يُعد القارئ الشيخ الشحات محمد أنور – رحمه الله - أحد أبرز قامات التلاوة في تاريخ الإذاعة المصرية، وصاحب مدرسة نغمية فريدة، جذبت بجمالها وعمقها ملايين القلوب في مصر والعالم الإسلامي.
يُعد القارئ الشيخ الشحات محمد أنور – رحمه الله - أحد أبرز قامات التلاوة في تاريخ الإذاعة المصرية، وصاحب مدرسة نغمية فريدة، جذبت بجمالها وعمقها ملايين القلوب في مصر والعالم الإسلامي.
ولد القارئ الشيخ الشحات محمد أنور - قارئ مسجد الإمام أحمد الرفاعي - يوم ١ يوليو ١٩٥٠م في قرية كفر الوزير التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، حيث واجه أمواج الحياة يتيمًا بعد وفاة والده وهو لا يزال طفلًا رضيعًا لم يكمل شهره الثالث، احتضنته والدته، وانتقلت به إلى بيت جده ليعيش في كنف أخواله، فلقي رعاية طيبة غمرت طفولته بالدفء، وتولى خاله تحفيظه القرآن الكريم؛ ليتعلق قلبه بآيات الله ويتم حفظ كتابه العزيز كاملًا وهو في سن الثامنة، وبواسطة خاله الشيخ حلمي محمد مصطفى - رحمه الله - راجع القرآن أكثر من مرة، ولم يتوقف الطموح عند ذلك، بل انتقل به خاله إلى القرى المجاورة ليتلقى التجويد على يد كبار الشيوخ، منهم المرحوم الشيخ علي سيد أحمد (الفرارجي) الذي أولاه رعاية واهتمامًا خاصًا؛ لأنه لمس فيه موهبة استثنائية تؤهله لاعتلاء عرش التلاوة، فصار يُعرف بين أقرانه في الكتّاب بالشيخ الصغير، وكان زملاؤه يستمعون إليه بشغف وإعجاب كبيرين، متنبئين له بمستقبل باهر.
شهدت مرحلة صباه تحديات قاسية بعد وفاة خاله الذي كان يعول الأسرة، فوجد الشاب الصغير نفسه مسؤولًا عن إعالة والدته وجدته، مما دفعه إلى صقل موهبته بكل عزيمة وإصرار، كان يحرص على حضور مآتم كبار العائلات للاستماع إلى مشاهير القراء والتعلم من أدائهم، وتأثر كثيرًا بمدارس التلاوة المحيطة به، لاسيما المدرسة النغمية لبعض الأعلام، فكان يحفظ ألحانهم وأداءهم في ذاكرته أثناء السير عائدًا إلى قريته؛ ليطبق ما تعلمه في السهرات التي يُدعى إليها، وبسبب عزة نفسه وذكائه الحاد استطاع في فترة وجيزة أن يصنع لنفسه شخصية قوية ومظهرًا مهيبًا يعكس أصالة الريف المصري، فهو مطالب بأن يولد عملاقًا حتى يستطيع أن يثبت وجوده بين نخبة القراء أصحاب الشهرة الواسعة والإمكانات الكبيرة، أمثال: الشيخ جوده أبو السعود، والسعيد عبد الصمد الزناتي، والشيخ حمدي الزامل، الذين أشعلوا المنافسة في المنطقة بظهورهم دفعة واحدة، ولكن -والحق يقال - ظهرت موهبة الفتى الموهوب فجأة؛ لتدفعه بين عشية وضحاها ليكون ندًا للجميع، واحتل مكانة لا تنكر بينهم رغم صغر سنه، فتألق كقارئ كبير يشار إليه بالبنان وهو دون العشرين عامًا.
كانت بداية الشيخ الشحات بداية بالغة القسوة؛ حيث لم ترحم تقلبات الحياة المرة طفلًا يحتاج إلى من يأخذ بيده وينشر له من رحمته، ويحيطه بسياج من العطف والحنان، وبدلًا من هذا عرف الأرق طريق الوصول إليه، فكيف ينام أو تقر له عين ويسكن له جفن أو يهدأ له بال وهو مطالب بالإنفاق على أسرة كاملة؟ فبدأ تلبية الدعوات التي انهالت عليه من كل مكان - وهو ابن الخامسة عشرة - فقرأ القرآن في كل قرى الوجه البحري بأجر بسيط آنذاك لا يتعدى ثلاثة أرباع الجنيه، إذا كانت السهرة بمركز ميت غمر لا تحتاج إلى سيارة، وقد تصل إلى ٧ جنيهات إذا لزم تأجير سيارة مهما يكن نوعها .
فكان يعود من السهرة بما تبقى معه من الأجر؛ ليسلمه إلى جدته ووالدته، فتنهال عليه الدعوات؛ مما يشجعه على تحمل الصعاب في سبيل التطلع إلى حياة كريمة شريفة يتوجها بتاج العزة والكرامة، وهو تلاوة كتاب الله - عز وجل.
وكانت نقطة التحول الكبرى في مسيرته عندما استمع إليه رئيس إذاعة القرآن الكريم في منتصف السبعينيات خلال إحدى المناسبات الدينية، فأبدى إعجابًا شديدًا بموهبته، وشجعه على الالتحاق بالإذاعة عام ١٩٧٦م، وبتوجيه من اللجان المختصة التحق بالمعهد الحر للموسيقى؛ ليدرس المقامات الموسيقية والتلوين النغمي على مدى عامين، مما أضفى على أدائه تمكنًا واقتدارًا فائقين، نجح في اجتياز اختبارات الإذاعة بامتياز ليتم اعتماده قارئًا رسميًّا في أواخر السبعينيات(عام١٩٧٩م)، وجاءت الفرصة التاريخية عندما طُلب منه قراءة قرآن الفجر على الهواء مباشرة ليتألق وينتشر صوته العذب في كل أقطار الأرض، ونال إشادة واسعة من كبار القراء والعلماء الذين رأوا فيه علمًا من أعلام مصر في التلاوة.
نجح الشيخ الشحات في الاستقلال بنفسه، وجعل له مدرسة في فن التلاوة وحسن الأداء، وأصبح يوم ١٦ / ۱۲ / ۱۹۷۹ يومًا لا يُنسى في حياة الشيخ الشحات، وفي ذكريات عشاق صوته وفن أدائه، إذ كان اليوم التاريخي الذي وصل فيه صوته إلى كل أقطار الدنيا عن طريق الإذاعة، أثناء قراءة قرآن الفجر على الهواء، وبعد ذلك اليوم أصبح الشيخ الشحات حديث الناس جميعًا وخاصة مشاهير القراء.
وقد تميز الشيخ الشحات بابتكاره لنغمات متجددة وفريدة ارتبطت باسمه، مما جعله يؤسس مدرسة مستقلة في فن التلاوة وحسن الأداء تخرّج منها المئات من القراء المحاكين لأسلوبه في مصر والعالم، أشهرهم على سبيل المثال: القارئ الشيخ ناصر الزيات، والشيخ شعبان الحداد، والشيخ عبد اللطيف وهدان بكفر طنبول القديم- السنبلاوين، والشيخ محمود بدران -بالشرقية، والشيخ اسماعيل الطنطاوي -المنصورة، والشيخ محمد المريجي -حدائق القبة، والمحامي علاء الدين أحمد علي -شبرا الخيمة، وغيرهم من القراء الذين يقدر عددهم بحوالي ألف قارئ بمصر والدول الأخرى، الذين قلدوا طريقته، بخلاف ما لا يقل عن خمسة من قراء الإذاعة يأخذون كثيرًا من (النغم) الذي ابتكره هذا القارئ الموهوب.
فرض الشيخ الشحات أنور عبقريته الصوتية على الساحة القرآنية وتربع على عرش التلاوة، فكان يحيي ليالي شهر رمضان المبارك بانتظام وسط حضور جماهيري غفير يتوافد من مختلف المحافظات للاستماع إلى تلاواته المتقنة، وامتد هذا الأثر المبارك إلى بيته الذي غدا عائلة قرآنية بامتياز؛ حيث حرص على توجيه أبنائه وبناته لحفظ كتاب الله، وبرز نجله أنور ليحمل الراية بصوت جميل وأداء قوي، متأثرًا بنهج والده العظيم، وكذلك نجله الأصغر محمود الشحات صاحب الصوت الجميل العذب، ودائمًا كان يوجه الشيخ الشحات النصائح إلى أبنائه بالمحافظة على القرآن، ليشار إلى العائلة بأنها عائلة قرآنية.
انطلق الشيخ الشحات بصوته العذب نحو العالمية، فجاب قارات الدنيا سفيرًا لكتاب الله ومبعوثًا لوزارة الأوقاف، ووجهت له دعوات خاصة في شهر رمضان المبارك، فلم يترك قارة إلا وذهب إليها قارئًا في شهر رمضان منذ عام ١٩٨٥م وحتى عام ١٩٩٦م، فتعلق به الملايين من المستمعين في المراكز الإسلامية الكبرى حول العالم من أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا، وشهدت رحلاته إشهار عشرات الأشخاص إسلامهم تأثرًا بنور التلاوة، فأسلم على يده حوالي ۹۲ شخصًا.
في عام ٢٠٠١م فاز الشيخ الشحات محمد أنور بالمركز الأول في مسابقة الملك فيصل الدولية للقرآن الكريم، وبعد مسيرة حافلة بالعطاء والكفاح والالتزام في خدمة القرآن الكريم وافته المنية بعد صراع مع المرض يوم الأحد ١٣ يناير عام ٢٠٠٨م عن عمر يناهز ٥٨ عامًا.
تاركًا خلفه ثروة صوتية هائلة من التلاوات الباهرة، وتاريخًا مجيدًا سيبقى محفورًا في قلوب المحبين وعشاق النغم القرآني الأصيل.
مراجع للاستزادة
رحل الشيخ الشحات محمد أنور بجسده، لكن صوته العذب ومدرسته الفريدة سيبقيان نهرًا جاريًا يروي قلوب المشتاقين، ويهدي الأجيال المتعاقبة من حفظة كتاب الله.
دولة التلاوة تُعيد لنا مع القرآن الكريم حضورنا الفاعل.
تُعد مراتب التلاوة من الأسس الجوهرية في أداء القرآن الكريم.
يبرز اسم الشيخ كامل يوسف البهتيمي رحمه الله في تاريخ وسماء دولة التلاوة والإنشاد.
شاهد دولة التلاوة تحيي ذكرى الشيخ محمد صديق المنشاوي أحد عمالقة مدرسة التلاوة.