الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه ومن تبعه، أما بعد:
فإنَّ الرفق خُلُقٌ عظيمٌ قامت عليه رسالة الإسلام، وبه اكتملت محاسن الأخلاق، واستقامت أحوال الأفراد والمجتمعات، وهو مَسْلكٌ نبوي كريم، يجمع بين الحكمة والرحمة، وبين الحزم والإحسان، ويضع لكل مقام ما يناسبه بالأسلوب الذي يحقق المقصود بأحسن سبيل، ولذلك قرن الله - تعالى - الرفق برحمته، وجعله سمةً لأنبيائه ورسله، وأثنى على أهله، وجعل نقيضه سببًا للنفرة والتفرق وإفساد العلاقات.
الرفق منهجٌ رباني ونهجٌ نبوي
إن الرفق خُلُقٌ يحبه الله - تعالى؛ فعَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ» [رواه أحمد] وسمةٌ من سمات أنبياء الله ورسله الكرام، وسبيل من سبل نجاح الدعوة، واجتماع القلوب، وانتشار الخير بين الناس، ولذلك امتنَّ الله - تعالى - على نبيه - صلى الله عليه وسلم -بما أودعه في قلبه من الرحمة واللين، وجعل هذا الخلق من أعظم أسباب التفاف الناس حوله، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
الرفق من دلائل رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم -بأمته
لقد كان الرفق من أبرز الخصائص التي اختُص بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لِينُه ضعفًا، ولا حِلمه عجزًا، وإنما كان رحمة أودعها الله في قلبه، فانعكست على أقواله وأفعاله، وتعليمه وتزكيته، ودعوته لأمته، حتى استحق أن يصفه ربه بأبلغ أوصاف الرحمة والرأفة، فقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨].
الرفق أساس نجاح الدعوة والإصلاح
يجب أن تكون بكلام رقيق ليّن قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ الآية [النحل: ١٢٥] [تفسير القرآن العظيم بتصرف].
الرفق في حسن العشرة والمعاملة
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ [النساء: ١٩]، "أي: بما عُرِفَ في الشرع حُسْنُه، من الإنفاق قدر طاقتكم، من غير إسراف ومن القسم بالعدل، والقول اللين، وانبساطة الوجه؛ لتعيشوا سعداء" [التفسير الوسيط].
الرفق في التربية والتعليم
إن التربية الناجحة لا تقوم على الشدة والعنف، وإنما تُبنى على الرفق، ومراعاة أحوال المتعلمين، والتدرج معهم، واختيار الوقت المناسب للتعليم، وحسن مخاطبتهم، وإشعارهم بالرحمة والشفقة، ولذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -المثل الأعلى للمربي الرحيم، الذي يجمع بين التعليم والرحمة، وبين التوجيه والرفق، فكان يراعي أحوال أصحابه، ويعلمهم بما يناسب طاقتهم، حتى لا يملوا ولا ينفروا.
فعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: "أَتَيْنَا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -رَفِيقًا، فلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتهَينَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ ترَكْنَا بعدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ»، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»" [رواه البخاري].
عموم معنى الرفق وشموله
الرفق في الإسلام مبدأ عام يحيط بجميع مظاهر الحياة، حتى يشمل الحيوان الذي لا يملك أن يشكو، ولا يستطيع أن يطالب بحقه، وقد سبق الإسلام النظم والقوانين الحديثة في تقرير حقوق الحيوان، فجعل الرفق به عبادةً يُثاب عليها المؤمن، ونهى عن تعذيبه أو إرهاقه أو التمثيل به، بل أمر بإراحته حتى عند الذبح، مع أن الذبح مأذون فيه شرعًا، ليظل الرفق هو الأصل الذي يحكم تصرفات المسلم مع كل مخلوق.
الخطبة الثانية
القسوة ليست وسيلة للتربية
إن التربية الحقة هي بناءٌ للقلوب، وغرسٌ للقيم، وتشكيلٌ للنفوس، وإذا كان لكل بناء أساس، فإن أساس التربية في الإسلام هو الرحمة، وروحها الرفق، وغايتها تنشئةُ إنسانٍ سويٍّ يعرف ربه، ويطمئن إلى نفسه، ويحسن التعامل مع الناس، وقد قدَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -للعالم نموذجًا تربويًّا فريدًا، لم يقم على التخويف والقسوة، وإنما قام على المحبة، والاحتواء، والإكرام، واحترام المشاعر، حتى أصبحت سيرته مدرسةً متكاملة في التربية الإنسانية.
الرفق في التربية.. منهج النبوة وبناء الإنسان
جعل الإسلام الرحمة منبع التعامل مع الأطفال، وجعلها خلقًا إيمانيًّا أصيلًا، وسببًا لنيل رحمة الله - تعالى، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقال سبحانه في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وإذا كانت رحمته - صلى الله عليه وسلم -قد شملت الأمة كلها؛ فقد كان الأطفال أوفرَ الناس نصيبًا منها.
المحبة المعلنة تصنع شخصيةً سوية
من أبرز معالم التربية النبوية أن المحبة الشعورية كانت تُترجم إلى سلوك عملي وكلمات صريحة يسمعها الطفل ويرى آثارها، وهذا المنهج يرسخ في نفس الطفل الشعور بالأمان والانتماء، ويُشبع حاجته الفطرية إلى القبول، وهو ما ينعكس إيجابيًّا على بناء شخصيته واستقراره النفسي.
إظهار الرحمة بالصغير مسلك تربوي قويم
قد يظن البعض أن إظهار الحنان والحب للأبناء يورث الدلال، أو يضعف الشخصية، غير أن السنة النبوية جاءت بتصحيح هذا التصور، وأكدت أن الرحمة الظاهرة من أهم وسائل التربية، وأن جفاف العاطفة دليل على قسوة القلب وخلوه من الرحمة.
فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: "قَدِمَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللهُ نَزَعَ مِنْكُمُ الرَّحْمَةَ» [رواه مسلم]، وفي هذا الجواب النبوي بيانٌ أن امتناع الإنسان عن إظهار الرحمة ليس فضيلة، بل قد يكون علامة على قسوة القلب، وأن الرحمة نعمة يهبها الله لعباده.
القسوة تهدم ما تبنيه التربية
القسوة قد تُنتج طاعةً ظاهرية، لكنها تزرع خوفًا واضطرابًا وانكسارًا في النفوس، أما الرفق فيغرس المحبة، ويصنع الطاعة عن اقتناع، ويقيم علاقةً صحية بين المربي والطفل.
فالطفل الذي يُربى على الإهانة والصراخ والعنف قد يطيع اليوم خوفًا، لكنه يحمل في داخله جراحًا تبقى طويلًا، بينما الطفل الذي يُربى بالرحمة ينشأ محبًّا للخير، واثقًا بنفسه، قريبًا من والديه، قادرًا على منح الرحمة للآخرين.
وسائل عملية للحد من القسوة وتعزيز الرفق في تربية الطفل
استحضار القدوة النبوية في معاملة الأطفال، وتربية النفس على خلق الرفق، وضبط الغضب قبل معاقبة الطفل، وفهم خصائص المرحلة العمرية، والإكثار من التشجيع والثناء، وتخصيص وقت يومي للتواصل مع الطفل، واستخدام الحوار بدل الصراخ، و تجنب الإهانة والابتعاد عن الألفاظ الجارحة، والدعاء للأبناء.