يمكننا الرد على هذا الافتراض، الذي لا يقوى أن يكون شبهة من خلال
أربعة محاور، وهي كما يأتي:
أولًا:
ما وجده خبراء الترميم هو بقايا لـ ٩٤٠ مصحفًا، مكتوبة على رقع جلدية وأوراق، (حوالي
٢٥ مصحفًا) تم تأريخها للقرن الأول الهجري؛ لأنها مكتوبة بالخط الحجازي القديم
الذي كان مستعملًا في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بداية العصر العباسي حين
تم استبداله بالخط الكوفي، وكل تلك المصاحف مطابقة لما بين أيدينا اليوم، وبوين لم
يذكر أي اختلافات في تلك المصاحف، مع أنه درسها بدقة لعدة سنوات [ينظر: جدلية
مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة، فادي السويطي، ص
١٢-١٧]، أما الطرس (Palimpsest) فهي
المخطوطات الجلدية التي تحتوي على آثار كتابة ممحوة (سفلية) تحت الكتابة الرسمية
(الفوقية)، وهذا النوع من المخطوطات الطرسية شائع؛ لندرة وارتفاع تكاليف الرقع
الجلدية آنذاك، بحيث يتم إعادة استعمالها أكثر من مرة، وهذه الممارسة شائعة في
كافة أنحاء العالم القديم وليس فقط في الشرق الأوسط [ينظر: المصدر نفسه، ص ١٨-٢٢].
وجدير بالذكر أن من بين
خمسة وعشرين مصحفًا قديمًا من القرن الأول الهجري –
وهي باعتراف بوين مطابقة لنسخ القرآن الحالية –
كانت هذه المخطوطة التي تمثل بقايا وأجزاء غير كاملة للقرآن هي الوحيدة التي احتوت
على خط سفلي تم محوه، أما الكتابة الرسمية الفوقية الواضحة التي تعود للقرن الأول الهجري - أيضًا - فهي مطابقة لما بين أيدينا من قرآن [ينظر: المصدر نفسه، ص ٢٤-٢٨].
ثانيًا: يعترف بوين أن تاريخ الخط الأصلي الفوقي قريب أو
مطابق لتاريخ الخط السفلي الذي تم محوه، بمعنى أن فترة الكتابة الزمنية واحدة، وهذا
بحد ذاته يدحض (تخمينه) بأن النص القرآني قد تطور مع الزمن؛ لأن أي نص
لكي يتطور يجب أن يتم ذلك عبر فترات متفاوتة.
كما أن بوين لم ينشر أي بحث علمي طوال أكثر من عشرين سنة من
احتفاظه بصور الرقعات التي بنى عليها تخميناته، وتتجلى التناقضات الأكاديمية في
كتاباته وتصريحاته؛ فمن ناحية وافق على مقابلة قناة معادية للإسلام، ومن ثَمَّ
يكتب رسالة للمهتمين بأن الفروق في الكتابة بين النص الرسمي الفوقي والنص الممحو
هي فروق لا تذكر ولا تؤثر على بنية النص القرآني [ينظر: جدلية مخطوطات صنعاء
القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة، فادي السويطي، ص ٤٣-٥٢].
ثالثًا: من أخطر المغالطات التي وقع فيها بوين هي جعل
المخطوطات معيارًا أساسيًّا في الحكم على النص القرآني، متناسيًا أن الأصل في نقل
القرآن هو الحفظ في الصدور، وأن الحفظ في السطور إنما هو مرحلة ثانية جاءت لتوثيق
ما هو محفوظ في الصدور، وليست مصدرًا مستقلًا للنقل، فالقرآن نزل مقروءًا
بالمشافهة، وتلقته أجيال متعاقبة عن طريق السماع والحفظ، حتى وإن لم يُدوّن في
المصاحف، وهذا ما يجعل أي مخطوط –
مهما كان قدمه –
مجرد شاهد مادي على نص منقول بالتواتر، وليس المصدر الأساسي للنقل.
وقد أكد المحقق ابن الجزري هذه الحقيقة بقوله: "ثم إن الاعتماد
في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة
من الله تعالى لهذه الأمة" [ينظر: كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد
عبد العظيم الزرقاني، ج١ص ٢٤٢].
وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال:
«إنَّ رَبِّي
قَالَ لِي: ...إِنِّي
مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ
الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ» [ينظر: صحيح مسلم، حديث عياض بن حمار المجاشعي، ]،
وفسر العلماء هذا الحديث بأنه يعني: أن القرآن محفوظ في الصدور، لا يحتاج في حفظه
إلى صحيفة، بل يقرأ في كل حال. [ينظر: كتاب مناهل العرفان، ج١ ص ٢٤٢]. قال ابن
قتيبة في تفسيره: "أراد أنه محفوظ في صدور الرجال، يأخذه آخر عن أول إلى يوم
القيامة". [ينظر: المصدر نفسه].
وورد في صفة هذه الأمة: "أناجيلهم في صدورهم". [ينظر:
المصدر نفسه]، أي أن كتابهم محفوظ في قلوبهم، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه
إلا في الكتب [ينظر: المصدر نفسه، ص ١٩-٢٠].
وهذا يفسر لنا لماذا لم
يكن لهذه المخطوطة الطرسية أي قيمة عند المسلمين؛ لأنها لم تكن معتَمَدَة في
الأصل، بل كانت مجرد كتابة عابرة لمتعلم أو كاتب غير محترف، ولذلك مُحيت وأعيدت
الكتابةُ فوقها، دون أن يلتفت إليها أحد، لأن القرآن كان محفوظًا في صدور الآلاف،
فقد كان حفاظ القرآن في حياة سيدنا الرسول ﷺ جمعًا غفيرًا، حتى بلغ عدد القتلى
منهم في وقعة اليمامة مائة وأربعين [ينظر: كتاب مناهل العرفان ج١ ص٢٤٢ وما بعدها].
وهذا الكثرة في الحفظ هي الضمان الأكبر لسلامة النص.
رابعًا: وجود أخطاء إملائية ولغوية في الكتابة السفلية
التي تم محوها، مثل: "حتا" بدلًا من ﴿حَتَّىٰ﴾، و"فاعدوا"
بدلًا من ﴿فَٱعۡتَدُوا۟﴾، و"ليحكموا بين الناس" بدلًا من
﴿لِیَحۡكُمَ بَیۡنَ ٱلنَّاسِ﴾، و"البساء" بدلًا من ﴿ٱلۡبَأۡسَاۤءِ﴾، و"أولا
يروا" بدلًا من ﴿أَوَلَا یَرَوۡنَ﴾، وهذا يؤكد أن الطرس استُعمل للتدريس
والتدريب على القراءة والكتابة، فهذه الأخطاء لا يقع فيها إلا المبتدئون
والمتعلمون [ينظر: جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية، فادي السويطي].
وقد أكدت الباحثة أسماء
الهلالي في مركز الاستشراق الألماني في ميونخ، في بحثها العلمي (مصحف صنعاء
مجرد كراسة تعليمية)، أن الطرس الصنعاني لا يعدو كونه رقعًا استعملها طلاب
الكتاتيب اليمنيين؛ لتعلّم كتابة القرآن وحفظه [ينظر: المصدر نفسه].
كما أن عدم وجود أي آيات
أو سور إضافية في الطرس يشكل دليلًا إضافيًّا على أنه ليس نسخة قرآنية معتمدة، بل
كراريس استعملها طلاب المسجد الكبير في صنعاء لتعلّم كتابة وحفظ القرآن [ينظر:
المصدر نفسه].
وقد صرّح الباحث التونسي
شوقي بوعناني بأن "الانتقال من نصّ محيت معالمه إلى نصّ مقروء هي عمليّة
تأويليّة تضفي النسبيّة على نتائج التحقيق" [ينظر: المصدر نفسه]، بمعنى أنه
لا يمكن بناء فرضيات على نص تم محوه، ولم يكن له أهمية لكاتبيه.