وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تتجسد تجليات واضحة في مسالك العارفين بالله لخُلق الرفق، باعتباره فيضًا ربانيًّا يملأ قلوبهم شفقةً ورحمة بالخلق كافة، من الإنسان إلى الحيوان والجماد، حيث يبتعدون في سلوكهم عن الغلظة والجفاء، مترجمين أنوار الشريعة الغراء إلى مواقف حية تعكس جمال السير الإلهي وتنفتح هذه الأنوار لتشمل برقتها وعطفها كل ضعيف ومكسور، وتتجلى في تفاصيل تعاملاتهم مع الصغير والكبير، بل ومع الدواب والأنعام؛ إدراكًا منهم أن الخلق كلهم عيال الله، وأن أحبهم إلى الله أنفعهم للناس.
وأول هذه التجليات نجده حاضرًا في رفق أهل الله بالأطفال، وهو مسلك يتجلى فيه رفق العارفين بالله بالنشءِ استهداءً بهدي القرآن الكريم، كما في مسلك لقمان الحكيم مع ابنه، إذ لم يكن خطابه تصديرًا للأوامر والنواهي بجفاء، بل كان فيضًا من الحنان والأبوة الشفيقة، فناداه بألطف عبارة وأرقّ نداء قائلًا: ﴿يَٰبُنَيَّ﴾ بصيغة التصغير التي تقطر حبًّا وتحننًا، ليمهد لقلبه الصغير قبول مواعظ التوحيد والأخلاق دون نفور مع خفض جناح الحكمة له، والنزول إلى مستوى إدراكه برقة بالغة تشعره بمكانته وأهميته، فصاحبَ موعظته بالبشارة والتقريب لا بالتنفير والتخويف، واحتضن فؤاده الصغير بفيض من الحنان قبل أن يملأ عقله بالتكاليف ليعلمنا أن "مفتاح العقول هو امتلاك القلوب باللطف"، فلم يقل له "يا ولد" ولم يوجه إليه زجرًا، بل ناداه "يا بني" ليذيب الفوارق ويستجلب المحبة، وهي إشارة بالغة تبين أن عظمة التوجيه تبدأ من التلطف الشديد بالنشء، وبث الطمأنينة في نفوسهم، لندرك أن الكلمات القاسية أبعد ما تكون عن مسالك الهداية والبناء الإنساني.
وتتسع دائرة اللطف عند أهل الله لتشمل الحيوان الأعجم، فكانت سببًا في العتق الأكبر، كما حدث مع الإمام أبي بكر الشِّبْلي رضي الله عنه "إذ رُؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني سبحانه وقال: أتدري بماذا غفرت لك؟ فذكرت أعمالي من صلاة وصيام وحج، فقال: لم أغفر لك بهذا، فقلت: إلهي فبماذا؟ قال: تذكر إذ كنت تمشي في دروب بغداد في ليلة شاتية، فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد والثلج وهي ترتعد، فأخذتَها رحمةً بها ووضعتَها داخل فراءِك لتحميها؟ قلت: نعم، قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتُك وغفرتُ لك" [ينظر: حياة الحيوان الكبرى للدميري (٢/ ٥٢٢) ط: دار الكتب العلمية]؛ فيا له من مشهد يزلزل القلوب والأفهام ، فالإمام الشبلي، صاحب المجاهدات الطويلة والأوراد الشاقة، يقف بين يدي الحق سبحانه وتعالى ليتعلم ويعلمنا جميعًا أن موازين القبول عند الله أوسع مما نتخيل، فالعبد قد يطرق أبواب السماء بكثرة الركوع والسجود، ولكن الفتح الأعظم والرحمة الإلهية الكبرى قد تنزل عليه بسبب نبضة رحمة صادقة، واختلاج قلب باللطف تجاه كائن ضعيف أعجم لا يملك من أمره شيئًا، فرفْقُ الشبلي بالهرة في شتاء بغداد يُرسخ حقيقة كبرى، وهي: أن اللطف بالكون والشفقة بالخلق هي البوابة الأسرع لنيل رضا رب العالمين والوصول إلى العتق الأكبر.
إن اللطف والرفق في مسالك أهل الله ليس مجرد سلوك عابر، بل هو العلامة الفارقة للتدين الحقيقي الموصول بالأنوار النبوية، فهؤلاء الأكابر لم يبلغوا ما بلغوه من المقامات العلية بكثرة الركوع والسجود فحسب، ولكن بقلوب اتسعت للكون بأسره، وترفعت عن الغلظة والجفاء، فأبصرت في كل كائن مكسور بابًا للقرب من رب العالمين.
إن مجتمعاتنا اليوم، وهي تعاني من وطأة الماديات وجفاف المشاعر، أحوج ما تكون إلى إحياء هذا الفيض السلوكي الرفيع، لتتحول الشريعة في واقعنا من نصوص جامدة إلى مواقف حية تنبض بالرحمة والجمال المحمدي.
خُلق نبيل يعني اللين في التعامل، واليسر في السلوك.
منظومة حضارية تجسدت في مؤسسات كالمستشفيات والأوقاف.
صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس.
يشكل الإحسان والعناية بحقوق المحيطين بالفرد أساسًا متينا لبناء مجتمع سليم.