إن الحديث عن السيدة آمنة، وخديجة، وفاطمة الزهراء – رضي الله عنهن - حديث عن نماذج نسائية جسَّدْنَ أسمى معاني الطهر والجمال الخِلقي والخُلقي، وفي زمن اختلطت فيه المفاهيم، نحن أحوج ما نكون للعودة إلى هذه القدوات النورانية لنستلهم منهن الهداية والنقاء.
إن الحديث عن السيدة آمنة، وخديجة، وفاطمة الزهراء – رضي الله عنهن - حديث عن نماذج نسائية جسَّدْنَ أسمى معاني الطهر والجمال الخِلقي والخُلقي، وفي زمن اختلطت فيه المفاهيم، نحن أحوج ما نكون للعودة إلى هذه القدوات النورانية لنستلهم منهن الهداية والنقاء.
أ. نسبها وشرفها
هي: آمنة بنت وهب بن عبد مناف، بن زهرة بن كلاب، وأمّها: برّة بنت عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدّار، وأمّها: أمّ حبيب بنت أسد بن عبد العزّى، وأمّها برّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عديّ بن كعب، وأمّها قلابة بنت الحارث من هذيل بن مدركة، وأمّها آمنة بنت غنم بن مالك من بني لحيان من هذيل، وأم وهب: هند بنت أبي قيلة- وهو وجز- بن غالب، من خزاعة. وكان أبو قيلة يدعى أبا كبشة. وكان قد استخف بالحرم وأهله، في فعلة فعلها، فكانت قريش تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: "فعل ابن أبي كبشة كذا"، يشبهونه إذا خالف دينهم، ويقال إن زوج حليمة، ظئره، كان يكنى أبا كبشة، ويقال إن وهبا، جده لأمه، كان يكنى أبا كبشة، ويقال إن عمرو بن زيد، جد عبد المطلب لأمه، كان يكنى أبا كبشة، والله أعلم. [جمهرة النسب - ابن الكلبي (ص٢٩)، [أنساب الأشراف (ص٩١)].
ولذلك كان من ثناء حبينا النبي صلى الله عليه وسلم أن ولادته جاءت من زواج مبارك ولم تكن سفاحًا، فهو طاهر النسب أبًا وأمًا، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي». [المعجم الأوسط للطبراني (٤٧٢٨)].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا وَلَدَنِي مِنْ سِفَاحِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ، وَمَا وَلَدَنِي إِلَّا نِكَاحٌ كَنِكَاحِ الْإِسْلَامِ». [المعجم الكبير للطبراني (١٠٨٨١٢)، السنن الكبرى للبيهقي (١٤٠٧٦)].
ب- زواجها من عبد الله بن عبد المطلب:
زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وكانت في حجر عمها أهيب بن عبد مناف، فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم. [أنساب الأشراف (ص٧٩)].
وتزوَّج سيدنا عبد الله بن عبد المطلب سيدتنا آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة عند الفراغ من فدائه بالإبل لنذر أبيه الذي كان نذر حين نازعته قريش في حفر زمزم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " أنا ابن الذَّبيحين ".
ولما فرغ عبد المطلب من وفاة نذره انصرف آخذًا بيد ابنه عبد الله حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بم مرة بن كعب بن لؤي، وهو يومئذ سيد بني زهرة سناً وشرفًا، فزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعًا، فزعموا أنه دخل عليها حين املكها مكانه، فوقع عليها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومات سيدنا عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمُّهُ حمل به، سار إلى المدينة ليزول أخوال أبيه من بني النجار، فمات بالمدينة، وقبره بها في دار من دور عدِّي بن النجار. وقال ابن شهاب: كان عبد المطلب بعث ابنه عبد الله إلى يثرب يمتار له تمرا منها، فمات بها وهو شاب عن أخواله بن النجار، ولم يكن له ولد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. [الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة (٢/ ٥١)].
ج- ولادتها بسيد العالمين صلى الله عليه وسلم
عن ابن إسحق قال: فكانت السيدة آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث أنها أتيت حين حملت محمدا صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع [إلى] الأرض فقولي:
أعيذه بالواحد من شر كل حاسد
في كل بر عابد وكل عبد رائد
نزول غير زائد فإنه عبد الحميد الماجد
حتى أراه قد أتى المشاهد
فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصري من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدًا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء وأهل الأرض، واسمه في الفرقان محمد فسميه بذلك. [سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص٤٥)].
توفيت أم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وَهب، وقد أتى له ست سنين، ماتت بالأبواء بين مَكَّة والمَدِينَة. [الأسامي والكنى - أبو أحمد الحاكم (١/ ٦٢)].
وفي خبر وفاة السيدة أمنة بنت وهب يذكر ابن عبد البر قصة وفاتها:"فَأَخْرَجَتْه أُمُّه آمِنةُ إلى أخوالِ أبيه بني النَّجَّارِ تَزُورُهم به بعدَ سبعِ سنينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوُفِّيَتْ أُمُّه آمِنةُ بعدَ ذلك بشهرٍ بالأَبْوَاءِ ومعها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَدِمَتْ به أُمُّ أيمنَ مَكَّةَ بعد موتِ أُمِّهِ بخَمسةِ أيَّامٍ" [الاستيعاب في معرفة الأصحاب (١/ ٥٧)].
وصَفَهَا علماء السِّيَر بأنها "عاقلة رزينة جميلة"، وقد اختارها عبد الله بن عبد المطلب من بين نساء قريش، لتكون زوجة له؛ لما ظهر فيها من حُسن وجمال وفِطنة ووقار.
قال ابن إسحاق: وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً [سيرة ابن اسحاق = السير والمغازي (ص٤٢)].
كانت أفضل امرأة في قريش نسبًا ومكانة، امتازت بالذكاء وحسن البيان. [الأعلام للزركلي (١/ ٢٦)].
فعَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ حَنَشِ بْنِ مُعَلَّى الْعَبْدِيُّ نَصْرَانِيًّا حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِتَفْسِيرِ الْكُتُبِ وَتَأْوِيلِهَا، عَالِمًا بِسِيَرِ الْفُرْسِ وَأَقَاوِيلِهَا، بَصِيرًا بِالْفَلْسَفَةِ وَالطِّبِّ، ظَاهِرَ الدَّهَاءِ وَالْأَدَب،ِ كَامِلَ الْجَمَالِ، ذَا ثَرْوَةٍ وَمَالٍ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَافِدًا فِي رِجَالٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، ذَوِي آرَاءٍ وَأَسْنَانٍ، وَفَصَاحَةٍ وَبَيَانٍ، وَحُجَجٍ وَبُرْهَانٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
خَصَّكَ اللَّهُ يَا ابْنَ آمِنَةَ الْخَيْ * * * رِ بِهَا إِذْ أَتَتْ سِجَالًا سِجَالَا
فَاجْعَلِ الْحَظَّ مِنْكَ يَا حُجَّةَ اللَّهِ * * * جَزِيلًا لَا حَظَّ خُلْفٍ أَحَالَا
قَالَ: فَأَدْنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَّبَ مَجْلِسَهُ، وَقَالَ لَهُ: «يَا جَارُودُ؛ لَقَدْ تَأَخَّرَ الْمَوْعُودُ بِكَ وَبِقَوْمِكَ». [البداية والنهاية وابن كثير: ٣/ ٣٠٣- ٣٠٤ ط دار هجر].
أ. مكانتها وسبقها:
النسب الشريف: هي خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عَبْد العُزَّى بن قُصَيّ بن كِلَاب بن مُرّةَ بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غَالِب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كِنَانة.
أمها: قد اختلف المؤرخون حولها ومن جملة ما ذكر عنها:
قيل: فاطمة بنت زَائِدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حُجْر بن عبد بن مَعِيص بن عامر
وقيل: هالة بنت عَبْد مَنَاف بن الحارث بن منقذ بن عَمرو بن مَعِيص بن عامر بن لُؤىّ.
وقيل: قلابة بنت سُعَيد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصيص بن كَعْب بن لُؤَيّ. [ابن سعد، الطبقات الكبرى، مكتبة الخانجي، القاهرة، ٢٠٠١م، ج١٠، ص ١٥].
لقبها في الجاهلية: قال الزبير: كانت تدعى في الجاهلية الطاهرة ولقبت بـ "سيدة نساء قريش". [الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ج٤، ص١٨١٧، وانظر أيضًا السيرة النبوية لابن هشام، ج١، ص١٧١].
ب- خطبة النبي صلى الله عليه وسلم: وكانت السيدة خديجة- رضي الله عنها- امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته.
فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون، يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك ووسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها. [ابن إسحاق، السير والمغازي، دار الفكر،١٩٨٧م، ص ٨٢].
بناء البيت النبوي: عرضت أم المؤمنين خديجة- رضي الله عنها- نفسها عليه صلى الله عليه وسلم زوجة بواسطة صديقتها (نفيسة بنت منيّة)، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام، وكلم في ذلك أعمامه فخطبوها له من عمها عمرو بن أسد، وتزوجها عليه الصلاة والسلام وقد تمّ له من العمر خمسة وعشرون عامًا ولها من العمر أربعون. [فقه السيرة، البوطي، ص٥٢].
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِشْرِينَ بَكْرَةً، وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتَّى مَاتَتْ، رضي الله عنها. [السيرة النبوية، لابن هشام، ج١، ص١٩٠].
أولاده: ولدت له قبل أن ينزل عليه الوحي ولده كلهم: زينب، وأم كلثوم، ورقية، وفاطمة والقاسم، والطاهر والطيب، فأما القاسم، والطاهر والطيب فهلكوا قبل الإسلام، وبالقاسم كان يكنى صلى الله عليه وسلم، فأما بناته فأدركن الإسلام، وهاجرن معه، واتبعنه، وآمن به عليه السلام. [ابن إسحاق، السير والمغازي، ص٨٢].
تثبيت الفؤاد: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ ابْن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدْ تَتَبَّعَ الْكُتُبَ وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ- مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ، فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةُ، إنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ، هَذَا زَمَانُهُ، أَوْ كَمَا قَالَ.[السيرة النبوية، ابن هشام، ج١، ص١٩١].
ج - الإسلام المبكر:
هي أول من آمن بالله ورسوله من البشر مطلقًا، وصفتها كتب السير بأنها كانت "الوزير الصادق" للنبي، عن قتادة، قال: أول من آمن بالله ورسوله خديجة [بنت خويلد] زوجته.
قال زهير: وأنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء خديجة بنت خويلد. [ابن عبد البر، الاستيعاب، ج٤، ص١٨٢٢].
إنّ من فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها التي تُحفظ لها ولم يسبقها أحد في ذلك، أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدّقه، قبل أن يدعوها إلى الإسلام، بل بفطرتها السليمة، وبهداية الله السابقة، وبذلت في سبيل نصرة رسول الله كل غال ونفيس على مَرّ عمرها، قال ابن هشام: “وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدّقت بما جاء من الله ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه، فخفّف الله بذلك على نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيبٍ له، فيحزنُه ذلك، إلا فرَّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تُثبته وتُخفِّف عليه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس.[ابن إسحاق، السير والمغازي، ص١٣٢، وانظر ابن هشام، السيرة النبوية، ج١، ص٢٢٤].
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير بناتها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد. [السير والمغازي، ابن إسحاق، ج٥، ص٢٤٤]
دـ المرض والوفاة:
أخبرنا محمد بن عمر عن محمد ابن صالح وعبد الرحمن ابن عبد العزيز قالا: توفيت خديجة لعشر خلون من شهر رمضان وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني معمر ابن الراشد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.
عن أبي حبيبة مولى الزبير قال: سمعت حكيم ابن حزام يقول: توفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان سنة عشر من النبوة وهي يومئذ نت خمس وستين سنة، فخرجن بها من منزلها حتى دفناها بالحجون، ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها. قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها وبعد خروج بني هاشم من الشعب بيسير. قال: وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأولاده كلهم منها غير إبراهيم ابن مارية. وكانت تكنى أم هند بولدها من زوجها أبي هالة التميمي. [ابن سعد الطبقات الكبرى، ج٨، ص١٨- ١٩].
فقد توفيت رضي الله عنها في مكة قبل الهجرة بثلاث سنين (عام ٦١٩ م تقريبًا)، بعد انتهاء الحصار بفترة وجيزة.
هـ ـ الوفاء النبوي:
قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام - أو طعام أو شراب - فإذا هي أتتك، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به.
قال السهيلي: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني: قصب اللؤلؤ - لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، لا صخب فيه ولا نصب، لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تتعبه يوما من الدهر، فلم تصخب عليه يومًا، ولا آذته أبدا. [ابن كثير، البداية والنهاية، ج٤، ص٣١٧].
أ. نسبها ومكانتها:
هي السيدة فاطمة بنت إمام المتقين رسول اللَّه: محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشميّة، صلّى اللَّه على أبيها وآله وسلّم ورضي عنها.
كانت تكنى أم أبيها، بكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة. ونقل ابن فتحون عن بعضهم بسكون الموحّدة بعدها نون، وهو تصحيف، وتلقّب الزهراء.
روت عن أبيها، روى عنها ابناها، وأبوهما، وعائشة، وأم سلمة، وسلمى أم رافع، وأنس. وأرسلت عنها فاطمة بنت الحسين وغيرها. [الإصابة في تمييز الصحابة (٨/ ٢٦٢)].
وأمّها خديجة بنت خُوَيْلِد بن أسد بن عَبْد العُزَّى بن قُصَى، ولدتها وقريش تبني البيت وذلك قبل النبوّة بخمس سنين. [الطبقات الكبرى (١٠/ ٢٠)]
وهي رضي الله عنها سيدة نساء أهل الجنة، كما في الحديث:
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: سَأَلَتْنِي أُمِّي مَتَى عَهْدُكَ تَعْنِي بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا .... قال: «إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ» [سنن الترمذي (٣٧٨١)].
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ أَحَبُّ النِّسَاءِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاطِمَةُ، وَمَنِ الرِّجَالِ عَلِيٌّ». [المستدرك على الصحيحين (٤٧٣٥)].
وعن ابن عباس رضي الله عنمها أنها سميت [فاطمة لأن] اللَّه تعالى فطم محبّيها عن النار.
وكانت السيدة فاطمة وأم كلثوم رضي الله عنهما أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم والسيدة فاطمة أصغرهما، ولدت سنة [إحدى وأربعين من] مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: ولدت وقريش تبني الكعبة ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ابن خمس وثلاثين، وقيل: ولدت قبل النبوة بخمس سنين، والأول أشبه بالصواب. [إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع (٥/ ٣٥١)].
ب- زوجها:
تزوجها سيدنا عليّ كرم الله وجهه بعد أن ابتنى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها بأربعة أشهر ونصف، وبني بها بعد تزوجه بها بسبعة أشهر ونصف، وكان سنها يوم تزوجها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفا، وكان سن عليّ يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر. [تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٣٥/ ٢٤٧)].
عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: خطب أبو بكر وعمر يعني: فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، فقال عمر: أنت لها يا عليّ.
فقلت: ما لي من شيء إلا درعي أرهنها.
فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، فلما بلغ ذلك فاطمة بكت، قال: فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لك تبكين يا فاطمة فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علمًا، وأفضلهم حلمًا، وأولهم سلمًا». [أسد الغابة في معرفة الصحابة (٧/ ٢١٦)]
ج- روايتها رضي الله عنها للحديث النبوي:
روى عنها: أنس بن مالك رضي الله عنه، وابنها الحسين بن علي ابن أَبي طالب عليه السلام، وأبوه علي بن أَبي طالب كرم الله وجهه، وسلمى أم رافع زوج أبي رافع، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وفاطمة الصغرى بنت الحسين بْن عَلِيّ بْن أَبي طالب عليهم السلام مُرْسلاً، وأم سلمة زوج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. [تهذيب الكمال في أسماء الرجال (٣٥/ ٢٤٧)].
د- وفاتها:
توفيت رضي الله عنها بعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، قال محمد بن عليّ: بستة أشهر، وقد روى عن ابن شهاب مثله، وروى عنه بثلاثة أشهر، وقال عمرو ابن دينار: توفيت السيدة فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانية أشهر، وقال ابن بريدة: عاشت السيدة فاطمة رضي الله عنها بعد أبيها سبعين يومًا. [الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٤/ ١٨٩٤)].
ورُوي أنها توفيت لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، وكان عمرها سبعًا وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين، وقيل: إحدى وثلاثين. وقال الكلبى: كان عمرها خمسًا وثلاثين سنة، وغسلها على وأسماء بنت عميس، وصلى عليها على، وقيل: العباس.
وأوصت أن تدفن ليلاً ففعل ذلك بها، ونزل في قبرها على، والعباس، والفضل بن العباس، رضى الله عنهم أجمعين، وولدت لعلى الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم، تزوج زينب عبد الله بن جعفر، فولدت له عليًا، وعونًا، وأما أم كلثوم فتزوجها عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فولدت له زيدًا، ثم تزوجها بعد وفاة عمر عون بن جعفر، ومات عنها، ثم تزوجها محمد بن جعفر، ثم عبد الله بن جعفر. [النووي، تهذيب الأسماء واللغات (٢/ ٣٥٣)].
هـ ـ مناقبها رضي الله عنها:
جاء في مناقبها وفضلها العديد والعديد من الأحاديث النبوية الجليلة، فعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَنَا وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمُحِبُّونَا؟ قَالَ: «مِنْ وَرَائِكُمْ». [المستدرك على الصحيحين (٤٧٢٣)].
تعليم نبينا صلى الله عليه وسلم فضل ذكر الله، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَ رِجْلَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها، فَعَلَّمَنَا مَا نَقُولُ إِذَا أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، إِذَا كُنْتُمَا بِمَنْزِلَتِكُمَا فَسَبِّحَا اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ» قَالَ عَلِيٌّ: «وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ» ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَانَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ قَالَ عَلِيٌّ: «وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ». [مسند أحمد (١٢٢٩)].
تصدقها بكل نفيس امتثالًا لأمر أبيها عليه أفضل الصلاة والسلام، عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَاطِمَةَ رضي الله عنها وَأَنَا مَعَهُ، وَقَدْ أَخَذَتْ مِنْ عُنُقِهَا سِلْسِلَةً مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: هَذِهِ أَهْدَاهَا إِلَيَّ أَبُو حَسَنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا فَاطِمَةُ أَيَسُرُّكِ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَفِي يَدِكِ سِلْسِلَةٌ مِنْ نَارٍ " ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَقْعُدْ فَعَمَدَتْ فَاطِمَةُ إِلَى السِّلْسِلَةِ، فَاشْتَرَتْ غُلَامًا فَأَعْتَقَتْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّى فَاطِمَةَ مِنَ النَّارِ». [المستدرك على الصحيحين (٤٧٢٥)].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تُبْعَثُ الْأَنْبِيَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الدَّوَابِّ لِيُوافُوا بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَوْمِهِمُ الْمَحْشَرَ، وَيُبْعَثُ صَالِحٌ عَلَى نَاقَتِهِ، وَأُبْعَثَ عَلَى الْبُرَاقِ خَطْوُهَا عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهَا، وَتُبْعَثُ فَاطِمَةُ أَمَامِي». [المستدرك على الصحيحين (٤٧٢٧)].
ودخل امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم عليها فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْكِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بَعْدَ أَبِيكِ صلى الله عليه وسلم أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْكِ». [المستدرك على الصحيحين (٤٧٣٦)].
فضلها على نساء العالمين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ». [صحيح ابن حبان (٣٣٣٨)].
طهرها الله وبيتها من فوق سبع سماوات، فعن عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمُرُّ بِبَابِ فَاطِمَةَ رضي الله عنها سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، يَقُولُ: "الصَّلَاةُ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، ﴿إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَیۡتِ وَیُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِیرࣰا﴾ [الأحزاب: ٣٣]». [سنن الترمذي (٣٢٠٦)].
سر أبيها رضي الله عنها، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: «اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ امْرَأَةً، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي - فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ أَيْضًا، فَقُلْتُ: لَهَا مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ! فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحَدِيثِهِ دُونَنَا ثُمَّ تَبْكِينَ! وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ. فَبَكَيْتُ لِذَلِكِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ - أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَضَحِكْتُ لِذَلِكِ». [صحيح مسلم (٢٤٥٠)].
هؤلاء هن القدوة الحسنة لبناتنا ونسائنا، تتأصَّل فيهن صفات الحياء، والستر، والصدق، والثبات، والحكمة، والعقل الراجح، والزهد والرضا والحياء، والطهر، والرحمة، والرِّقَّة، وما أحوج بيوتنا لأمثالهن؛ لبناء أسرة قوية وأمة راقية.
كانت ليلة الخير والبركة والنور والسرور على الكون بأكمله.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن محبة الأمة لرسولها الكريم ﷺ.
أبانَ مولدُهُ عن طيبِ عنصرِهِ * يا طيبَ مبتدأ منهُ ومختتمِ
هل يمكن تحديد ميلاد النبي ﷺ بالتقويم الميلادي بدقة؟
يُشكّل ميلاد سيدنا النبي محمد ﷺ نقطة فارقة في تاريخ البشرية.