Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تجليات الانتماء النبوي في إنجاح خطة الهجرة

الكاتب

هيئة التحرير

تجليات الانتماء النبوي في إنجاح خطة الهجرة

تجاوز الانتماء النبوي حدود العاطفة ليصبح درعًا استراتيجيًّا ومحركًا أساسيًّا لنجاح الهجرة النبوية وتجاوز أخطر عقباتها، فبفضل أواصر المصاهرة والاحتواء الإنساني، تلاحمت الجبهة الداخلية وتفانى المؤمنون في التضحية، وامتد التأثير لكسب ثقة المخالفين لتأمين طريق الخلاص.

ضمان تماسك المسلمين التام لتنفيذ أدوارهم في الهجرة

ومن الأمثلة الدالة على أهمية انتماء القائد إلى أمته: زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من ميمونة رضي الله عنها، أخت أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، وخالة خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقد رأت ما رأت من أمر المسلمين في عمرة القضاء؛ فهوت إلى الإسلام نفسها؛ فخاطب العباس ابن أخيه في أمرها، وعرض عليه أن يتزوجها، وكان موكلًا منها بذلك، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت ثلاثة الأيام التي نص عليها عهد الحديبية قد انقضت، ولكنه الله أراد أن يتخذ من زواجه ميمونة رضي الله عنها وسيلة لزيادة التفاهم بينه وبين قريش، فلما جاءه سُهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزى من قِبل قريش يقولون لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "إِنَّه قَدِ انْقَضَى أَجَله فَاخْرُج عَنَّا"، فقال لهم: «مَا عَلَيكُم لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَينَ أَظْهُرِكُم وَصَنَعنَا لَكُم طَعَاما فَحَضَرْتُمُوهُ» [رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رقم ٦٧٩٦].

وتتسع دائرة انتماء القائد الأعظم إلى الأمة العربية حتى تشمل يهود خيبر وسائر اليهود، بوصفهم من أهل شبه الجزيرة الذين بعث الرسول لهدايتهم إلى الدين الحق مهما أبدوا من عداوة، فيتزوج الرسول من إحدى نسائهم، وهي صفية بنت حُيَيِّ بن أخطب النضرية، وكانت إحدى السبايا اللاتي أخذ المسلمون من حصون خيبر، وقد قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في شأنها: "​صَفَيَّةُ سَيِّدَةُ بَنِي قُرَيظَة وَالنَّضِير، لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَك"، فأعتقها وتزوجها.

ويعلق على ذلك الأستاذ الدكتور محمد حسين هيكل رحمه الله - بقوله: "إن هذا الزواج من تقاليد العظماء الفاتحين الذين كانوا يتزوجون من بنات عظماء الممالك التي يفتحونها" ليخففوا من مصابهم ويحفظوا من كرامتهم ونحن نضيف إلى هذا الغرض غرضًا آخر لا يقل عنه وضوحًا، وهو توثيق الصلات وتدعيم الانتماء، توحيدا للصف وتحقيقا للهدف، غير أن اليهود خانوا عهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وخرجوا بذلك على الأمة فكانوا من أعدائها.

ويطرد اتساع دائرة الانتماء حتى تتجاوز الجزيرة العربية إلى ما حولها من البلاد، إذ يتزوج النبي من جارية مصرية هي مارية القبطية التي بعثها المقوقس عظيم القبط في مصر مع هدايا أخرى إلى الرسول، ردَّا على الرسالة التي بعثها إليه يدعوه فيها إلى الإسلام.

ومن الواضح أن هذا الزواج يمثل عقد مصاهرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مصر، تلك المصاهرة التي تعد إحدى الوسائل المهمة لتحقيق رابطة الانتماء، ولقد أثبت التاريخ ذلك التأييد المعنوي الذي أبداه المصريون للمسلمين الفاتحين بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، والذي كان من عوامل انتصارهم.. ولسنا نعدو الحقيقة إذا قررنا أن شعور أهل مصر بذلك النسب لما عرف عنهم من توقير لرؤسائهم وبالتالي لأصهارهم وكان المقوقس رئيسًا على قومه وصهرًا للنبي بحكم تزوجه مارية جارية المقوقس فضلًا عن أنها مصرية من صميم شعبها، فإن هذا الشعور الناجم عن مصاهرة النبي للمقوقس وللمصريين عامة أن الشعب المصري الذي عانى طويلًا من عبودية الرومان وجد في المسلمين الذين سبقت إليه أنباء الرسالة الإنسانية التي يحملون مشعلها - رسالة الحرية والعدل والرحمة - عونًا لهم على التخلص من جور الرومان الدخلاء، ولم يجدوا فيهم غزاة من الأجانب؛ لأن العرب والمصريين القدماء ينحدرون من جنس واحد، وهم أبناء عمومة على أرجح الأقوال، وقد جددت هذه القربى وبعثت مشاعر الانتماء وعمقها في نفوسهم رابطةُ المصاهرة بينهم وبين النبي العربي، فكانوا عونًا على دخول الإسلام وانتشاره في بلادهم.

الاستجابة والتضحية في الهجرة النبوية

ويجدر بنا أن نشير في هذا المقام إلى أن توثيق الانتماء إلى الأمة لم يكن المقصد الوحيد من تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان المقصد الأساسي في جميع الأحوال، إذ كان اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لزوجاته على حسب حاجتهن إلى الإيواء الشريف، وعلى حسب المصلحة الكبرى التي تقضي باتصال الرحم بينه وبين سادات العرب وأساطين الجزيرة من أصدقائه وأعدائه على السواء.. بيد أنَّا إذا تعمقنا في دراسة الحالات التي كانت الرحمة والمروءة والنخوة هي الدوافع الأساسية لها؛ وجدنا أن توثيق الانتماء يقف كعامل غير مباشر خلف هذه الحالات، وبخاصة إذا لاحظنا أن هذه الدوافع تحقق انتماءً روحيًا عميقًا بأفراد أمته سواء الأقربين منهم إلى الأصهار أو البعيدين منهم؛ لأن الحاجة إلى التأليف أو الرعاية وتبادل العطف والمودة هي حاجة إنسانية أساسية، لا تقتصر على القريب دون البعيد، بل هي مشاع بين الأسرة الإنسانية جميعها، ولا شك أن التآلف والرعاية هي القاعدة التي تقوم عليها رابطة الانتماء إلى المجتمع.

وتتزايد حلقات الدائرة - دائرة الانتماء - حتى تضم الصعيد الإنساني كله لتجمع بين القاصي والداني والأبيض والأسود والغني والفقير على قاعدة الإخاء والمساواة، وإن لم تتوافر وشائج انتماء القائد الأعظم المبعوث من عند الله إلى الناس كافة عن طريق الدم والمصاهرة لاستحالة هذا الأمر، فليكن مدُّ اليد إليهم حينما يوجدون بالسلام، ومناشدة التعاون في سبيل نصرة المظلوم وإرساء القيم الفاضلة والمبادئ القويمة، بديلًا عن هذه الوشائج، بديلًا معنويًّا لا يقل عنها قوة وأصالة، بديلًا لا غنى عنه، ولا يقوم مقامه مثيل في سبيل إنجاز أهداف الرسالة الإسلامية، وهي رسالة عالمية بطبيعتها وأهدافها.

ذلك هو التفسير المنطقي للحكمة التي كان يستهدفها النبي ﷺ من وصاياه إلى جنده وولاته على الأقاليم والأمصار التي فتحوها، وصايا بحسن المعاملة، والتمسك بالمثل العليا فيما يصدر عنهم نحو أبناء هذه البلاد من أقوال وأفعال.

وكان يضرب لهم المثل على ذلك بسلوكه مع الناس فهو الكريم السمح العافي عند المقدرة، مما زاد المسلمين به تعلقًا، وجعلهم يرون فيه نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الحق، ويرون فيه إلى جانب ذلك أبًا لهم جميعًا، وليس أقوى ولا أوثق من هذه الأبوة الروحية في التمكين لرابطة انتماء القائد إلى أمته، فليكن للحكام المسلمين في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وليذكروا نصائحه وتعاليمه، وهم يتعاملون مع أهل البلاد المفتوحة حتى تضيق مسافات الخلاف بينهم، وتقوم مقامها وشائج الانتماء بالمشاعر الودية، والتجاوب الصادق والعمل المشترك في سبيل تحقيق أهداف سليمة يلتقي عليها الجميع حكامًا ومحكومين.

ولقد أثمرت هذه التعاليم الرشيدة في نفوس المسلمين وأدرك أولو الأمر من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ما تنطوي عليه من حكمة سامية، فسعوا إلى توثيق رابطة الانتماء بينهم وبين سائر المسلمين في الجزيرة العربية، ثم سعى من شغل منهم وظائف القيادة والحكم إلى خلق هذه الرابطة بينهم وبين الشعوب المجاورة التي تحقق لهم النصر على حكامها المستبدين المستغلين، فدانت لهم تلك الشعوب بالولاء والطاعة واستجابوا لمبادئ دعوتهم، وعملوا معهم جنبًا إلى جنب الإرساء قواعدها وتدعيم بنيانها.

ولقد اقتدى القادة والحكام المسلمون بنبيهم في خَلق أواصر الانتماء بالجماعات التي تختلف فيما بينهم سلالة ولغة وعادات وتقاليد ونظمًا اجتماعية وسياسية، وتتفق في انضوائها جميعا تحت راية الدين الجديد، فكانت وسيلتهم لتحقيق هذا المقصد هي الوسيلة نفسها التي اتبعها الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ونعني بها المصاهرة والمعاملة الحسنة بوصفها أداة لخلق الانتماء الروحي إذا لم تتيسر السبل إلى المصاهرة، وأداة لتعزيز الانتماء عن طريق النسب إذا توافرت هذه الرابطة.

ومن ثم فقد اختلط المسلمون بأبناء البلاد التي دخلوها اختلاطا يقوم على المودة والتكافل والرحمة والعدل، وتبادل المنافع المشتركة، والتعاون في سبيل المصلحة العامة وأدى ذلك كله إلى عقد أواصر المصاهرة بين كثير من الجنود المسلمين وأهل تلك البلاد، مما أنشأ ووثق روابط الانتماء بين الجانبين، وأزال من نفوس المحكومين عقدة كراهية الحاكم ومقاومته بشتى وسائل المقاومة؛ ذلك لأن العرب الفاتحين أصبحوا إخوة لهم بالمصاهرة والمعاملة الكريمة، وكان من نتائج هذا كله أن تحققت الوحدة القومية في العالم الإسلامي فأصبح العرب وأهل الأقاليم التي دخلوها يكونون أمة عربية واحدة، تظلها راية العقيدة الإسلامية، وتقويها وشائج الانتماء بمختلف صورها، واندثرت القيم القديمة والعقائد البالية وحلت مكانها قيم المجتمع الإسلامي الجديد، بل لقد اندثرت لغات كثيرة في هذه البلاد، وحلت محلها اللغة العربية، وهي لغة القرآن، وأصبح لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.

ونخلص مما تقدم إلى أن الانتماء إلى أمته ووطنه من أهم مقومات القيادة في نبي الإسلام وصحابته، إذ كان عاملاً أساسيًّا في تحقيق أهداف العقيدة الإسلامية. فلقد شعرت القاعدة المحكومة أن القوة منبثقة منها، وليست مفروضة عليها، فتجاوبت معها نفسيًّا واجتماعيًّا، وارتفعت معنوياتها فتسابقت إلى التعاون مع القادة والبذل والتضحية في سبيل التمكين للعقيدة، ورفع ألوية الحضارة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وارتياد آفاق جديدة لم يسبق إليها أحد في تاريخ البشرية.

السجايا النبوية في كسب ثقة المخالفين في الدين في الهجرة

ومن هذا البحث التحليلي لخاصية الانتماء إلى الوطن في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم نستطيع أن ندرك أن هذا الانتماء كان أحد الدوافع التي حدت بالمسلمين إلى التجاوب معه ومحبته والتضحية بالنفس والمال والجهد في سبيل نشر دعوته قبل الهجرة وبعدها، وبات واضحًا مدى عمق هذا التجاوب وهذه المحبة، وروعة هذه التضحية، في نفوس القلة المؤمنة التي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشاركته في الرحلة الخالدة إلى أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن أبي بكر، وأسماء، وعائشة، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنهم، لقد جمع على حبه الصغار والكبار، النساء والرجال، الأحرار والموالي، إذ كانوا يشعرون أنه منهم وأنهم منه، فخاطروا بأرواحهم - وهي أغلى ما يملك المرء في سبيل معاونته على أداء رسالته، لم يتردد منهم أحد في هذه المخاطرة أو ينكل في إحدى اللحظات عن استكمال مسيرتها.

والدليل على أن انتماء قائد الأمة الإسلامية إلى قومه كان من أسباب تألفهم معه، أنهم كانوا - فيما عدا القلة السادرة في شركها وعدوانها - يوقرونه ويقدرونه ويطلقون عليه أنبل الصفات في عهد جاهليتهم، واستمروا على هذا التوقير والتقدير بعد الإسلام، برغم عدم دخولهم جميعًا في دين الله إذ كانوا يرون فيه الرجل العربي الأصيل الذي تتوافر فيه أكمل السجايا العربية، فإذا كان الإيمان هو أكبر دافع غيَّر المسلمين إلى محبة محمد صلى الله عليه وسلم فإن انتماءه إلى وطنه ومجتمعه كان في رأينا أكبر دافع غيَّر المسلمين إلى تبجيله؛ وإلا فكيف نفسر إقدام عبد الله بن أريقط الديلمي وهو من كفار قريش على القيام بمهمة الدليل لمحمد وصاحبه في الطريق من مكة إلى المدينة برغم إدراكه لما قد يجره عليه ذلك من ويلات عصبة الشرك إذا افتضح أمره، إن تجاوب عبد الله بن أريقط مع النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وتقديره لهما مردهما في رأينا إلى أصالة الانتماء القومي في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشخصية الصديق رضي الله عنه بالإضافة إلى مناقبهما الخلقية، ولا يمكن النظر إلى المصلحة الشخصية أو المادية وحدها كدافع سياسي لقيام الرجل بمهمته المحفوفة بالخطر فإنه برغم احترافه العمل دليلا، لم يكن مأجورًا بقدر ما كان متعاونًا، صادرًا في ذلك عن مشاركته الوجدانية لرسول الله وصاحبه، وإن لم يشاركهما دينهما.

ومن ثم فإنه يمكن القول بأن توافر خاصية الانتماء إلى المجتمع في شخصية القائد الأعظم للأمة الإسلامية، كان عنصرا جوهريًّا في بناء شخصيته، وبفضلها استطاع - كما شاء الله تعالى أن يكسب الرأي العام في المدينة ويقوده وأن تنجح مهمته برغم ما عاناه من أعباء ومسئوليات وما صادفه من عقبات.

الخلاصة

من أسباب الهجرة النبوية نجاح التخطيط الاستراتيجي والذي اكتمل بصدق انتماء القائد لأمته وقدرته على استيعاب كافة أطيافها برحمة وعدل، ولم تكن التضحيات البطولية للمؤمنين أو التزام بعض المخالفين بعهد المدينة إلا ثمرة طيبة لهذا الاحتواء الإنساني وتلك الأخلاق القيادية؛ لتبقى رحلة الهجرة بفضل هذا التلاحم نقطة التحول الأعظم التي أسست دولة الإسلام على قواعد راسخة من الإخاء والولاء والمصير المشترك.

موضوعات ذات صلة

تحمل الهجرة في طياتها معاني عظيمة في الإيمان والتضحية والوطنية الصادقة.

الإنسان المصري مرتبط بوطنه بشكل عاطفي قوي، يقدّر أرضه وتاريخه وشعبه، ويبقى وفيًّا له.

حب الوطن فطرة راسخة وواجب شرعي، أقره الاسلام ورفعه إلى مصافّ القربات العظيمة.

الانتماء الوطني شعور الفرد بالارتباط العاطفي والوجداني بوطنه، وحرصه على مصالحه، واعتزازه بهويته.

حب الوطن لا يُخالف الدين، بل يتكامل معه في إطار منظومة القيم العليا التي جاء بها الشرع.