أخرج الإمام مالك في
الموطأ بسنده إلى أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَاتَ
عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجَنَازَتِهِ: «ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ
مِنْهَا بِشَيْءٍ» [موطأ الإمام مالك: ١/٢٤٢(٥٥)].
إن المقامات العالية لا تُنال بالأماني، بل باليقين والعمل
المخلص، وقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تصحيح مفاهيم الصحابة حول الشهادة للميت
بالجزم، مع التأكيد في الوقت ذاته على بشريات الخير العظيمة التي لاحت لعثمان بن مظعون - رضي الله عنه - بعد وفاته، والتي تجسدت في رؤى المؤمنين الصادقة.
أخرج البخاري بسنده إلى
خارجة بن زيد الأنصاري، أُمِّ العَلاَءِ - امْرَأَةً
مِنْ نِسَائِهِمْ - قَدْ بَايَعَتِ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ
مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى، حِينَ أَقْرَعَتْ الأَنْصَارُ
سُكْنَى المُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ العَلاَءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ
بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ
فِي ثِيَابِهِ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي
عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟»،
فَقُلْتُ: لاَ أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ
جَاءَهُ وَاللَّهِ اليَقِينُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا
أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ»، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ
لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ، قَالَتْ: فَنِمْتُ،
فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «ذَاكِ عَمَلُهُ» [البخاري: ٢٦٨٧].
وتتويجًا لهذه المسيرة العطرة والمكانة السامية، ظل اسم سيدنا
عثمان بن مظعون مضربًا للمثل في الخيرية والسبق؛ حتى جُعل معيارًا للفضل والصلاح، يُلحق
به الأطهار من أهل بيت النبوة عند وفاتهم، اعترافًا بكونه "السلف الخيِّر".
أخرج ابن سعد في طبقاته
بسنده إلى ابن عَباس قالَ: لَمّا ماتَ عُثمانُ بن مَظعونٍ قالَت امرَأَتُهُ: هَنيئًا
لَكَ الجَنَّةُ عُثمانَ بنَ مَظعونٍ، فَنَظَرَ إِلَيها رَسولُ الله - صَلى الله عَليه
وسَلم - نَظَرَ غَضبانَ، فَقالَ لَها: «وما يُدريكِ؟» فَقالَت: يا رَسولَ الله، فارِسُكَ
وصاحِبُكَ، فَقالَ: «والله إِنِّي لِرَسولُ الله، فَما أَدري ما يُفعَلُ بي ولاَ بِه».
فاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحاب
رَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - أَن يَقولَ ذَلِكَ لِمِثل عُثمانَ بن مَظعونٍ، وهوَ
مِن أَفضَلِهم، فَلَمّا ماتَت- قالَ يَزيدُ: زَينَبُ بِنتُ رَسول الله - صَلى الله عَليه
وسَلم - وقالَ عَفّانُ: رُقيَةُ بِنتُ رَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - وقالَ سُلَيمانُ
بن حَربٍ: ابنَةٌ لِرَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - قالَ رَسولُ
الله - صَلى الله عَليه وسَلم: «الحَقي بِسَلَفِنا
الخَيِّر عُثمانَ بن مَظعونٍ» [ابن
سعد: الطبقات ٣/ ٣٦٩].