Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ميثاق المساواة كيف حرر الإسلام مصر من الطبقية والاستعباد

الكاتب

هيئة التحرير

ميثاق المساواة كيف حرر الإسلام مصر من الطبقية والاستعباد

كانت مصر قبل الفتح الإسلامي تعيش أسوأ مراحل الاضطهاد، حيث حوّلها الرومان إلى سجن كبير، يُجبر الفلاح على أعمال السُّخرة الشاقة، وتُنهب أمواله، ويُطارد قساوسته في الجبال، والضرائب الباهظة لا تعرِف الرحمة، ثم جاء الإسلام والنور، فلم يكن مجرد فتح عسكري، بل كان ثورة قيم وعدالةٍ إنسانية، غيَّرت وجه مصر إلى الأبد، وفي هذا المقال، نقرأ قصة التحرر الأعظم، ونرى كيف ألغى الإسلام نظام الطبقية، وأقام ميثاق مساواة لم تعرفه الحضارات.

مصر قبل الفتح اضطهاد واستعباد وطبقية مقيتة

لم تكن مصر في عهد الاحتلال الروماني سوى بقرة حلوب للإمبراطورية، فقد كان المصريون - أقباطًا ورومانًا مستعبدين - يعيشون تحت نظام طبقي قاسٍ، حرمهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وقد دوّن لنا المؤرخون تفاصيلَ مرعبةً عن ذلك العصر.

يخبرنا السيوطي عن حجم السُّخرة التي كان يمارسها الرومان على المصريين، فيقول نقلاً عن ابن عبد الحكم : "كَانَتْ فَرِيضَةُ مِصْرَ لِحَفْرِ خُلُجِهَا، وَإِقَامَةِ جُسُورِهَا، وَبِنَاءِ قَنَاطِرِهَا، وَقَطْعِ جَزَائِرِهَا مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، مَعَهُمُ الطُّورُ وَالْمَسَاحِي وَالْأَدَاةُ، يَعْتَقِبُونَ ذَلِكَ، لَا يَدَعُونَ ذَلِكَ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا". [حسن المحاضرة ١٤٥].

تأمل هذا الرقم، مائة ألف وعشرون ألف إنسان مسخَّرون مدى الحياة! يعملون في حفر الترع، وإقامة الجسور، وبناء القناطر، تحت حرارة الشمس وبرد الليل، بلا أجرٍ ولا راحة، وهؤلاء لم يكونوا عبيدًا بالأمس، بل كانوا أحرارًا، لكن الاحتلال الروماني جعلهم أداةً للعمل القسري.

ويؤكد المقريزي هذا المعنى، فيذكر أن الرومان كانوا يأخذون من مصر خراجًا هائلًا قبل الفتح الإسلامي، يقول: "وَجَبَاهَا الْمَقُوقَسُ قَبْلَهُ لِسَنَةٍ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ [الخطط ١٤٩].

عشرون مليون دينار في السنة! أين تذهب هذه الأموال؟ كانت تذهب لتمويل جيوش الروم، وبناء كنائسهم الملكانية، وقمع المصريين المخالفين لمذهبهم، ولم يكن الظلم مقتصرًا على المال فقط، بل تعداه إلى حرية العقيدة. فقد كان الرومان يضطهدون الأقباط الذين خالفوا مذهبهم الملكاني، ويطاردون قساوستهم في الصحراء، ويمنعونهم من ممارسة شعائرهم بحرية، وكانت مصر سجنًا كبيرًا، والمصريون سجناء فيه، ولكن الأقدار كانت تحمل لهذا الشعب المظلوم فجرًا جديدًا.

الفتح الإسلامي وثيقة الكرامة التي غيّرت كل شيء

في عام ٢٠ هجرية (٦٤١ ميلاديًا)، وبعد أن استخار عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسار عمرو بن العاص بجيشه، وفتح حصن بابليون بعد سبعة أشهر من الحصار، ثم الإسكندرية بعد أربعة عشر شهرًا، فلم يدخل المسلمون مصر بمنطق المنتصر المتغطرس، بل بدأوا مفاوضات الصلح مع أهلها، وأصدروا وثيقة تاريخية، تعد أول وثيقة في التاريخ تضمن حقوق الإنسان للمصريين.

يذكر السيوطي نَص هذه الوثيقة، فيقول: "هَذَا مَا أَعْطَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَهْلَ مِصْرَ مِنَ الْأَمَانِ... عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصَلَبِهِمْ وَبَرِّهِمْ وَبَحْرِهِمْ، لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصُ". [حسن المحاضرة ١٠٦].

تأمل هذه الكلمات، أمان، وملة، وكنائس، وصلب، هذه ليس مجرد هدنة عسكرية، بل هو ميثاق كرامة. المسلمون يضمَنون للمصريين أن يبقوا على دينهم، وأن تمارس كنائسهم طقوسها بحرية، وأن تبقى صلبانهم مرفوعة، كم كان هذا مختلفًا عما كان يفعله الرومان!

ويُضيف السيوطي تفصيلًا آخر عن بنود الصلح، فيقول: "وَأَنَّ لَهُمْ أَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، لَا يُعْرَضُ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ... وَأَنَّ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمُ النُّزُلَ لِجَمَاعَتِهِمْ، حَيْثُ نَزَلُوا، وَمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ ضَيْفٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، كَانَتْ لَهُمْ ضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ" [حسن المحاضرة ١١٦].

انظر إلى هذا العقد العجيب! المسلمون لا يأخذون أرض المصريين، ولا ينهبون أموالهم، بل يتركونها لهم، وكل ما يطلبونه هو ضيافة ثلاثة أيام لمن ينزل بهم من المسلمين، فهذا هو عقد الجوار الإسلامي أمان مقابل أمان، وحماية مقابل ضيافة.

وما يؤكد صدق هذه الوثيقة، أن سيدنا النبي ﷺ نفسه قد أوصى بمصر وأهلها خيرًا، فيروي السيوطي: «إِنَّ اللَّهَ سَيَفْتَحُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي مِصْرَ، فَاسْتَوْصُوا بِقِبْطِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ صِهْرًا وَذِمَّةً». [حسن المحاضرة ١٥٤]، فكانت هذه الوصية النبوية دستورًا للمسلمين في تعاملهم مع أهل مصر.

الجزية ضريبة عادلة مقابل الأمن والحماية

كثيرًا ما يُساء فهم نظام الجزية في الإسلام، ويظن البعض أنها كانت إهانة أو إذلالاً للمسيحيين، ولكن النصوص التاريخية تظهر صورة مختلفة تمامًا.

يخبرنا السيوطي أن قيمة الجزية التي فرضها عمرو بن العاص على المصريين كانت دِينَارَيْنِ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ من البالغين القادرين [حسن المحاضرة ١١٦]. فقط ديناران في السنة! في مقابل هذه الجزية اليسيرة، كان المسلمون ملزَمون بحماية أهل الذمة، والدفاع عنهم، وتأمين سلامتهم، وإعفائهم من الخدمة العسكرية.

ويؤكد المقريزي أن الجزية لم تكن تؤخذ من الفقراء والضعفاء، فينقُل عن عمرَ بنِ الخطاب قوله: "لَا يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ إِلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى، وَلَا يَضْرِبُوا عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الْوِلْدَانِ" [الخطط ١٤٥]. أي لا تؤخذ الجزية إلا من الرجال البالغين القادرين على الكسب، أما النساء والأطفال والشيوخ والمرضى فمُعفَون تمامًا.

بل إن عمرَ بنَ عبدِ العزيز، ذلك الخليفة الراشد الثاني، أمر بوضع الجزية عن كل من أسلم من أهل الذمة، وقد كتب إلى عامله على مصر: "أَنْ تَضَعَ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ هَادِيًا، وَلَمْ يَبْعَثْهُ جَابِيًا" [الخطط ١٤٧].

هذا هو الفرق بين النظام الروماني والنظام الإسلامي، فالرومان كانوا يأخذون الضرائب بالقوة، ويُجبِرون الناس على العمل بلا أجر، وأما الإسلام فيأخذ الجزية اليسيرة، ويُعفي الضعفاء، ويُحفز الناس على الإسلام بالقدوة الحسنة، لا بالإكراه.

نظام الخراج عدالة مالية لم تعرفها مصر من قبل

لم يكتفِ المسلمون بالصلح، بل أسَّسوا نظامًا إداريًا ماليًا عادلاً، قائمًا على مبادئ لم تعرفها مصر من قبل، ويصف المقريزي هذا النظام بتفصيل دقيق، يُظهر روح العدالة والمرونة التي تميز بها.

يقول: "كَانَتْ جِبَايَتُهُمْ بِالتَّعْدِيلِ، إِذَا عَمَرَتِ الْقَرْيَةُ وَكَثُرَ أَهْلُهَا زِيدَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ قَلَّ أَهْلُهَا وَخَرِبَتْ نُقِصُوا". [الخطط ١٤٥].

هذه قاعدة ذهبية، الضريبة تابعة لحالة الناس، وليست ثابتةً جبرية؛ إذا كثُر السكان وازدهرت العمارة، زيد في الخراج بقدر الطاقة، وإذا قلَّ السكان أو خربت الأرض، نُقص من الخراج، فهل كان الرومان يَفعلون هذا؟ كلا، بل كانوا يأخذون الضرائب مهما كانت الظروف.

ويُضيف المقريزي تفصيلًا آخر فيقول: "يَجْتَمِعُ عُرَّافُو كُلِّ قَرْيَةٍ وَأُمَرَاؤُهَا وَرُؤَسَاءُ أَهْلِهَا، فَيَتَنَاظَرُونَ فِي الْعِمَارَةِ وَالْخَرَابِ... ثُمَّ يَنْظُرُونَ لِمَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الصُّنَّاعِ وَالْأُجرَاءِ، فَيُقَسِّمُونَ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ احْتِمَالِهِمْ". [الخطط ١٤٥-١٤٦].

تأمل هذه الصورة؛ المسئولون المسلمون يجلسون مع عرفاء القرى (وهم من المصريين أنفسهم)، ويتناقشون في حالة العمارة والخراب، ثم ينظرون في أحوال الصناع والأجراء، ويقسمون الضرائب بقدر احتمالهم، هذا هو عين العدل لا تؤخذ من الفقير أكثر مما يطيق.

وكان لكل فدان من الأرض الزراعية قيمة محددة نِصْفُ أَرْدَبِّ قَمْحٍ، وَوَيْبَتَانِ مِنْ شَعِيرٍ [الخطط ١٤٦]، والوَيبة تساوي ستةَ أمداد، وهذا المبلغ كان زهيدًا جدًا مقارنة بما كان الرومان يأخذونه.

بل إن النظام كان يَتضمن مرونةً عجيبةً في حالات العجز، فإذا عجز مزارع عن زرع أرضه، كانت الضريبة توزع على القادرين، وإذا أراد أحدُهم زرع أرض إضافية، كان يُعطَى ما عجز عنه غيره. [الخطط ١٤٦]. إنه نظام تعاوني، يهدِف إلى إعمار الأرض، وإفادة الجميع، لا إلى استنزاف الفلاحين كما كان يفعلُ الرومان.

الحوار الذي غير التاريخ، كرامة الإنسان قبل كل شيء

لعل أروعَ مشهد في قصة فتح مصر، وأعمَقَه تأثيرًا في النفوس، هو ذاك الحوار الذي دار بين عُبادة بنِ الصامتِ رضي الله عنه والمُقَوقِسِ حاكمِ مصر. ذلك الحوار الذي هزَّ عرش الرومان، وأثبت تفوق الإسلام في مَيدان القيم والأخلاق.

يذكر السيوطي تفاصيل هذا الحوار المذهل، كان المسلمون قد حاصروا حصن بابليون، وطلب المقوقس الصلح، فأرسل إليه عمرو بن العاص عشرة نفر، وأمر عُبادة بن الصامت أن يكون متكلمَ القوم.

فلما دخل عُبادة على المقوقس، وكان رضي الله عنه أسودَ اللون، طويلَ القامة، قال المقوقس لمن حوله: "نَحُّوا عَنِّي هَذَا الْأَسْوَدَ، وَقَدِّمُوا غَيْرَهُ يُكَلِّمُنِي"، وهنا رد عليه الصحابة وقالوا: "إِنَّ هَذَا الْأَسْوَدَ أَفْضَلُنَا رَأْيًا وَعِلْمًا، وَهُوَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَالْمُقَدَّمُ عَلَيْنَا"،  فقال له المقوقس: "تَقَدَّمْ يَا أَسْوَدُ، وَكَلِّمْنِي بِرِفْقٍ؛ فَإِنِّي أَهَابُ سَوَادَكَ"، فتقدم عُبادة وألقى كلمته الخالدة، التي تمثِّل رُوح الإسلام وجوهر دعوته، فقال: "قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، وَإِنَّ فِيمَنْ خَلَّفْتُ مِنْ أَصْحَابِي أَلْفَ رَجُلٍ أَسْوَدَ، كُلُّهُمْ أَشَدُّ سَوَادًا مِنِّي وَأَفْظَعُ مَنْظَرًا... وَذَلِكَ أَنَّ رَغْبَتَنَا وَبِغْيَتَنَا الْجِهَادُ فِي اللَّهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعُ رِضْوَانِ اللَّهِ. وَلَيْسَ غَزْوُنَا عَدُوَّنَا لِرَغْبَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَلَا طَلَبًا لِلِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا... فَغَايَةُ أَحَدِنَا مِنَ الدُّنْيَا أَكْلَةٌ يَأْكُلُهَا يَسُدُّ بِهَا جوعَتَهُ، وَشَمْلَةٌ يَلْتَحِفُهَا". [حسن المحاضرة ١١١ بتصرف].

تأمل هذا الكلام العظيم! عُبادة يصف المجتمع المسلم مجتمع لا تهمُّه الدنيا، ولا يسعى للاستكثار من المال، بل مجتمع همُّه الجهاد في سبيل الله، وإعلاءُ كلمة الحق، وإغاثة المظلومين، وغاية أحدهم من الدنيا أن يسُد جوعتَه، ويستر عورتَه، فقط وقد أثر هذا الكلام في المقوقس أعمق تأثير، وجعله يذعن للصلح.

ثم عرض عُبادة الخيارات الثلاثة التي لا رابع لها، الإسلام، أو الجزية عن يد وهم صاغرون، أو الحرب. فلما حاول المقوقس أن يتوسل لخصلة رابعة، رفع عُبادة يديه إلى السماء وقال: "لَا وَرَبِّ السَّمَاءِ، وَرَبِّ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ، مَا لَكُمْ عِنْدَنَا خَصْلَةٌ غَيْرُهَا". [حسن المحاضرة ١١٤].

هذا هو الثبات على المبدأ، والوضوح في الدعوة، والكرامة التي لا تَقبل مساومة، فلقد أظهر عُبادةُ للمقوقس أن الإسلام دينُ قِيَم، لا دينَ مصالح.

من الطبقية إلى الكفاءة والمشاركة في الإدارة

من أعظم إنجازات الفتح الإسلامي في مصر أنه ألغى نظام الطبقية العنصرية الذي كان سائدًا في العصر الروماني، فقد كان الرومان يحتكرون الوظائف العليا، ويستبعدون المصريين الأصليين، أما الإسلام، فجعل المعيار هو الكفاءة، لا العرق أو الدين.

يؤكد المقريزي هذا التحول الجذري، فيقول: "كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، لَمَّا اسْتَوْثَقَ لَهُ الْأَمْرُ، أَقَرَّ قِبْطَهَا عَلَى جِبَايَةِ الرُّومِ" [الخطط ١٤٥].

تأمل! أقَرَّ القبطَ (المصريين الأصليين) على وظائفهم القديمة في جباية الأموال، ولم يُقصِهم، بل تركهم في مناصبهم، ووثق بهم، بل وكان من كتاب الخراج في العصر الإسلامي الكثيرُ من النصارى الأقباط، لخبرتهم وكفاءتهم.

ويُضيف المقريزي فيقول: "وَكَثِيرًا مَا كَانَ هَذَا الْكَاتِبُ مِنَ النَّصَارَى الْأَقْبَاطِ". [الخطط ١٦٢]، أي أن كتاب الخراج والمستوفين كانوا من الأقباط أنفسهم، لأنهم أعلم الناس بأرضهم ونظامها الزراعي والضريبي.

هذه ثورة اجتماعية حقيقية! شعب كان بالأمس مستعبدًا، يُمنع من الوظائف العليا، أصبح اليوم شريكًا في الحكم والإدارة. شعب كان يُطارَد في الصحراء، أصبح اليوم يُؤتمن على أموال الدولة.

ولم يقتصر الأمر على الوظائف الإدارية، بل شمِل المشاركة في المجالس الاستشارية أيضًا، فعندما كان المسلمون يريدون توزيع الخراج على القرى، كانوا يجتمعون مع "عرَّافِ كُلِّ قَرْيَةٍ وَأُمَرَائِهَا وَرُؤَسَاءِ أَهْلِهَا". [الخطط ١٤٥]، أي مع زعماء المصريين أنفسهم، ليأخذوا رأيهم، ويتشاوروا معهم.

 إنها صورة من صور الديمقراطية والمشاركة الشعبية، قبل قرون من ظهور الديمقراطيات الحديثة.

خليج أمير المؤمنين مشروع بنية تحتية من أجل الناس

من أروع قصص العدالة الاجتماعية والتكافل الإسلامي التي يرويها السيوطي، قصة حفر خليج أمير المؤمنين، كانت هذه القصة درسًا في التعاون بين أجزاء الدولة الإسلامية، ومراعاة مصالح الناس.

يحكي السيوطي: أصاب أهلَ المدينة المنورة جَهدٌ شديد في عام الرمادة (عام القحط والمجاعة)، فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمرو بن العاص وهو والي مصر، يقول: "فَلَعَمْرِي يَا عَمْرُو مَا تُبَالِي إِذَا شَبِعْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، أَنْ نَهْلِكَ أَنَا وَمَنْ مَعِيَ؛ فَيَا غَوْثَاهْ، ثُمَّ يَا غَوْثَاهْ!". [حسن المحاضرة ١٥٦].

تأمل هذا النداء المفجِع من خليفة المسلمين! إنه يصرُخ مستغيثًا يا غوثاه! لأنه يرى أن أهل الحجاز يموتون جوعًا، بينما أهل مصر في رغد، هذه هي رُوح التكافل الاجتماعي التي لم تعرفها الإمبراطوريات الاستعمارية.

فكتب إليه عمرو بنُ العاص: "يَا لَبَّيْكَ ثُمَّ يَا لَبَّيْكَ! قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِعيرٍ أَوَّلُهَا عِنْدَكَ، وَآخِرُهَا عِنْدِي". [حسن المحاضرة ١٥٦]، وبعث بقافلة عظيمة من الطعام.

ثم فكر عمرُ في حلٍّ دائم، حفر خليجٍ من نيل مصر إلى البحر الأحمر (القلزم)، لتسير فيه السفنُ محملة بالقمح إلى الحجاز، فاستشار عمرُ أصحابه، فقالوا نخاف أن يَدخل ضررٌ على أهل مصر، ولكن عمرَ كان حريصًا على المصلحة العامة، فأمر بحفر الخليج.

وبالفعل، حفر عمرو بنُ العاص الخليج الذي سُمي خَلِيجُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وسارت فيه السفنُ من نيل مصر إلى القلزم، ثم إلى المدينة ومكةَ، وكان هذا أولَ مشروعِ بِنيةٍ تحتيةٍ ضخم في مصرَ الإسلامية، يهدِف إلى تحقيق الأمن الغذائي للحرمين الشريفين، مع الحفاظ على مصالح أهل مصرَ، وقد ظلَّ هذا الخليج يعمل حتى زمن عمرَ بنِ عبدِ العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك. [ينظر حسن المحاضرة ١٥٧-١٥٨].

إنها صورة رائعة للتعاون بين أجزاء الدولة الإسلامية، مصرُ تُمِد الحجاز بالطعام، والحجاز يدعو لمصر بالبركة، وهذا هو عينُ التكافل الذي أمر به الإسلام.

إلغاء المكوس الظالمة (تخفيف الأعباء عن الفقراء)

من أهم الإصلاحات الاجتماعية التي قام بها الحكام المسلمون في مصر، إلغاء المكوس (الضرائب غير الشرعية) التي كانت تُثقل كاهِل الفقراء وتُذلهم؛ يَذكر المقريزي تفصيلاً طويلاً لهذه الإصلاحات في عهد الملك الناصر محمدِ بنِ قلاوون، وهي نموذجٌ لما كان يحدث على مَر العصور الإسلامية.

يقول المقريزي: "أَبْطَلَ السُّلْطَانُ عِدَّةَ مُكُوسٍ، مِنْهَا: مَكْسُ سَاحِلِ الْغَلَّةِ... وَكَانَتْ مَظَالِمُهَا تَتَعَدَّدُ مَا بَيْنَ نَوَاتِيَةٍ تَسْرِقُ، وَكَيَّالِينَ تَبْخَسُ، وَشَادِّينَ وَكُتَّابٍ يُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمْ شَيْئًا... وَكَانَ يُصِيبُ النَّاسَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَتَعَبٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمَغَارِمِ وَالظُّلْمِ". [الخطط ١٦٧].

ومما أبطل أيضًا: نصف السمسرة (ضريبة الدلالين)، ورسوم الولاية (رشاوى الولاة)، ومقرّر الحوائص والبغال، ومقرّر السجون (رسوم دخول السجن)، ومقرّر طرح الفراريج، ومقرّر الفرسان، ومقرّر الأفراح، وحماية المراكب، وحقوق القينات، وشدّ الزعماء، ومقرّر المشاعلية (ضريبة كسح الأفنية) [ينظر الخطط ١٦٧-١٦٩].

كل هذه المكوس أُلغيت دفعة واحدة! تخيل معي حجم المعاناة التي كان يعيشها الفقراء بسبب هذه الضرائب الظالمة، ففقير يُسجن، فيُضطر لدفع مقرّر السجون حتى لو خرج بعد ساعة، وأرملة تريد شراء دجاجة، فتُجبر على شرائها من الضامن بسعرٍ مضاعف، و تاجر صغير يبيع بضاعته، فيأتي الدلَّال ليأخذ نصف السمسرة رغمًا عنه، كل هذا انتهى بفضل إصلاحات الحكام المسلمين.

هذا هو الإسلام، دين يرفع الظلم عن المظلومين، ويخفف الأعباء عن الفقراء، ويقِف في وجه الجُباة والظلمة.

العدل مع القبط: قصة مارية القبطية مع المأمون

لعل أروع قصة تُظهر مدى حرص الخلفاء المسلمين على العدالة مع الأقباط، حتى الضعفاء منهم، هي قصة العجوز القبطية مارية مع الخليفة المأمون العباسي، يَرويها المقريزي في خططه، وفيها عِبَر عظيمة.

يحكي المقريزي: "لَمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ فِي قُرَى مِصْرَ، كَانَ يَبْنِي لَهُ بِكُلِّ قَرْيَةٍ دَكَّةً يَضْرِبُ عَلَيْهَا سُرَادِقَةً، وَكَانَ يُقِيمُ فِي الْقَرْيَةِ يَوْمًا وَلَيْلَةً. فَمَرَّ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا طَاءُ النَّمْلِ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا لِحَقَارَتِهَا. فَلَمَّا تَجَاوَزَهَا، خَرَجَتْ إِلَيْهِ عَجُوزٌ تُعْرَفُ بِمَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ، - صَاحِبَةُ الْقَرْيَةِ - وَهِيَ تَصِيحُ، فَظَنَّهَا الْمَأْمُونُ مُسْتَغِيثَةً مُتَظَلِّمَةً". [الخطط ١٥٤].

فوقف المأمون، وأمر بترجمة كلامها (فكانت لا تتحدث العربية)، فقالت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَزَلْتَ فِي كُلِّ ضَيْعَةٍ، وَتَجَاوَزْتَ ضَيْعَتِي، وَالْقِبْطُ تُعَيِّرُنِي بِذَلِكَ، وَأَنَا أَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُشَرِّفَنِي بِحُلُولِهِ فِي ضَيْعَتِي لِيَكُونَ لِيَ الشَّرَفُ وَلِعَقِبِي، وَلَا تَشْمَتُ الْأَعْدَاءُ بِي، وَبَكَتْ بُكَاءً كَثِيرًا". [الخطط ١٥٤].

فرقّ لها المأمون، ودخل ضيعتها، وأكرمها غاية الإكرام، ثم قدّمت له هدية عظيمة من الذهب، فتعجب من كثرته. فقالت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا (وَأَشَارَتْ إِلَى الذَّهَبِ) مِنْ هَذِهِ (وَأَشَارَتْ إِلَى الطِّينَةِ الَّتِي تَنَاوَلَتْهَا مِنَ الْأَرْضِ)، ثُمَّ مِنْ عَدْلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [الخطط ١٥٥].

فأمر المأمون أن يُؤخذ منها بعض الذهب، وأعطاها قطائع من الأرض، وأعطاها من قريتها طاء النمل مائتي فدان بغير خراج، وانصرف متعجبًا من كرمها وسعة حالها.

تأمل هذه الصورة! عجوز قبطية، من قرية صغيرة حقيرة، تقِف أمام أعظم خليفة في عصرها، وتطلب منه أن ينزل بقرية حقيرة، فيستجيب لها دون تردد، ويُكرمها غايةَ الإكرام، ويُعطيها الأراضي والهبات، وينصرف متعجبًا من كرمها، فأين هذا من عدالة الرومان الذين كانوا يطاردون كبار القساوسة في الصحراء؟! هذا هو أثر الإسلام في نفوس حكامه، جعلهم يهابون الله في خلقه، ويَخفضون الجناح للمؤمنين وأهل الذمة على السواء.

الخلاصة

هذه هي قصة فتح مصر الإسلامية، قصة ميثاق المساواة الذي أعاد للإنسان المصري كرامته، وألغى قرونًا من الظلم والطبقية، وأثبت الإسلام أن العدل أساس الملك، وأن الرفق بالناس خيرٌ من الخرق بهم، وأن الكفاءة أسمى من العِرق، وإننا اليوم في زمن كثر فيه الظلم واضطهاد الضعفاء، نحتاج إلى استلهام هذه الرُّوح الإسلامية الأصيلة، لنَبني مجتمعاتٍ تقوم على الرحمة والمساواة، لا على القسوةِ والاستغلال.

موضوعات ذات صلة

 أن يتساوى الناس جميعًا في الحقوق والواجبات، دون تفرقة أو تمييز.

  الإسلام دينِ السماحةِ والسلامِ.

مصطلح يطلق على غير المسلمين الذين يعيشون في (ذمة) المسلمين ورعايتهم.

شأن الواصل السكون عند تجلي العظمة والاشتغال بالمُكرم عن الكرامة.

ضرورةِ التحلّي بالتواضعِ والإخلاصِ والرضا بقضاءِ اللهِ تعالى.