جعل الإسلام التجارة بابًا من أبواب الرزق الحلال، كما شجَّع
على السعي والكسب والعمل، لكنه في الوقت نفسه وضع ضوابط أخلاقية تمنع أن يتحول حب
الربح إلى جشع، أو المنافسة إلى ظلم، أو التجارة إلى وسيلة لاستغلال حاجات الناس.
فالتاجر المسلم
لا يقيس نجاحه بكثرة الأرباح وحدها، بل بما يحققه من رضا الله، وبركة المال، وثقة
الناس، ومن هنا
جاءت منزلة التاجر الصدوق، فقال سيدنا النبي- صلى الله عليه وسلم-: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ،
معَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداء» [رواه الترمذي برقم: ١٢٥١- المستدرك للحاكم برقم: ٢١٧٣]
وهذا الحديث الشريف يظهر لنا المكانة العلية التي يصل
إليها التاجر الصدوق، ولم ينل هذه المنزلة لأنه يبيع ويشتري فحسب، وإنما لأنه جمع
بين مهارة التجارة وسمو الأخلاق، فجعل رضوان الله مقدمًا على المكاسب العاجلة.
القناعة طريق البركة
إن القناعة لا تعني ترك الطموح أو الاكتفاء بالقليل،
وإنما تعني أن يطلب الإنسان الربح من طريقه المشروع، دون استغلال أو ظلم أو احتكار.
فكم من تاجر حقق
أرباحًا كبيرة في وقت قصير بالغش أو التدليس، ثم فقد ثقة الناس، وضاعت بركة ماله،
بينما بقي غيره سنوات طويلة يحصد محبة العملاء؛ لأنه جعل الصدق والأمانة رأس ماله
الحقيقي.
وفي زماننا قد يدفع التنافس الشديد بعض التجار إلى وسائل
غير مشروعة، كالمبالغة في الدعاية، أو نشر الشائعات عن المنافسين، أو إخفاء
المعلومات المهمة عن المستهلك، أو التلاعب بالمراجعات والتقييمات الإلكترونية، وكل
ذلك يتنافى مع أخلاق الإسلام التي تجعل النزاهة أساسًا للمنافسة.
الاحتكار جريمة أخلاقية قبل أن يكون مخالفة اقتصادية
ومن أخطر ما يفسد الأسواق الاحتكار، وهو حبس السلع التي
يحتاج إليها الناس انتظارًا لارتفاع أسعارها وتحقيق أرباح غير عادلة.
وقد نهى سيدنا النبي-
صلى الله عليه وسلم- عن ذلك بقوله: «مَنِ
احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ» [رواه مسلم برقم:
١٦٠٥]
ولا يقتصر الاحتكار اليوم على تخزين السلع في المخازن،
بل قد يأخذ صورًا حديثة كاحتكار بعض المنتجات الأساسية وقت الأزمات، أو استغلال
الكوارث لرفع الأسعار بصورة مبالغ فيها، أو شراء كميات ضخمة من سلعة يحتاجها الناس
لإعادة بيعها بأضعاف ثمنها.
وقد رأينا في
أوقات الأزمات العالمية كيف ارتفعت أسعار بعض السلع الطبية والغذائية بسبب استغلال
حاجة الناس، وهو سلوك يناقض مقاصد الشريعة القائمة على الرحمة والتكافل.
إن الإسلام لا يمنع الربح المشروع، لكنه يمنع تحقيق
الربح على حساب آلام الناس وحاجاتهم؛ لأن المال وسيلة لإعمار الحياة، لا لإفسادها.
الإحسان أعلى مراتب التجارة
ولا تقف أخلاق الإسلام عند حد العدل، بل ترتقي إلى مرتبة
الإحسان، وهي أن يقدم الإنسان الخير للناس ابتغاء مرضاة الله، ولو لم يكن ملزمًا
به.
ومن صور الإحسان في التجارة:
- إنظار المعسر إذا عجز عن
السداد.
- التخفيف عن المحتاج عند
البيع.
- قبول رد السلعة إذا ظهر
فيها عيب أو لم تحقق الغرض منها.
- الصدق في تقديم النصيحة
للمشتري، حتى لو أدى ذلك إلى ربح أقل.
- المساهمة في خدمة
المجتمع من خلال المبادرات الخيرية ودعم الفئات المحتاجة.
وقد قال سيدنا النبي- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ
أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» [رواه مسلم برقم: ٣٠٠٦- المعجم
الكبير للطبراني برقم: ٣٧٢]
وهكذا يتحول السوق في الإسلام إلى ميدان للتعاون
والتراحم، لا إلى ساحة صراع لا يعرف إلا لغة المكسب والخسارة.
فكل تاجر يخفف
عن الناس، أو ييسر عليهم، أو يصدق معهم، إنما يسهم في بناء مجتمع أكثر استقرارًا
وتماسكًا، ويجعل من تجارته عبادةً يتقرب بها إلى الله قبل أن تكون مصدرًا للدخل
والرزق.