Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حقيقة القتال في الإسلام: دفاع عن الحق لا عدوان على الخلق

الكاتب

هيئة التحرير

حقيقة القتال في الإسلام: دفاع عن الحق لا عدوان على الخلق

فإن مفهوم (القتال في الإسلام) من أكثر المفاهيم التي تَعرضت للتشويه والالتباس، سواء من قِبل تيارات غالية انحرفت بالنصوص عن سياقها لتبرير العنف، أو من قِبل قراءات سطحية تحاول وَصْمَ الإسلام بانتشار السيف والعدوان، لكن القراءة العلمية المتأنية للمصادر التشريعية والتاريخية تكشف عن فلسفة عميقة ومنضبطة تؤصل للقتال بوصفه وسيلة اضطرارية لحماية الحريات والدفاع عن النفس، لا غاية لإكراه الناس أو سفك الدماء.

لماذا شرع القتال في الإسلام؟

إن المتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أن القتال لم يُشرع قط لإجبار الناس على اعتناق الدين؛ فالقاعدة القرآنية الصلبة تقول: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وإنما انحصرت علة القتال في دوافع رئيسة وهي:

١- الدفاع عن المسلمين، ورد الاعتداءات والظلم الذي يلحق بهم: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ[البقرة: ١٩٠] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].

ويقول المفسرون في شرح هذه الآية: "إنها أول آية نزلت لتشريع الحرب وتقنين شروطها، فالمسلمون في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما خاضوا حروبًا دفاعية عن حق مشروع، ولمقاومة الأذى الذي أوقعه بهم المشركون بطردهم من ديارهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم بمكة، وحرمانهم من مصادر عيشهم، ومحاولة قتل بعضهم، والتآمر على رسولهم بإعطاء الأمر باغتياله، وتعذيب أنصاره ومعتنقي دينه، وقد قال الله- عز وجل- في آية جامعة تشرع شروط الحرب وتلخصها في صد العدوان: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] فالمعتدي على غيره عدو الله، السلام" [الإسلام والإرهاب، عبد الهادي بوطالب، ص: (١٠٢- ١٠٣)، ضمن كتاب الديانات السماوية وموقفها من العنف، منشورات الزمن، الرباط، عدد: (٣٢)، سنة ٢٠٠٢م]

فالله - سبحانه - يأمر بالقتال في سبيله لرد العدوان، ولا يسمح بمتابعة الهجوم بعد صد العدوان: ﴿وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].

٢- نصرة المظلومين والمستضعفين: ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].

فجعل القتال في سبيل المستضعفين قرين القتال في سبيل الله، إذ عطف عليه بالواو بلا فصل، بل هو عند التأمل جزء من القتال في سبيل الله؛ لأن القتال يكون في سبيل الله إذا كانت الغاية: أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الله هي كلمة الحق الذي يواجه الباطل، والعدل الذي يقاوم الظلم، وإنقاذ المستضعفين إنما هو لإقامة عدل الله في الأرض.

٣- منع الفساد في الأرض، وحماية بيوت العبادة كافة، فلم يشرع القتال لحماية المساجد وحسب، بل لحماية حرية التعبد لكل أصحاب الشرائع، كما تبين الآية التالية: ﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ﴾ [الحج: ٤٠].

٤- الحرص على تطبيق بنود المعاهدات السليمة ومنع نقضها أو الإخلال بشرائطها أو تأليب الأعداء على المسلمين: ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢].

الضوابط الأخلاقية في ميدان القتال

إذا تعيَّنَ القتال سبيلًا، وفُرض على المسلمين بأحد أسبابه المشروعة، فهل أباح الإسلام للمسلمين نهج سياسة الأرض المحروقة؟ هل (القتال) في الإسلام حرب شاملة مطلقة لا تتقيد بمبادئ الإنسانية؟ بتعبير آخر ما هي خصوصيات (القتال) في الإسلام؟

وضع الإسلام من الأحكام الشرعية في حال الاضطرار للقتال ما يؤدي إلى تجنب الإيذاء والإضرار، فكان القتال في الإسلام قاصرًا على المقاتلين في الميدان، فلم يبح الإسلام قتال من لا يقاتل كالأطفال والشيوخ والنساء والرهبان والعمال والفلاحين [في حقيقة القتال في سبيل الله ونصرة المستضعفين، د/ محمد الناصري، ص: (٤٠) سلسلة الإسلام والسياق المعاصر، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط المغرب، الطبعة الأولى: ١٤٣٩هـ/٢٠١٨م].

ولقد تميزت الفلسفة العسكرية في الإسلام بأنها فلسفة أخلاقية إنسانية، وضعت قيودًا صارمة تمنع تحول القتال إلى شهوة للانتقام أو التخريب.

ومن أبرز هذه القواعد:

١- عدم الاعتداء على غير المقاتلين: يُمنع منعًا باتًّا استهداف المدنيين، وفي وصايا النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين للمجاهدين دستور إنساني دائم: «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا شَيْخًا» [رواه مسلم، رقم: (١٧٣١)].

٢- النهي عن الغلو والتمثيل بالجثث: يحرم الإسلام التشفي من الأعداء أو التمثيل بجثثهم بعد الموت، فالقتال ينتهي بانتهاء المعركة وتحقيق الغرض الاستراتيجي وهو كف الأذى، وفي ذلك يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا» [رواه مسلم، رقم: (١٧٣١)].

قال الإمام النووي- رحمه الله: "وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة". [شرح صحيح مسلم للنووي، ج ١٢، ص: ٤٨، دار إحياء التراث العربي– بيروت، الطبعة: الثانية، ١٣٩٢هـ].

وبهذا أخذ أصحابه، إذ نجد أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- في وصيته لجيشه يقول: «لَا تَخُونُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدُرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا بِعَدُوِّكُمْ، وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا وَلَا شَيْخًا، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا، وَلَا تُحْرِقُوهُ وَلَا تَقْلَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ» [أخرجه مالك في الموطأ، كتب الجهاد، باب: النهي عن قتل النساء والولدان، رقم: (٩٦٥)].

٣- احترام العهود والمواثيق: يُعدّ الوفاء بالعهود أصلًا من أصول الإيمان، حتى في أشد حالات النزاع.

"لقد جاءت آيات القتال في القرآن الكريم في كثير من السور المكية والمدنية مبينة السبب الذي من أجله أُذن في القتال، وهو يرجع إما إلى دفع الظلم، أو قطع الفتنة، أو حماية الدعوة الإسلامية، أو منع الفساد في الأرض، أو الحرص على تطبيق بنود المعاهدات السلمية ومنع نقضها" [في حقيقة القتال في سبيل الله ونصرة المستضعفين، د/ محمد الناصري، ص: (١٣)].

السلام هو الأصل

فالقتال في الإسلام هو استثناء تفرضه الضرورة لحفظ الكيان، بينما السلام والتعايش هما الأصل الأصيل في العلاقة مع الآخر.

ومِمّا يقطع بأنَّ الحربَ ليست غايةً في ذاتها، أنَّ القرآنَ الكريم أمر المسلمين بوقف القتال فورًا إذا مال العدوّ إلى السِّلم ورغب في إنهاء النزاع، بل إنَّ المنهجَ الإلهي رَفع سقفَ قبول السلام حتى لو كان هناك احتمالٌ بأنَّ العدوَّ يُناور أو يُخادع، تغليبًا لمبدأ حقن الدماء وإشاعة الأمان.

قال الله - تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال: ٦١].

حيث توضح هذه الآية الكريمة أنه إذا مال العدو إلى السلم وطلب وقف القتال، وجب على المسلمين إجابته إلى ذلك.

كذلك فرّق الإسلام في التعامل بين من يوجّه السلاح للمسلمين وبين من يعيش معهم بسلام؛ فشرع البر والقسط مع المسالمين من كل الأديان: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].

الخلاصة

إن حقيقة القتال في الإسلام لا تخرج عن سياق (الحرب العادلة) بمفهومها القانوني المعاصر، بل تفوقها في رسوخ الضوابط الأخلاقية والدوافع الإنسانية، فالإسلام دين ينشد السلام للعالم أجمع، ولم يكن القتال فيه يومًا وسيلة للهيمنة أو إكراه الضمائر، بل سياجًا لحماية المستضعفين، وكبحًا لجماح الطغيان، وإرساءً لقواعد العدل الحر الذي يسع البشرية جمعاء.

موضوعات ذات صلة

التطرف انحراف عن الوسطية، بالغلو أو التفريط، والإسلام يدعو دائمًا إلى الاعتدال والتوازن في كل الأمور.

الإسلام يرفض التطرف بكل صوره، ويؤكد الوسطية والاعتدال منهجًا ورحمةً للعالمين دائمًا.

الفكر المتطرف يمزق المجتمعات ويزرع الفتنة والانقسام ويهدد الأمن والاستقرار ووحدة الأوطان دائمًا.

الحاكمية مبدأٌ قرآنيٌّ لتحقيق العدل، حرّفه المتطرفون للتكفير، مخالفين فهم العلماء الراسخين.