وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
المجتمع المكي قبل الهجرة قائمًا على العصبية القبلية والتمييز الطبقي الحاد، يسوده ظلم اجتماعي مستحكم فرضه النظام القبلي والعشائري؛ حيث كان الولاء الأعمى للقبيلة فوق كل اعتبار، وكان لكل عشيرة زعماؤها ونفوذها المحتكر للمال والسلطة، إذ كان المجتمع الجاهلي يسوده الظلم ويسيطر عليه الضلال، فكان الرجل يدعى إلى نصرة عصبته والتآلب معهم على من يناوئهم، ظالمين كانوا أو مظلومين، فهو مع جماعته في كل الأحوال والأوضاع، دون أن يسأل عن سبب ذلك أو غايته، إذ لم تمنح الأعراف القبيلة هذا الحق، بل إن أطفالهم وصبيانهم كانوا ينشأون ممتزجين بالفخر بعصبيتهم آباء وأجدادًا، فقد وصلت العصبية في مجتمع الجاهلية إلى درجة عالية من الشطط والغلو لم تصل إليها في مجتمع آخر، حتى أنها فرقت بين المجتمع الواحد في الشعائر الدينية، فقد أرت بيوت لنفسها فضلًا على غيرها، وتمسك بعض الأفراد بسمو العرق [راجع: ابن منظور، لسان العرب، ١٥ /٦٠٦ - البلاذري، أنساب الأشراف، ج١ ، دار المعارف، القاهرة، ص١١٨- ابن هشام: السيرة النبوية، ١/٢٤٠]، وفي هذه البيئة، تباينت الطبقات الاجتماعية بشكل صارم بين الأغنياء من سادة قريش وبين الفقراء والعبيد والمستضعفين؛ حيث صوّر القرآن الكريم ممارساتهم المادية في مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا۟ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلࣰا وَأَوۡلَٰدࣰا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِینَ﴾ [سبأ: ٣٥]، وقد واجه هذا النظام الجاهلي الدعوة النبوية بثلاثة مسارات:
أولها: حرب الاضطهاد والبطش الجسدي بالضعاف كآل ياسر الذين ثبّتهم النبي بقوله: «صبرًا آل ياسرٍ، فإنَّ موعدَكم الجنةُ» [الطبراني في المعجم الأوسط: ١٥٠٨]
الثاني: تمثل في حرب السخرية والتهكم النفسي بتكذيب الوحي ووصم الرسول بالجنون: ﴿وَقَالُوا۟ یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِی نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونࣱ﴾ [الحجر: ٦].
الثالث: كان حرب المقاطعة والحصار الشامل في الشِّعب لشنق الدعوة اقتصاديًا واجتماعيًا [راجع السيرة النبوية لابن هشام: ١/٣٥٠]؛ ليتوج هذا الصمود بقرار الهجرة كتحول استراتيجي لبناء مجتمع العدالة بالمدينة.
ولم يقف الفساد الجاهلي عند العصبية والبطش، بل تغلغل في المنظومة الأخلاقية والأسرية؛ إذ أجمعت أم المؤمنين السيدة عائشة – رضي الله عنها - سياساتهم في النكاح بأربعة أنواع فاسدة تهدر الكرامة وتضيع الأنساب كالاستبضاع ونكاح الرهط والبغايا، حتى هدم الإسلام ذلك كله مأصلًا لنكاح اليوم [ينظر البخاري:٥١٢٧]؛ تطهيرًا للبشرية وتمهيدًا لبناء الحضارة.
هذا الواقع البائس لخصه سيدنا جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - بدقة بالغة وصهره في بيانه التاريخي أمام النجاشي ملك الحبشة مسترجعًا ملامح تلك الفترة بقوله: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاء" [مسند الإمام أحمد: ١٧٤٠]، وهي شهادة حية توثق كيف تآكلت كرامة الإنسان المكي تحت وطأة الجاهلية قبل بزوغ فجر الهجرة.
بعد الهجرة النبوية المباركة وتأسيس ركائز الدولة في المدينة المنورة، بدأ المجتمع المكي يمر بفترة من التغيرات التدريجية بفعل حركة الرسالة؛ فبدأت فكرة الوحدة الدينية والمجتمعية تتسلل إلى العمق المكي لتفتت الولاء القبلي القديم [الروض الأنف: ٥/٥٢ - ٥٥]، ورغم تأثر تجارة قريش بالنزاعات السياسية والعسكرية مع المدينة؛ إذ شُلَّ شريان مكة التجاري واضطر سادتها لسلوك طرق ملتوية وعرة كطريق نجد بديلًا عن الساحل المهدد [راجع مغازي الواقدي: ١/١٩٧]، إلا أنه بدأ يظهر في الأفق مفهوم جديد للاقتصاد يرتكز على العدالة والتكافل الأخلاقي ويرفض الاحتكار قاضيًا على عقلية النهب والربا والمكوس الجاهلية، وهو ما تجسد عمليًا في سلاح التقويم الاقتصادي الذي فرضه سيد اليمامة ثُمامة بن أَثال حين أسلم وقطع ميرة الحنطة عن مكة تأديبًا لعشائر الاحتكار حتى خضعوا لمنظومة العدل النبوي، قائلًا لهم في النص الذي خلدته دواوين السنة: "وَلَا وَاللهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم" [البخاري: ٤٣٧٢]، وبذلك تحولت المنظومة المكية تدريجيًا من عقلية الغزو والسلب والتحكم الرأسمالي الجائر، لتهيئة العقل الجمعي المكي للاندماج الكامل في فلك المنظومة الإسلامية الأخلاقية الشاملة.
وقد بلغ هذا التحول ذروته الشاملة بعد فتح مكة (عام ٨ هـ)، حيث حدث انقلاب جذري أرسى دولة إسلامية موحدة صهرت النزاعات القبلية القديمة – كصراع الأوس والخزرج الذين انصهروا سابقًا في المدينة تحت مسمى الأنصار – وقضت تمامًا على النظام الطبقي والوثني، لتتركز السلطة تحت قيادة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - المستندة إلى الوحي والقانون المدني
إن هذا البناء الجديد للإنسان والمجتمع، القائم على قيم العدل والمساواة، لم يكن خافيًا على القوى الإقليمية المحيطة؛ حيث انصهرت ملامحه بوضوح في الحوار الاستخباراتي الذكي الذي دار بين هرقل ملك الروم وأبي سفيان بن حرب حين كان الأخير لا يزال يقود جبهة المشركين قبل الفتح، فإزاء تساؤلات هرقل عن طبيعة أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - اضطر أبو سفيان للاعتراف بواقع التغيير البشري قائلًا إن "ضعفاء الناس هم من يتبعونه" وأنهم "في زيادة لا نقصان"، وحين سأله هرقل عن جوهر ما يأمرهم به، صهر أبو سفيان فلسفة المجتمع الجديد في كلمات جامعة قوامها يقول: "اعبُدوا اللهَ وحدَه ولا تُشرِكوا به شيئًا، واترُكوا ما يقولُ آباؤُكُم، ويَأمُرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّدقِ والعَفافِ والصِّلةِ" [البخاري: ٧]؛ وهي شهادة من قلب معسكر الأعداء تثبت كيف تحول الإنسان المكي من الشتات والتبعية لتقاليد الآباء إلى رحاب العفة والصدق والمواطنة المسؤولة تحت لواء الأمة المتماسكة.
الهجرة النبوية نقلت المجتمع المكي من الانقسام والطبقية إلى الوحدة والعدالة، ومع فتح مكة اكتمل التحول، فأصبح جزءًا من الأمة الإسلامية، قائمًا على المساواة والقيم الإيمانية.
كيف كان الوحي الشريف في مكة قبل الهجرة النبوية؟
كانت الهجرة النبوية نقطة تحول جوهري في تاريخ التشريع الإسلامي.
كانت الهجرة خطوة مدروسة للانتقال بالدعوة من مرحلة الكلام والتبليغ إلى مرحلة العمل وبناء مجتمع ودولة.
قدّم لنا سيدنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة النبوية نموذجًا راقيًا للتخطيط الاستراتيجي.
تبقى الهجرة النبوية حدثًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، ليست مجرد قصة تُروى، بل هي منهل نستقي منه الدروس والعبر.