وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لقد أراد الله لهذه الأمة أن يكون دينها يسرًا، فوضع أئمتنا الأوائل كابن حنبل وابن مهدي وابن المبارك ميزانًا دقيقًا يفرق بين (أحكام الشريعة) التي يُشدد فيها، وبين (أنوار التزكية) التي يُتساهل فيها، إن القول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ليس مجرد رأي عابر؛ بل هو تعبير عن سعة الشريعة في استيعاب ما يُرغب النفوس في الخير ويحببها في الطاعة.
يقول الإمام السيوطي في كتابه (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) إن أهل الحديث تساهلوا في الأسانيد الضعيفة ما لم تكن موضوعة، ما دام السياق في القصص والمواعظ وفضائل الأعمال، وهذا المنهج هو الترياق الأول ضد التطرف؛ لأن المتطرف لا يرى إلا (الأبيض والأسود)، بينما المحدث الفقيه يرى (الاحتياط) و(الرجاء) و(الترغيب)، وهي معانٍ تملأ القلب رحمة لا غلظة.
لم يكن تساهل الأئمة فوضى، بل كان انضباطًا بضوابط تحفظ حمى الدين؛ فقد وضع الحافظ ابن حجر شروطًا ثلاثة تمنع استغلال الضعيف في تحريف العقائد أو تبرير العنف:
وهنا تبرز محاربة التطرف؛ فالغلاة اليوم إما أنهم يضعفون كل ما لا يوافق أهواءهم، أو يحتجون بالمنكرات لتكفير الناس، أما منهج الوسطية فيجعل الحديث الضعيف (عضدًا) للأصول لا (هادمًا) لها، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
حاول البعض نسبة القول بمنع العمل بالضعيف مطلقًا إلى أئمة كالبخاري ومسلم، وهو زعمٌ فنّده المحققون. إن عدم إخراج البخاري للضعيف في (صحيحه) لا يعني طرحه في (أدبه المفرد) أو (تاريخه)، إن المدرسة التي تنادي بطرح الضعيف جملة وتفصيلًا غالبًا ما تنتهي إلى جفاء روحي، وتفسح المجال للعقلية (الظاهرية) الجافة التي لا تعترف برقائق القلوب.
لقد انتقد الإمام أبو شامة رواية المنكرات، ليس منعًا للضعيف، بل حمايةً لجناب النبوة من الكذب، وهذا هو الفرق الدقيق: نحن نحارب (الوضع والكذب) الذي يتغذى عليه المتطرفون لصناعة فتنهم، ولكننا نتمسك بـ(الضعيف المنجبر) الذي يستنهض الهمم للعبادة، فديننا بناءٌ متكامل لا ينهدم بشبهة.
بلغ من تعظيم السلف للسنة أن الأئمة الأربعة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) قدموا الحديث الضعيف على (آراء الرجال) و(القياس) في مواضع الاحتياط، فابن حزم وحده هو من تفرّد بالمنع المطلق، بينما الأمة أجمعت عمليًّا على قبول المراسيل والضعيف في أبواب الرقائق والاحتياط.
إن هذا المنهج الشمولي هو الذي بنى الحضارة الإسلامية؛ حيث لم يُحرم الناس من «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ» [مسند البزار = البحر الزخار ١٣/١١٧ — البزار (ت ٢٩٢)]، ولم يُمنعوا من فضائل الصيام والقيام؛ لأن هذه الأحاديث وإن قصرت أسانيدها عن رتبة الصحة، إلا أنها تدور في فلك قوله صلى الله عليه وسلم: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» [أخرجه البخاري ومسلم]، وهذا هو صلب محاربة الغلو.
إن منهج الأئمة في قبول الضعيف في الفضائل هو سدٌّ منيع في وجه (التشدد الفقهي) الذي يُضيق على الناس عباداتهم، المتطرفون هم (خوارج العصر) الذين يَحرمون الناس من أنوار السُّنة بدعوى التصفية، بينما الحقيقة أن السنة بحرٌ واسع يستوعب الصحيح للأحكام والضعيف للتزكية، حمايةً لوسطية الإسلام وجماله.
إنَّ الأوطان في ميزان الوحيِ ليست مجرد جغرافيا صَمَّاء، بل هي محراب للعمران وحصن للأمان.
إنَّ صيانة الإنسان، وحياطة الأوطان تبدأ بامتلاك ميزانٍ قسط لا يميل.
لقد انبثقت شريعة الإسلام شمسًا للهداية، تقوم على حياطة النفوس بمحاسن الرعاية.