Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

إصلاح النفس.. بوابة التغيير

الكاتب

أ.د/ علي جمعة

إصلاح النفس.. بوابة التغيير

أين تبدأ نقطة الانطلاق لإصلاح الواقع في زمن اضطراب المعايير؟

يبدأ الإصلاح الحقيقي من "النفس" ثم الأقربين؛ فبناء الأجيال يحتاج لتربية صبورة تحول الانكسار لانتصار، مقتدين بمنهج النبوة.

إصلاح النفس: نقطة البداية في زمن التيه

في أزمنة اضطراب المعايير، وكثرة الأهواء، يكون البدء بإصلاح النفس وتربيتها أصلًا لا غنى عنه قبل التصدُّر لإصلاح الناس؛ فالمؤمن يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ثم يتدرج بعد ذلك في خدمة العامة وإصلاحهم على بصيرة ورحمة.

وهذا المعنى تؤيده قاعدة شرعية ظاهرة في ترتيب المسؤوليات، ومنها قوله  في باب الصدقة:

«ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ. فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ...» [صحيح مسلم].

وليس معنى ذلك ترك واجب النصيحة والإصلاح، ولا الانسحاب من خدمة الناس، وإنما المقصود أن يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه، وألا يتصدر لإصلاح غيره وهو غافل عن عيوبه ومسؤوليته الخاصة.

وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى في أزمنة غلبة الأهواء واضطراب الأحوال، فقال:

«إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَاءِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ»، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟، قَالَ: «بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْكُمْ» [رواه الترمذي].

إذن فالمؤمن يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول، ويتحمّل مسؤوليته عن أفعاله، ولا يبرر أخطاءه، ولا يجعل فساد الزمن حجة على ترك إصلاح ذاته وأهل بيته ومن يقدر على نصحهم.

ويؤكد القرآن هذا المعنى فيما قصّه علينا من أخبار بني إسرائيل مع سيدنا موسى -عليه السلام- حين أشرفوا على الدخول إلى الأرض المقدسة، فقال تعالى:

﴿یَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُوا۟ ‌ٱلۡأَرۡضَ ‌ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِی كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّوا۟ عَلَىٰۤ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِینَ * قَالُوا۟ یَٰمُوسَىٰۤ إِنَّ فِیهَا قَوۡمࣰا جَبَّارِینَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِن یَخۡرُجُوا۟ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِینَ یَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمَا ٱدۡخُلُوا۟ عَلَیۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ * قَالُوا۟ یَٰمُوسَىٰۤ إِنَّا ‌لَن ‌نَّدۡخُلَهَاۤ أَبَدࣰا مَّا دَامُوا۟ فِیهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَاۤ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّی لَاۤ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِی وَأَخِیۖ فَٱفۡرُقۡ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِینَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیۡهِمۡۛ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰۛ یَتِیهُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِینَ﴾ [المائدة: ٢١-٢٦].

وفي مدة التيه تظهر سنة من سنن التربية؛ إذ قد يحتاج تغيير النفوس وبناء الأجيال إلى زمن طويل، حتى يزول أثر الخوف والضعف، وينشأ جيل أقدر على حمل التكليف، فلم يكن الأمر يأسًا من الإصلاح، بل انتقالًا إلى بناء الإنسان من جديد بالصبر والتربية وطول النفس.

المنهج النبوي: من تربية النفس إلى صناعة الأمة

وهذا المنهج في الصبر والبناء ظهر كذلك في السيرة النبوية؛ فقد بدأ رسول الله ﷺ الدعوة وحده بمكة، ثم بدأت الدعوة من بيته بالسيدة خديجة -رضي الله عنها- ثم آمن به السابقون الأولون، ومنهم سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وسيدنا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ثم أنذر عشيرته الأقربين، ثم وسّع دائرة البلاغ شيئًا فشيئًا.

ولم يؤمن به في مكة إلا عدد قليل بالنسبة إلى ما وقع بعد ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة، وصبر على بناء الجماعة المؤمنة، دخل الناس في دين الله أفواجًا، حتى شهد معه حجة الوداع جمع عظيم من المسلمين،

فرسول الله ﷺ يعلمنا كيف تُبنى الأجيال، وكيف يكون الصبر على التربية والبناء، وكيف يتحول الانكسار إلى انتصار، وكيف لا يحبط المسلم إذا طال الطريق، بل يبدأ من جديد، ويعمل بما يقدر عليه، ويتحمل مسؤوليته في الدائرة التي أقامه الله فيها.

وفي هذا يقول النبي ﷺ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ. وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ. وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ. أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [رواه مسلم].

فالمنهج النبوي لا يعلّمنا الانسحاب من الإصلاح، ولا الانشغال بالناس مع الغفلة عن النفس، وإنما يعلّمنا ترتيب المسؤوليات: أن يبدأ الإنسان بنفسه، ثم بأهله، ثم بدائرته الأقرب، ثم يتسع أثره في الناس على قدر علمه وصدقه وصبره.

الخلاصة

يعلمنا الوحي والسيرة أن الإصلاح ليس قفزة في الفراغ، بل هو تدرج يبدأ بتزكية الذات ورعاية الأهل، إن التغيير العميق يتطلب نفسًا طويلًا كسنوات التيه، وصبرًا كصبر مكة، فمن استقام في "دائرة المستطاع" وصان رعيته، فتح الله به القلوب وجعل أثره يتسع في الناس، ليكون فردًا يبني بصدقه أمة كاملة.

موضوعات ذات صلة

تزكية النفس بالحزم والتوكل أساس القوة والتوازن لمواجهة التحديات.

الإصلاح نهضة حضارية وتغيير مستمر يوازن بين الأصالة والتجديد.

تزكية النفس منهج نبوي يطهر القلوب ويحقق فلاح الدارين.

موضوعات مختارة