إذا
تعيَّنَ القتال سبيلًا، وفُرض على المسلمين بأحد أسبابه المشروعة، فهل أباح
الإسلام للمسلمين نهج سياسة الأرض المحروقة؟ هل (القتال) في الإسلام حرب شاملة
مطلقة لا تتقيد بمبادئ الإنسانية؟ بتعبير آخر ما هي خصوصيات (القتال) في الإسلام؟
وضع
الإسلام من الأحكام الشرعية في حال الاضطرار للقتال ما يؤدي إلى تجنب الإيذاء
والإضرار، فكان القتال في الإسلام قاصرًا على المقاتلين في الميدان، فلم يبح
الإسلام قتال من لا يقاتل كالأطفال والشيوخ والنساء والرهبان والعمال والفلاحين [في حقيقة
القتال في سبيل الله ونصرة المستضعفين، د/ محمد الناصري، ص: (٤٠) سلسلة الإسلام
والسياق المعاصر، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط المغرب، الطبعة الأولى:
١٤٣٩هـ/٢٠١٨م].
ولقد تميزت
الفلسفة العسكرية في الإسلام بأنها فلسفة أخلاقية إنسانية، وضعت قيودًا صارمة تمنع
تحول القتال إلى شهوة للانتقام أو التخريب.
ومن أبرز هذه القواعد:
١- عدم
الاعتداء على غير المقاتلين: يُمنع منعًا باتًّا استهداف المدنيين، وفي وصايا
النبي- صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين للمجاهدين دستور إنساني دائم: «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا
امْرَأَةً، وَلَا شَيْخًا» [رواه مسلم،
رقم: (١٧٣١)].
٢- النهي عن الغلو والتمثيل بالجثث: يحرم
الإسلام التشفي من الأعداء أو التمثيل بجثثهم بعد الموت، فالقتال ينتهي بانتهاء
المعركة وتحقيق الغرض الاستراتيجي وهو كف الأذى، وفي ذلك يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا»
[رواه
مسلم، رقم: (١٧٣١)].
قال الإمام النووي- رحمه الله: "وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر، وتحريم
الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهة المثلة".
[شرح صحيح مسلم للنووي، ج ١٢، ص: ٤٨، دار إحياء التراث العربي– بيروت، الطبعة:
الثانية، ١٣٩٢هـ].
وبهذا أخذ
أصحابه، إذ نجد أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- في وصيته لجيشه يقول: «لَا
تَخُونُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدُرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا بِعَدُوِّكُمْ،
وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا وَلَا شَيْخًا، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا، وَلَا
تُحْرِقُوهُ وَلَا تَقْلَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ
بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا
فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ» [أخرجه مالك في الموطأ، كتب الجهاد،
باب: النهي عن قتل النساء والولدان، رقم: (٩٦٥)].
٣- احترام
العهود والمواثيق: يُعدّ الوفاء بالعهود أصلًا
من أصول الإيمان، حتى في أشد حالات النزاع.
"لقد
جاءت آيات القتال في القرآن الكريم في كثير من السور المكية والمدنية مبينة السبب
الذي من أجله أُذن في القتال، وهو يرجع إما إلى دفع الظلم، أو قطع الفتنة، أو
حماية الدعوة الإسلامية، أو منع الفساد في الأرض، أو الحرص على تطبيق بنود
المعاهدات السلمية ومنع نقضها" [في حقيقة القتال في سبيل الله ونصرة المستضعفين، د/
محمد الناصري، ص: (١٣)].