وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الحكم على الحديث قبولًا وردًّا، أو صحةً وضعفًا، هو ثمرة دراسة علم الحديث دراية، أو هو النتيجة التي توصلنا إليها من خلال دراسة إسناد الحديث ومتنه، فمن خلال دراسة الإسناد نقول: هذا إسناد صحيح، أو ضعيف، أو في سنده وضاع إلى غير ذلك حسب قواعد دقيقة وضوابط محددة، لا يستطيع تطبيقها على الوجه المطلوب إلّا من تمرّس في بحث الأسانيد مدة طويلة، وعرف طرق العلماء وقواعد النقاد في ذلك.
ومن خلال دراسة المتن وهي دراسة تبدو صعبة وشاقة إذ تحتاج إلى معرفة دلالات لفظ الحديث، ومعرفة العلة والشذوذ، إلى غير ذلك من الأمور المهمة من جمع الطرق والروايات لنعرف هل روي هذا المتن بإسناد آخر، أو بأسانيد أخرى يمكن أن يتغير الحكم بسببها.
ومن خلال هذه الدراسة وتلك نستطيع أن نصدر الحكم على الحديث بالصحة، أو الضعف، أو الوضع، ولا يخفى أن الحكم على إسناد الحديث وحده لا ينجر إلى الحكم على متن الحديث دائمًا، فقد يصح سند معين، ولا يصح المتن المروي به إذ قد يكون شاذًا، أو منكرًا، فيجب في مثل هذه الحالة أن نقول: صحيح الإسناد، أو إسناده صحيح، أو ضعيف الإسناد، أو إسناده ضعيف، إلى غير ذلك من عبارات المحدثين.
وصحة المتن لا تستلزم صحة إسناد معين رُوي به؛ إذ قد يكون معنى الحديث صحيحًا لشواهده لكن إسناد بمفرده غير قوي، ومن هنا قيل: لا تلازم بين صحة المتن، وبين صحة الإسناد؛ بل العلاقة بينهما علاقة الشرط اللازم بالمشروط، فيلزم لوجود المشروط وجود الشرط، لكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، أي أن صحة السند شرط في صحة المتن، وصحة المتن مشروط بصحة السند لكن لا يلزم من صحة سند معين صحة المتن المروي به، "وقد علم أن صحة الإسناد شرط من شروط صحة الحديث، وليست مُوجِبة لصحة الحديث، فإن الحديث إنما يصح بمجموع أمور منها: صحة سنده، وانتفاء علته، وعدم شذوذه ونكارته" [المنار المنيف تحقيق أبو غدة ص٢١، ٢٢، ومنهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي للدكتور/ صلاح الدين الإدلبي ص٣٥٤-٣٥٦].
إذن لا خلاف بين العلماء في أن الحديث إذا استوفى شروطه الموجبة لصحته -سندًا أو متنًا- فإنه يحكم له بالصحة ويقال عنه: حديث صحيح، بمعنى أنه قد تحققت فيه جميع شروط القبول التي تؤهله للحكم عليه بالصحة.
وهذه الشروط التي اتفق عليها علماء الحديث لكي يكون الحديث صحيحًا، وهي ما استخلصها العلماء من تعريف الحديث الصحيح هي:
١- اتصال السند: بمعنى أن كل واحد من رجال السند أخذ الحديث من الراوي الذي قبله، وبلغه للراوي الذي بعده دون أن يكون متن الحديث قد مرَّ على واسطٍة أخرى غير الرواة المذكورين في السند؛ لأنه لو كان قد انتقل إلى أحد الرواة بواسطة رجل آخر لم نعرفه وسقط اسمه من السند فربما كان كذابًا، أو فاحش الغلط، أو كثير النسيان، أو يهم في أحاديثه، أو مغفلًا، أو سيء الحفظ، أو مختلطًا، أو فاسقًا، أو مبتدعًا غير مؤتمن على دين الله سبحانه وتعالى، وهكذا نرى أن الإسناد المنقطع ضعيف، وما جاء عن طريقه فمردود.
٢ - عدالة الرواة: أي أن يكون رواة الحديث معروفين بالعدالة والدين الذي يتمكن من القلب فيردع صاحبه عن الكذب في دين الله عز وجل.
٣ - ضبط الرواة: أي أن يكون رواة الحديث معروفين بالحفظ المتقن المضبوط إن كانت الرواية من الحفظ، أو بالكتاب المضبوط المحافظ عليه إن كانت الرواية من كتاب خشية الخطأ والوهم وما أشبه ذلك، وإذ جمع الراوي صفة العدالة مع الضبط فهو ثقة.
٤- عدم الشذوذ: بمعنى ألا يكون الحديث شاذًا، وهذا الشرط والذي بعده مما يشترك في الإسناد والمتن، أما الثلاثة السابقة فهي من خواص الإسناد.
فكون الإسناد ليس شاذًا: أي قد يصح الإسناد حسب الشروط السابقة ولكن روي من وجه آخر مخالف للأول وهو أصح منه لزيادة عدد الثقات المخالفين له، أو لمزيد ضبطهم، فيضعف الأول عند ذلك ويكون إسنادًا شاذًا، ويكون المعول على الثاني ويكون إسنادًا محفوظًا.
وكون المتن ليس شاذا: فقد يصح الإسناد حسب الشروط الواجب توافرها في السند، ويكون إسنادًا صحيحًا لكن روي حديث آخر أصح وأثبت وأوثق إسنادًا من الحديث الأول وهو مخالف له بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه يسوغ معه صدور الحديثين كليهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون الأول إسناده صحيح ومتنه شاذ فهو ضعيف رغم صحة سنده، ويكون الحديث الثاني إسناده صحيح ومتنه محفوظ فهو صحيح.
وهذه مهمة ينبغي أن نفطن إليها فلا يتجاسر أحد على رد متن الحديث بدعوى الشذوذ، ولا يتأهل لذلك إلَّا الجهابذة الذين تخصصوا في هذا الفن، فجمعوا الروايات وقارنوا بينها، قال ابن دقيق العيد: "وكثير ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع إلى المروي وألفاظ الحديث، وحاصله أنها حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم هيئة نفسية، وملكة يعرفون بها ما يجوز من ألفاظه وما لا يجوز" [توضيح الأفكار٢/ ٩٤]، وقد يسمي العلماء المتن الشاذ بالفرد المخالف.
٥ - عدم العلة القادحة: بمعنى أن لا يكون الحديث معلولًا بعلةٍ قادحةٍ، وهذه أيضًا مما يشترك فيه الإسناد والمتن.
وفيما يختص بالإسناد: أن لا يكون الإسناد معللًا بعلةٍ قادحةٍ فقد يسلم الإسناد من الشذوذ، ولا يسلم من علة أخرى قادحة، كأن يكون الإسناد ظاهره الاتصال والصحة، ويتبين لأحد الجهابذة أنه منقطع، أو يكون مرفوعًا - أي مضافًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم – ويتبين رُجحان أنه موقوف أي من قول الصحابي، وإذ ذاك يحكم عليه الناقد البصير أنه معلّ بذلك رغم أن ظاهره الصحة.
وأما ما يختص بالمتن: فمعناه ألا يكون الحديث معللًا، فقد يكون الحديث صحيح الإسناد غير شاذ، ولكن اطلع أحد صيارفة الحديث على أن فيه علة قادحة كأن يكون أحد الرواة مع ثقته قد وَهِمَ فيه فأدخل في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس منه وهو لا يدري وهذا ما يسمى بالمدرج، على أن مظاهر الوهم كثيرة منها: الإدراج، والقلب، والاضطراب، والانقطاع، والتصحيف، وإسقاط كلمة، أو إبدالها بأخرى إلى غير ذلك، وكلَّما خفيت العلة فلم تعرف إلا بعد البحث والسبر والتفتيش لُقّب الحديث بالمعلّ، وكلما كانت ظاهرة غير خفية لُقّب بلقب نوعها كالمنقطع والمعضل.
تتمة:
وقد طبق العلماء هذه الشروط على كثير من الأحاديث وحكموا عليها بالصحة مثل: أحاديث الصحيحين، وأحاديث الكتب التي التزم أصحابها أن لا يخرجوا فيها إلا الصحيح في نظرهم، ولم يوجد ناقض راجح بدليله، مثل صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، ومثل الأحاديث التي وجدت في الكتب المعتمدة مقرونة بالحكم بصحتها من قبل مؤلفيها مثل ما وجد في الترمذي والنسائي.
هذ كله لا خلاف في الحكم بصحته.
وإنما الخلاف فيما لم ينص على صحته الأئمة المعتمدون، كأن نجد حديثًا مسندًا في كتاب من كتب الحديث لم يلتزم أصحابها أن لا يخرجوا غير الصحيح فيها، ولم نجده منصوصًا على صحته من أحد الحفّاظ المعتمدين، فهل يجوز أن نحكم على مثل هذه الأحاديث بالصحة إذا ما ظهر لمن هو أهل توافر شروط الصحة في سند الحديث ومتنه؟ اختلف في ذلك على النحو الآتي:
١- رأي ابن الصلاح: فقد رأى ابن الصلاح أن ما وجد من أحاديث وصحّ إسناده، ولم يكن موجودًا في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة والمشهورة لا يجوز أن نحكم عليه بالصحة فقال: "لا نتجاسر على جزم الحكم بصحة شيء منها - ثم علّل هذا المنع بقوله: فقد تعذَّر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتماد الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريًّا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغير والتحريف، وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجًا عن ذلك إبقاء لسلسلة الأسانيد التي خصت بها هذه الأمة زادها الله تعالى شرفًا، آمين".ا.هـ [مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح ص ٢٣- ٢٥]، وهذا القول من ابن الصلاح دعوة إلى منع الاجتهاد في بيان درجة الحديث قياسًا على القول بمنع الاجتهاد في مسائل الفقه.
وقد رَدّ عليه العلماء من بعده كما سيأتي، ورَدّ عليه مؤخرًا الشيخ أحمد شاكر، فقال: "إنه قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة" [الباعث الحثيث للشيخ أحمد شاكر ص٢٩].
٢- رأى الإمام النووي وغيره: ويرى الإمام النووي أن الحكم بالصحة جائز لمن تمكن في الحديث وقويت معرفته به، وقد نقل عنه أنه قال: "والأظهر عندي جوازه لمن تمكَّن وقويت معرفته". [تدريب الراوي ١/ ١٤٣- ١٤٧].
ووافق الحافظ العراقي النووي على ذلك فقال: "وما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحًا" [التقييد والإيضاح ص ٢٣]
وممن ذهب إلى الجواز أيضًا الحافظ ابن كثير فقد قال: "وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط، ومسند أبي يعلي الموصلي، والبزار وغير ذلك من المسانيد، والمعاجم، والفوائد، والأجزاء؛ ما يمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه بعد النظر في حال رجاله وسلامته من التعليل المفسد، ويجوز له الإقدام على ذلك وإن لم ينص على ذلك حافظ قبله" [اختصار علوم الحديث ص ٢٨].
ويمكن أن يُوّجه كلام ابن الصلاح على أخذ الحيطة، وعدم التسرع في تصحيح الأحاديث، أو الحكم عليها في الأعصار المتأخرة لا أنه أغلق باب الاجتهاد، ويمكن أن نستدل على ذلك بأمرين:
الأول: قوله: (فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحة شيء منها ..... إلخ)، فإن هذا التعبير يفيد عدم الجسارة لا المنع الكلّي.
الثاني: أنه قد وجد له شخصيًا – فضلًا عن غيره — بعض الأحاديث التي قام بتصحيحها فكيف يقول بالمنع ثم يبيح لنفسه ما منعه. [راجع سبل السلام ٣/٨٧ في حديث «حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ» حيث حكم عليه بالصحة، ومثال ما حكم عليه بالحسن حديث «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» انظر جامع العلوم والحكم٢/ ٢١١، وحديث «العين وِكاءُ السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» انظر التلخيص الحبير١/ ١١٨، نيل الأوطار ١/١٩٠، وانظر بحث مسألة التصحيح والتحسين في الأعصار المتأخرة في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة الكويت العدد ٣٥ السنة الثالثة عشرة للدكتور/ عبد الرزاق بن خليفة الشايجي ص٢٥٤- ٢٥٧]. والحق: أنه وإن كان الحكم بالتصحيح جائزًا، بالنظر إلى الإسناد، إلا أنّه يجب أن نحتاط في الحكم فلا نقول صحيحًا على الإطلاق، إذ قد يصح الإسناد ولا يصح المتن كما عرفنا سابقًا. والله أعلم.
يعتمد تصحيح سند الحديث ومتنه على شروط دقيقة مثل: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم، وعدم الشذوذ، والعلة القادحة، ويختلف العلماء في الحكم على الأحاديث التي لم ينص على صحتها الأئمة المعتمدون، ويتبنى بعض العلماء موقفًا حذرًا، مثل ابن الصلاح، الذي يأخذ بالحيطة، وعدم التسرع في تصحيح الأحاديث، في حين يرى آخرون، مثل النووي وابن كثير، أنه يمكن تصحيح الأحاديث لمن تمكَّن وقويت معرفته بضوابط علم الحديث.
وسيلة نقل الحديث من الراوي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم.
النص الأصلي للحديث، وهو الجزء الذي ينتهي إليه الإسناد.
تمييز المقبول منه من المردود على ضوء القواعد النقدية المعتبرة عند أئمة الحديث ونقاده.
ما اتَّصل سنده بنقل عدل تام الضبط عن مثله من غير شذوذ أو علة.
الحديث الحسن لذاته الذي ارتفعت درجته بفضل طرق أخرى تدعمه.