وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في رحاب (الكفاية) للخطيب و(مستصفى) الغزالي، يتبدى لنا أنَّ خبر الآحاد هو ما قصرت رتبته عن التواتر، وهو منهجٌ إلهي لضبط الرواية وحماية (الحقيقة)؛ فالإسلام دينٌ لا يقبل التخرص، بل يأمر بالتبين، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟﴾ [الحجرات: ٦]، إنَّ حصر (الآحاد) فيما لم يجمع شروط التواتر -سواء كان مشهورًا أو عزيزًا- هو قمة الدقة العلمية؛ ليعلم العالم أنَّ كل رواية تخضع لمشرط الجرح والتعديل، فلا مجال في ديننا لخبرٍ مجهول أو دعوىً مرسلة، وهذا هو الحصن الأول ضد تطرف (النقل العشوائي) الذي يقتات عليه الفكر المتشدد.
يذهب الإمام الشوكاني إلى لفتةٍ بالغة الأهمية؛ وهي أنَّ خبر الآحاد قد يترقى من (الظن) إلى (العلم اليقيني) إذا احتفت به القرائن، وهذا هو الرد القاصم على المتطرفين الذين يُهدرون السنة بدعوى أنها (ظنية)؛ فإذا تلقى العلماء الحديث بالقبول، أو تظافرت عليه شواهد الشرع، صار حجةً قاطعة توجب العمل، إنَّ السنة الآحادية هي التي سار بها الركبان وبُنيت عليها الأحكام، وقد أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - آحاد الصحابة لتعليم الأمم، فكان الواحد منهم يمثل أمة، وصدق - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» [سنن الترمذي - ت شاكر ٥/٣٤ — الترمذي (ت ٢٧٩)].
حين اعتبر الجصاص الحنفي أنَّ (المشهور) قسمٌ من المتواتر، كان يرسخ لقيمة (الشهرة العلمية) التي تمنع التلاعب بالدين، فالمشهور هو ما استقر في القرون الفاضلة وتلقاه أساطين العلم بالرضا، مما يجعله سياجًا يمنع المتطرفين من استخراج أحاديث شاذة أو ضعيفة وبناء أحكامٍ تكفيرية عليها، إنَّ التمايز بين (المشهور) و(المستفيض) يعكس غزارة العقل الإسلامي في تصنيف المعرفة، ويؤكد أنَّ السنة ليست نهبًا لكل غاوٍ، بل هي أمانةٌ يحملها العدول، فينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
إنَّ السؤال عن إفادة الآحاد للعلم يفتح لنا باب (الرحمة الواسعة) في الخلاف السائغ؛ فليس كل خلافٍ يؤدي إلى تبديع أو تكفير كما يفعل الغلاة، إنَّ إقرار العلماء بوجود (واسطة) أو (قرائن) ترفع الخبر إلى رتبة اليقين، هو منهجٌ تربوي يعلمنا (الأدب مع النص) و(التواضع في الاستدلال)، إنَّ التطرف الديني ينبت في بيئة الجمود التي لا تعرف مراتب الأخبار، أما منهج الوسطية فيضع كل حديثٍ في موضعه، فيُعمل بالآحاد في الأحكام، ويُحتج به في السلوك، ويُبنى عليه العمران، صيانةً للأمة من فوضى الفهم العقيم.
خبر الآحاد هو جسر الوصل إلى حضرة النبوة، وفهمه الصحيح هو الترياق الواقي من سموم التشدد؛ فالعلم بالمراتب يورث السكينة في الفقه، ويقطع الطريق على كل أفّاكٍ يريد أن يضرب السنة بالقرآن أو يمزق وحدة المسلمين بدعاوى الجهل والاعتساف.
إنَّ صيانة العقل الأصولي هي حمايةٌ لمنابع الفهم عن الله ورسوله.
إن معركتنا اليوم مع التطرف ليست مجرد مواجهة أمنية؛ بل هي معركة فكرية وجودية تتطلب صياغة عقل سَوي يستعصي على الاختطاف.