لم يكتفِ
المسلمون بالصلح، بل أسَّسوا نظامًا إداريًا ماليًا عادلاً، قائمًا على مبادئ لم
تعرفها مصر من قبل، ويصف المقريزي هذا النظام بتفصيل دقيق، يُظهر روح العدالة
والمرونة التي تميز بها.
يقول:
"كَانَتْ
جِبَايَتُهُمْ بِالتَّعْدِيلِ، إِذَا عَمَرَتِ الْقَرْيَةُ وَكَثُرَ أَهْلُهَا
زِيدَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ قَلَّ أَهْلُهَا وَخَرِبَتْ نُقِصُوا". [الخطط ١٤٥].
هذه قاعدة ذهبية،
الضريبة تابعة لحالة الناس، وليست ثابتةً جبرية؛ إذا كثُر السكان وازدهرت العمارة،
زيد في الخراج بقدر الطاقة، وإذا قلَّ السكان أو خربت الأرض، نُقص من الخراج، فهل
كان الرومان يَفعلون هذا؟ كلا، بل كانوا يأخذون الضرائب مهما كانت الظروف.
ويُضيف المقريزي
تفصيلًا آخر فيقول: "يَجْتَمِعُ عُرَّافُو كُلِّ قَرْيَةٍ
وَأُمَرَاؤُهَا وَرُؤَسَاءُ أَهْلِهَا، فَيَتَنَاظَرُونَ فِي الْعِمَارَةِ
وَالْخَرَابِ... ثُمَّ يَنْظُرُونَ لِمَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الصُّنَّاعِ
وَالْأُجرَاءِ، فَيُقَسِّمُونَ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ احْتِمَالِهِمْ". [الخطط ١٤٥-١٤٦].
تأمل هذه الصورة؛
المسئولون المسلمون يجلسون مع عرفاء القرى (وهم من المصريين أنفسهم)، ويتناقشون في
حالة العمارة والخراب، ثم ينظرون في أحوال الصناع والأجراء، ويقسمون الضرائب بقدر
احتمالهم، هذا هو عين العدل لا تؤخذ من الفقير أكثر مما يطيق.
وكان لكل فدان
من الأرض الزراعية قيمة محددة نِصْفُ أَرْدَبِّ قَمْحٍ، وَوَيْبَتَانِ مِنْ
شَعِيرٍ [الخطط ١٤٦]، والوَيبة تساوي ستةَ أمداد، وهذا المبلغ كان زهيدًا جدًا
مقارنة بما كان الرومان يأخذونه.
بل إن النظام
كان يَتضمن مرونةً عجيبةً في حالات العجز، فإذا عجز مزارع عن زرع أرضه، كانت
الضريبة توزع على القادرين، وإذا أراد أحدُهم زرع أرض إضافية، كان يُعطَى ما عجز
عنه غيره. [الخطط ١٤٦]. إنه نظام تعاوني، يهدِف إلى إعمار الأرض، وإفادة الجميع،
لا إلى استنزاف الفلاحين كما كان يفعلُ الرومان.