Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مخطوطات صنعاء بين الحقيقة العلمية والتوظيف الاستشراقي

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

مخطوطات صنعاء بين الحقيقة العلمية والتوظيف الاستشراقي

مثّلَ اكتشافُ مخطوطات قرآنية في المسجد الكبير بصنعاء سنة ١٩٧٢م حدثًّا مهمًّا في حقل دراسة أصول لغة القرآن وتاريخ الإسلام المبكر، غير أن هذا الحدث العلمي سرعان ما تحوّل إلى ساحة صراع بين المعرفة الموضوعية والأوهام المسبقة، حين سارع بعض المستشرقين إلى توظيفه في خدمة فرضياتهم عن تطور النص القرآني، فهل تكشف مخطوطات صنعاء عن سرّ خفي، أم أنها تكشف عن هشاشة التخمينات الاستشراقية نفسها؟

عرض شبهة مخطوطات صنعاء

في سنة ١٩٧٠م عُثر على مجموعة من المخطوطات القرآنية القديمة في الطابق العلوي للمسجد الجامع الكبير بصنعاء، وفي بداية الثمانينات، دعا مدير إدارة الآثار في اليمن -القاضي إسماعيل الأكوع- خبيرين ألمانيين هما "الدكتور جيرد ر. بوين (Gerd R. Puin) وهـ. س. غراف فون بوتمر (H.C. Graf Von  Bothmer)  " لترميم المخطوطات وصيانتها، وذلك بالتعاون مع وزارة الخارجية الألمانية [ينظر: كتاب "مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم"، ص ٤-٧]، وجيرد بوين هو مستشرق ألماني من جامعة سارلاند، كان رئيسًا لمشروع الترميم الموكَول إليه من قبل الحكومة اليمنية. [ينظر: مخطوطات صنعاء.. الصراع بين المعرفة والأوهام المسبقة، مجلة الفراتس، ص ١٠-١١].

وعمل بوين وبوتمر في صنعاء بضع سنين، ويبدو أنهما لم يعملا خبيرين للترميم فحسب، بل استهدفا عملاً استشراقيًّا - أيضًا - فالتقط بوتمر صورًا ميكروفلمية لأكثر من ٣٥٠٠٠ ورقة، ورجع بها إلى ألمانيا، وفي ١٩٨٧م كتب مقالة تحدث فيها عن هذه المخطوطات، وأشار إلى أن أحدها -وهو المخطوط ذو الرقم ٢٣-١٠٣٣- يرجع إلى الربع الأخير من القرن الأول الهجري، كما كتب بوين مقالة بعنوان (ملحوظات على المخطوطات القرآنية القديمة بصنعاء). [ينظر: كتاب "مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم"، ص ٨-١٢].

وزعم بوين أن الطبقة السفلية من طرس صنعاء (والطِرْس: ورقٌ كان يُخطّ عليه ثمّ يُمحى ليُكتب عليه مرّةً أخرى) التي مُحيت لكتابة النصّ العثماني المعتمد على الطرس نفسه، تخفي تاريخَ تطوّرٍ قرآنيٍّ يريد المسلمون إخفاءه؛ لادّعاءِ إلهية القرآن الذي بين أيديهم الآن وسلامته من العيوب [ينظر: مخطوطات صنعاء.. الصراع بين المعرفة والأوهام المسبقة، مجلة الفراتس، ص ١١-١٥].

 وقد صرح في مقابلة مع مجلة The Atlantic الأمريكية بأن الخط السفلي للطرس الصنعاني دليل على أن قرآن المسلمين ليس ثابت النص كما يعتقدون وأنه ليس قرآن مبين[ينظر: جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة، فادي السويطي، ص ٢٩-٣٠].

وقد أثار خبر هذه المخطوطات اهتمامًا بالغًا بين المستشرقين، فعقدوا ندوة في ١٩٩٨م بليدن [ينظر: كتاب "مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم"، مكتبة الشاملة، ص ١٣].

الرد المجمل على شبهة مخطوطات صنعاء

الرد على هذه الشبهة يقوم على عدة محاور: فالنص العلوي في طرس صنعاء مطابق للقرآن المتداول، والنص السفلي المطموس لم يكن معتمدًا، وإلا لما مُحي، والأهم أن الأصل في نقل القرآن هو الحفظ في الصدور، لا الكتابة في السطور، فالحفظ في السطور إنما هو مرحلة ثانية لتوثيق ما هو محفوظ في الصدور، لا مصدرًا مستقلًا للنقل، والطرس ظاهرة كتابية شائعة في العالم القديم، ولا تدل على تحريف النص، والفرضيات الجذرية حول مخطوطات صنعاء لم تصمد أمام التدقيق العلمي.

الرد المفصل على شبهة مخطوطات صنعاء

يمكننا الرد على هذا الافتراض، الذي لا يقوى أن يكون شبهة من خلال أربعة محاور، وهي كما يأتي:

أولًا: ما وجده خبراء الترميم هو بقايا لـ ٩٤٠ مصحفًا، مكتوبة على رقع جلدية وأوراق، (حوالي ٢٥ مصحفًا) تم تأريخها للقرن الأول الهجري؛ لأنها مكتوبة بالخط الحجازي القديم الذي كان مستعملًا في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بداية العصر العباسي حين تم استبداله بالخط الكوفي، وكل تلك المصاحف مطابقة لما بين أيدينا اليوم، وبوين لم يذكر أي اختلافات في تلك المصاحف، مع أنه درسها بدقة لعدة سنوات [ينظر: جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة، فادي السويطي، ص ١٢-١٧]، أما الطرس (Palimpsest) فهي المخطوطات الجلدية التي تحتوي على آثار كتابة ممحوة (سفلية) تحت الكتابة الرسمية (الفوقية)، وهذا النوع من المخطوطات الطرسية شائع؛ لندرة وارتفاع تكاليف الرقع الجلدية آنذاك، بحيث يتم إعادة استعمالها أكثر من مرة، وهذه الممارسة شائعة في كافة أنحاء العالم القديم وليس فقط في الشرق الأوسط [ينظر: المصدر نفسه، ص ١٨-٢٢].

 وجدير بالذكر أن من بين خمسة وعشرين مصحفًا قديمًا من القرن الأول الهجري – وهي باعتراف بوين مطابقة لنسخ القرآن الحالية – كانت هذه المخطوطة التي تمثل بقايا وأجزاء غير كاملة للقرآن هي الوحيدة التي احتوت على خط سفلي تم محوه، أما الكتابة الرسمية الفوقية الواضحة التي تعود للقرن الأول الهجري - أيضًا - فهي مطابقة لما بين أيدينا من قرآن [ينظر: المصدر نفسه، ص ٢٤-٢٨].

ثانيًا: يعترف بوين أن تاريخ الخط الأصلي الفوقي قريب أو مطابق لتاريخ الخط السفلي الذي تم محوه، بمعنى أن فترة الكتابة الزمنية واحدة، وهذا بحد ذاته يدحض (تخمينه) بأن النص القرآني قد تطور مع الزمن؛ لأن أي نص لكي يتطور يجب أن يتم ذلك عبر فترات متفاوتة.

كما أن بوين لم ينشر أي بحث علمي طوال أكثر من عشرين سنة من احتفاظه بصور الرقعات التي بنى عليها تخميناته، وتتجلى التناقضات الأكاديمية في كتاباته وتصريحاته؛ فمن ناحية وافق على مقابلة قناة معادية للإسلام، ومن ثَمَّ يكتب رسالة للمهتمين بأن الفروق في الكتابة بين النص الرسمي الفوقي والنص الممحو هي فروق لا تذكر ولا تؤثر على بنية النص القرآني [ينظر: جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية بين الحقيقة العلمية والمبالغة المفتعلة، فادي السويطي، ص ٤٣-٥٢].

ثالثًا: من أخطر المغالطات التي وقع فيها بوين هي جعل المخطوطات معيارًا أساسيًّا في الحكم على النص القرآني، متناسيًا أن الأصل في نقل القرآن هو الحفظ في الصدور، وأن الحفظ في السطور إنما هو مرحلة ثانية جاءت لتوثيق ما هو محفوظ في الصدور، وليست مصدرًا مستقلًا للنقل، فالقرآن نزل مقروءًا بالمشافهة، وتلقته أجيال متعاقبة عن طريق السماع والحفظ، حتى وإن لم يُدوّن في المصاحف، وهذا ما يجعل أي مخطوط – مهما كان قدمه – مجرد شاهد مادي على نص منقول بالتواتر، وليس المصدر الأساسي للنقل.

وقد أكد المحقق ابن الجزري هذه الحقيقة بقوله: "ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور لا على خط المصاحف والكتب، وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة" [ينظر: كتاب مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، ج١ص ٢٤٢].

وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ رَبِّي قَالَ لِي: ...إِنِّي مُبْتَلِيكَ وَمُبْتَلٍ بِكَ وَمُنْزِلٌ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ» [ينظر: صحيح مسلم، حديث عياض بن حمار المجاشعي، ]، وفسر العلماء هذا الحديث بأنه يعني: أن القرآن محفوظ في الصدور، لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة، بل يقرأ في كل حال. [ينظر: كتاب مناهل العرفان، ج١ ص ٢٤٢]. قال ابن قتيبة في تفسيره: "أراد أنه محفوظ في صدور الرجال، يأخذه آخر عن أول إلى يوم القيامة". [ينظر: المصدر نفسه].

وورد في صفة هذه الأمة: "أناجيلهم في صدورهم". [ينظر: المصدر نفسه]، أي أن كتابهم محفوظ في قلوبهم، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب [ينظر: المصدر نفسه، ص ١٩-٢٠].

 وهذا يفسر لنا لماذا لم يكن لهذه المخطوطة الطرسية أي قيمة عند المسلمين؛ لأنها لم تكن معتَمَدَة في الأصل، بل كانت مجرد كتابة عابرة لمتعلم أو كاتب غير محترف، ولذلك مُحيت وأعيدت الكتابةُ فوقها، دون أن يلتفت إليها أحد، لأن القرآن كان محفوظًا في صدور الآلاف، فقد كان حفاظ القرآن في حياة سيدنا الرسول ﷺ جمعًا غفيرًا، حتى بلغ عدد القتلى منهم في وقعة اليمامة مائة وأربعين [ينظر: كتاب مناهل العرفان ج١ ص٢٤٢ وما بعدها].

وهذا الكثرة في الحفظ هي الضمان الأكبر لسلامة النص.

رابعًا: وجود أخطاء إملائية ولغوية في الكتابة السفلية التي تم محوها، مثل: "حتا" بدلًا من ﴿حَتَّىٰ﴾، و"فاعدوا" بدلًا من ﴿فَٱعۡتَدُوا۟﴾، و"ليحكموا بين الناس" بدلًا من ﴿لِیَحۡكُمَ بَیۡنَ ٱلنَّاسِ﴾، و"البساء" بدلًا من ﴿ٱلۡبَأۡسَاۤءِ﴾، و"أولا يروا" بدلًا من ﴿أَوَلَا یَرَوۡنَ﴾، وهذا يؤكد أن الطرس استُعمل للتدريس والتدريب على القراءة والكتابة، فهذه الأخطاء لا يقع فيها إلا المبتدئون والمتعلمون [ينظر: جدلية مخطوطات صنعاء القرآنية، فادي السويطي].

 وقد أكدت الباحثة أسماء الهلالي في مركز الاستشراق الألماني في ميونخ، في بحثها العلمي (مصحف صنعاء مجرد كراسة تعليمية)، أن الطرس الصنعاني لا يعدو كونه رقعًا استعملها طلاب الكتاتيب اليمنيين؛ لتعلّم كتابة القرآن وحفظه [ينظر: المصدر نفسه].

 كما أن عدم وجود أي آيات أو سور إضافية في الطرس يشكل دليلًا إضافيًّا على أنه ليس نسخة قرآنية معتمدة، بل كراريس استعملها طلاب المسجد الكبير في صنعاء لتعلّم كتابة وحفظ القرآن [ينظر: المصدر نفسه].

 وقد صرّح الباحث التونسي شوقي بوعناني بأن "الانتقال من نصّ محيت معالمه إلى نصّ مقروء هي عمليّة تأويليّة تضفي النسبيّة على نتائج التحقيق" [ينظر: المصدر نفسه]، بمعنى أنه لا يمكن بناء فرضيات على نص تم محوه، ولم يكن له أهمية لكاتبيه.

الخلاصة

خلاصة القول في شبهة مخطوطات صنعاء: أن النص العلوي المثبت في الطرس مطابق للقرآن المتداول، والنص السفلي الممحو لم يكن معتمدًا بدليل محوه، بل هو كراسة تعليمية لمتعلم كما أثبتت الباحثة أسماء الهلالي في بحثها (مصحف صنعاء مجرد كراسة تعليمية) والأصل في نقل القرآن هو الحفظ في الصدور بالتواتر، لا الكتابة في السطور، كما نص على ذلك ابن الجزري بقوله: "إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب" ، وما أثاره بوين وغيره من فرضيات لم يصمد أمام التدقيق العلمي، وكشف عن هشاشة مناهج تسبق النتائج.

موضوعات ذات صلة

يتوهمُ البعضُ تعارضًا بين القرآن والحقائق الكونية، والتدبرُ الصحيحُ يكشفُ انسجامها مع العقل.

يروجُ البعضُ لـ رواياتٍ باطلةٍ تزعمُ تدخلَ الشيطانِ في الوحيِ المحمديِّ

يزعم المستشرقون تحريف القرآن، والحقيقة أنه محفوظٌ بالتواتر، والضبطُ توثيقٌ لا تغييرٌ للنص.

يردّ بعض المشككين على فكرة وجود النسخ في القرآن، مدّعين أنه يتعارض مع كمال الله، وكأنه -سبحانه- يغيّر رأيه.

موضوعات مختارة