Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عثمان بن مظعون رضي الله عنه صاحب الهجرتين

الكاتب

هيئة التحرير

عثمان بن مظعون رضي الله عنه صاحب الهجرتين

لقد سطَّر المهاجرون الأوائل صفحاتٍ مشرقةً من التضحية والثبات، فتركوا الديار والأموال نصرةً لدين الله تعالى وابتغاء مرضاته، وكان من أبرز هؤلاء الأعلام الصحابي الجليل عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - الذي جمع بين شرف السبق إلى الإسلام وشرف الهجرتين، وحظي بمحبةٍ خاصة من سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان مثالًا في الزهد والورع والصدق، حتى ترك أثرًا خالدًا في تاريخ الدعوة الإسلامية.

التعريف بصاحب الهجرتين عثمان بن مظعون رضي الله عنه

إن الحديث عن سادة المهاجرين الذين جمعوا شرف الهجرتين، وصبروا على الابتلاء في بدايات الدعوة، يبعث في النفس جلالًا ومهابة. ومن بين هذه الكواكب المضيئة التي تشع بالتقوى والإيمان، يبرز اسم الصحابي الجليل عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - كرمز للزهد الصادق والمكانة العظيمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واسمه: عُثْمَانُ بنُ مَظْعُوْنِ بنِ حَبِيْبِ بنِ وَهْبٍ الجُمَحِيُّ، يكنى أبا السائب [ابن عبد البر، الاستيعاب ٣ / ١٠٥٣، ابن حجر، الإصابة ٧ / ١٠٩]، مِنْ سَادَةِ المُهَاجِرِيْنَ، وَمِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ المُتَّقِيْنَ، الَّذِيْنَ فَازُوا بِوَفَاتِهِم فِي حَيَاةِ نَبِيِّهِم، فَصَلَّى عَلَيْهِم.

لقد نال هذا الصحابي الجليل كرامة السبق في حياته ومماته؛ فكان يحظى بعناية خاصة من النبي ﷺ في تخطيط مساكن المهاجرين، وتُوّج هذا الشرف بأن كان أول من احتضنه تراب البقيع من الصحابة، ليصبح فاتحًا لباب شرفٍ عظيم لمن تلاه، قال مصعب الزُّبَيْرِيّ: أول من دفن بالبقيع عُثْمَان بْن مظعون أَبُو السائب [ابن عبد البر، الاستيعاب " ٣ / ١٠٥٥]

أخرج ابن سعد بسنده إلى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: "خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَإِخْوَتِهِ مَوْضِعَ دَارِهِمُ الْيَوْمَ بِالْمَدِينَةِ" [ابن سعد في الطبقات: ٣/٣٦٨].

وداع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون رضي الله عنه

لم يكن وداع سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان بن مظعون - رضي الله عنه - وداعًا عاديًّا، بل فاضت فيه مشاعر النبوة بالرحمة والحب والوفاء. فقد باشر رسول الله ﷺ بنفسه حمل حجرٍ ليجعله علامةً على قبر أخيه وصاحبه، في مشهد مهيب يدل على عظيم قدر هذا الصحابي - رضي الله عنه - في قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم.

أخرج أبو داود في سننه بسنده إلى المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَها، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» [ أبو داود، السنن ( ٣٢٠٦).

وأخرج الحاكم في المستدرك بسنده إلى عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُبِرَ هُنَاكَ- يعني البقيع- عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ حَجَرًا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: «هَذَا قَبْرُ فَرْطِنَا» وَكَانَ إِذَا مَاتَ الْمُهَاجِرُ بَعْدَهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ نَدْفِنُهُ؟ فَيَقُولُ: «عِنْدَ فَرَطِنَا عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ» [الحاكم، المستدرك ٤٨٦٧].

وقد بلغ من شدة وَجْد النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه أن منحه قبلة الوداع الطاهرة، في لحظةٍ صدقت فيها الدموع وذرفت حزنًا على الفراق.

وأخرج الترمذي بسنده إلى عَائِشَةَ رضي الله عنها، "أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ وَهُوَ يَبْكِي"، أَوْ قَالَ: "عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ" [الترمذي، السنن ( ٩٨٩) وقال عقبه: حديث حسن صحيح.].

زهد عثمان بن مظعون وبشارات القبول

أخرج الإمام مالك في الموطأ بسنده إلى أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَمُرَّ بِجَنَازَتِهِ: «ذَهَبْتَ وَلَمْ تَلَبَّسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ» [موطأ الإمام مالك: ١/٢٤٢(٥٥)].

إن المقامات العالية لا تُنال بالأماني، بل باليقين والعمل المخلص، وقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تصحيح مفاهيم الصحابة حول الشهادة للميت بالجزم، مع التأكيد في الوقت ذاته على بشريات الخير العظيمة التي لاحت لعثمان بن مظعون - رضي الله عنه - بعد وفاته، والتي تجسدت في رؤى المؤمنين الصادقة.

أخرج البخاري بسنده إلى خارجة بن زيد الأنصاري، أُمِّ العَلاَءِ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ - قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى، حِينَ أَقْرَعَتْ الأَنْصَارُ سُكْنَى المُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمُّ العَلاَءِ: فَسَكَنَ عِنْدَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى إِذَا تُوُفِّيَ وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟»، فَقُلْتُ: لاَ أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ وَاللَّهِ اليَقِينُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ»، قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَنَنِي ذَلِكَ، قَالَتْ: فَنِمْتُ، فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «ذَاكِ عَمَلُهُ» [البخاري: ٢٦٨٧].

وتتويجًا لهذه المسيرة العطرة والمكانة السامية، ظل اسم سيدنا عثمان بن مظعون مضربًا للمثل في الخيرية والسبق؛ حتى جُعل معيارًا للفضل والصلاح، يُلحق به الأطهار من أهل بيت النبوة عند وفاتهم، اعترافًا بكونه "السلف الخيِّر".

أخرج ابن سعد في طبقاته بسنده إلى ابن عَباس قالَ: لَمّا ماتَ عُثمانُ بن مَظعونٍ قالَت امرَأَتُهُ: هَنيئًا لَكَ الجَنَّةُ عُثمانَ بنَ مَظعونٍ، فَنَظَرَ إِلَيها رَسولُ الله - صَلى الله عَليه وسَلم - نَظَرَ غَضبانَ، فَقالَ لَها: «وما يُدريكِ؟» فَقالَت: يا رَسولَ الله، فارِسُكَ وصاحِبُكَ، فَقالَ: «والله إِنِّي لِرَسولُ الله، فَما أَدري ما يُفعَلُ بي ولاَ بِه».

فاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصحاب رَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - أَن يَقولَ ذَلِكَ لِمِثل عُثمانَ بن مَظعونٍ، وهوَ مِن أَفضَلِهم، فَلَمّا ماتَت- قالَ يَزيدُ: زَينَبُ بِنتُ رَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - وقالَ عَفّانُ: رُقيَةُ بِنتُ رَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - وقالَ سُلَيمانُ بن حَربٍ: ابنَةٌ لِرَسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - قالَ رَسولُ الله - صَلى الله عَليه وسَلم: «الحَقي بِسَلَفِنا الخَيِّر عُثمانَ بن مَظعونٍ» [ابن سعد: الطبقات ٣/ ٣٦٩].

الخلاصة

ترك سيدنا عثمان بن مظعون - رضي الله عنه - أثرًا خالدًا في تاريخ الإسلام بما عُرف به من صدق الإيمان وشدة الزهد والإعراض عن زخارف الدنيا، وقد تجلت كرامته ومنزلته عند الله تعالى في احتفاء سيدنا رسول الله - صَلى الله عَليه وسَلم - به حيًّا وميتًا، ليظل مثالًا خالدًا للمؤمن الصادق الساعي إلى مرضاة ربه.

موضوعات ذات صلة

أحد السابقين الأولين إلى الإسلام.

شكلت الهجرتان إلى الحبشة والمدينة المنورة تحولًا مصيريًا في مسار الإسلام.

عدم التعلق بالدنيا والقلب معها.

كانت الهجرة النبوية تحولًا استراتيجيًا بتدبير إلهي، جسده النبي ﷺ مع أصحابه على أرض الواقع.

من أقدس المقابر في الإسلام، ومثوىً لصفوة من الصحابة وآل بيت النبي ﷺ.