إنَّ قومَكِ قصُرَتْ بِهِمُ النَّفقةُ». [البخاري: الصحيح، ١٥٨٤]، ولما أرادت دخول البيت قال لها: «صلِّي في الحِجرِ إن أردتِ دخولَ البيتِ، فإنَّما هوَ قِطعةٌ منَ البيتِ». [الترمذي: السنن، ٨٧٦].
من عجائب ما ورد في فضله: ما نقله الحسن البصري أن إسماعيل عليه السلام شكا حرَّ مكة، فأوحى الله إليه: "أني أفتح لك بابًا من الجنة في الحِجر يخرج عليك الروح منه إلى يوم القيامة". [إخبار الكرام، ص ٨٦]، كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الصلاة تحت الميزاب - داخل الحِجر - هي "صلاة في مصلى الأخيار"، وروي عن الحسن البصري أيضًا أنه قال: أقبل عثمان بن عفان رضي الله عنه ذات يوم فقال لأصحابه: ألا تسألوني من أين جئت؟ قالوا: ومن أين جئت يا أمير المؤمنين؟ قال: ما زلت قائمًا على باب الجنة، وكان قائما تحت الميزاب يدعو الله عنده، وقد روى جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا حاذى ميزاب الكعبة وهو في الطواف: "اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب". [الماوردي: الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية، ٤ /١٥٥].
تذكر العديد من الآثار أن الحجر يضم مرقد إسماعيل، وأمه هاجر عليهما السلام؛ فقد نُقل عن المحب الطبري أن البلاطة الخضراء في الحجر هي موضع قبر إسماعيل، وروي أن عبد الله بن الزبير حين حفر الحِجر وجد حجارة خضراء، فسأل عنها عبد الله بن صفوان فقال: "هذا قبر إسماعيل فلا تحركه" فتركه. [الأزرقي: أخبار مكة، ج٢، ص ٣٤].
أجمع الفقهاء على أن الصلاة في الحجر (الحطيم) تعد صلاة في جوف الكعبة يقينا؛ لكونه قطعة أصيلة من البيت حالت قلة النفقة دون ضمه في بناء قريش، ويستدل العلماء على هذا الحكم بما ثبت عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: "ما أبالي صليت في الحجر أو في الكعبة" . [مالك في الموطأ، رقم ٨١٦؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار، ج١، ص ٤٨٢]، وهو ما يؤكد أن الفضل المتحصل بالصلاة داخل البيت يدركه المصلي في الحجر أيضا، وقد قرر الإمام النووي هذا الترتيب بقوله: والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة وسائر الحرم". [النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، ج٩، ص ١٩]؛ وهذا التيسير يعكس سماحة الشريعة في الموازنة بين تحصيل الفضيلة المكانية، وبين رعاية مصلحة الطائفين ورفع الحرج عنهم.
أما فيما يخص ركعتي الطواف، فقد رتب الفقهاء أفضلية مكان أدائهما بناء على الهدي النبوي؛ فالأصل والسنة أن تصلي خلف مقام إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فإن تعذر ذلك بسبب الزحام أو المشقة، فإن المصلي ينتقل إلى الخيار الثاني، وهو الصلاة داخل الحِجر؛ لكونه جزءًا من البيت، فإن لم يتيسر ففي أي موضع من المسجد الحرام [راجع: النووي: المجموع شرح المهذب، دار الفكر، ٨ /٣٨؛ وابن قدامة: المغني، مكتبة القاهرة، ج٣، ص ٣٤١].
يُعد موضع تحت الميزاب من أرجى مواضع الاستجابة، وكان أهل الصلاح يلتزمون هذا الموضع للدعاء والتبتل.
حظي حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام بعناية فائقة عبر العصور؛ فبعد أن كان مفروشًا بالرمل وبالبطحاء كأرض المطاف، ثم فرش بحجارة بادية، جاءت أولى المحطات الكبرى لعمارته في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة ١٤٠هـ، والذي أمر أمير مكة زياد بن عبيد الله الحارثي بستر جدار الحجر بالرخام، فأنجزه العمال على ضوء السراج في ليلة واحدة، ثم توالت الإصلاحات والتجديدات في عهود الخلفاء: المهدي والمتوكل، ثم استمرت الرعاية في دول الملوك العباسيين، والمماليك، والعثمانيين، ومن أبرزها ما ذكره المؤرخون من تبطين البلاط بالرخام الملون. [محمد طاهر الكردي: التاريخ القويم لمكة، ج٣، ص٤].
وصولًا إلى العصر الحديث، شهد الحجر تجديدًا شاملًا لرخامه الأبيض والأخضر البديع، مع استخدام أرقى الخامات لضمان راحة المصلين، ليبقى الحجر روضةً للمصلين، وشاهدًا تاريخيًا على عمارة البيت العتيق.
إن حِجر إسماعيل عليه السلام يمثل برهانًا جليًا على اتصال الغيب بالشهادة، ومكانًا اجتمعت فيه بركات النبوة وقدسية البيت العتيق؛ فالعبرة فيه ليست بمجرد الزيارة، بل باستحضار مقاصد الشريعة في التيسير والاتباع، وصون حرمة المكان بإخلاص العبادة لله وحده.
الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة.
عالم طريق الحج القديم من درب زبيدة إلى القلاع والآبار التي خدمت الحجاج عبر القرون
يعتبر الحج النداء الإلهي الخالد الذي صدح به سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام
يأخذ بيدك في رحلة إيمانية متكاملة