Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قصة أم معبد ووصفها الدقيق للنبي صلى الله عليه وسلم

الكاتب

هيئة التحرير

تُعدّ قصة خيمة "أم معبد" في الهجرة النبوية شاهدًا خالدًا على المعجزة والجمال؛ ففيها تجلّت بركة النبي - صلى الله عليه وسلم -  بفيض اللبن في زمن القحط، ولم تقف المعجزة عند هذا الحدّ، بل خلّدتها تلك السيدة البدوية بوصفٍ بلاغي دقيق لملامحه الشريفة، ليتحول حديثها إلى وثيقة تاريخية وشمائل تربوية تنبض بالأنوار عبر الأجيال.

المأوى المبارك في قلب الصحراء: لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه بأم معبد

في طريق الهجرة النبوية المباركة من مكة إلى المدينة، وتحت وهج شمس الصحراء الحارقة، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه يبحثان عن ملاذ يقطعون فيه عناء السفر ومشقته، فساقتهما الأقدار الربانية إلى خيمة تقع في جوف البادية، تملكها امرأة خزاعية تدعى عاتكة بنت خالد، تُكنى بـ "أم معبد"، كانت هذه السيدة الشهمة تُعرف بجودها وسخائها، حيث تجلس بفناء خيمتها تُطعم المسافرين وتسقيهم بما توفر لديها، فلما نزل الركب المبارك بساحتها، سألوها شراء لحم أو تمر ليتزودوا به، لكن القحط الشديد والجدب الشامل الذي أصاب ديارهم آنذاك لم يترك في خيمتها زادًا ولا لبنًا، كان هذا اللقاء الجاف ظاهريًا هو المدخل لحدث غيّر تفاصيل الرحلة؛ حيث تحول المأوى البسيط في قلب الصحراء القاحلة إلى شاهد عيان على واحدة من أعظم آيات النبوة، ومحطة تاريخية فارقة خلدت كرم البادية وعناية الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.

معجزة الشاة العجفاء: بركة النبوة وفيض اللبن في خيمة أم معبد

حين اعتذرت أم معبد عن قلة الزاد بسبب القحط، لمحت عين النبي - صلى الله عليه وسلم - شاةً هزيلة خلفها الجهد عن المرعى، فاستأذنها في حلبها فأجابت بتعجب: "إن كان بها لبن فاحلبها!"، فتقدم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بيقين ومسح بيده الشريفة على ضَرعها داعيًا بالبركة، فدرّت بغزارة في معجزة جليلة رواها الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة، ثم طلب إناءً كبيرًا وحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقى أم معبد أولًا، ثم سقى صاحبه أبا بكر والركب، وشرب هو آخرهم ممتثلًا خُلُقه الرفيع،«... فَدَعَا بِإِنَاءٍ يَرْبِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى عَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، فَسَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، وَشَرِبَ آخِرَهُمْ ﷺ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ الثَّانِيَةَ بَعْدَ بَدْءٍ حَتَّى مَلأَ الإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، ثُمَّ بَايَعَهَا وَارْتَحَلُوا...»[ الطبراني في المعجم الكبير، حديث رقم: ١٥٨٦٠]، ليكون هذا الغيث دليلًا قاطعًا على صدق رسالته وسعة بركته، وهو ما خلدته كتب السير كـ (سيرة ابن هشام- والبداية والنهاية لابن كثير) وبذلك تحول الجدب في تلك الخيمة إلى نعيم دائم، مسجلًا آية عملية باهرة سبقت الوصف البلاغي الشريف.

تفصيل أم معبد لملامح النبي - صلى الله عليه وسلم - الخَلقية والخُلقية

بعد رحيل الركب المبارك، عَادَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ وَرَأَى اللَّبَنَ، عَجِبَ وَسَأَلَهَا: «مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا وَلَا حَلُوبَ فِي البَيْتِ؟» فَقَالَتْ: «مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ»، قَالَ: «صِفِيهِ لِي»، فَقَالَتْ: "رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الوَضَاءَةِ (الوضاءة هي الحسن والبهاء)، أَبْلَجَ الوَجْهِ (الأبلج هو الأبيض المشرق المضيء الذي ليس فيه قتامة، ووجهه يتلألأ نورا)، حَسَنَ الخَلْقِ (تام الخِلقة، متناسق الأعضاء، ليس في جسده عيب أو انحراف) لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ (لَمْ يَكُنْ ضَخْمَ البَطْنِ)، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صُعْلَةٌ (لَمْ يَكُنْ صَغِيرَ الرَّأْسِ)، وَسِيمٌ (الوسامة هي الجمال الثابت الذي يترك أثراً وعلامة في نفس من يراه)، قسيمٌ (المقسّم الجمال، فكأن كل جزء من أجزاء وجهه وجسده أخذ نصيباً عادلاً وتاماً من الحسن) فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ (شِدَّةُ السَّوَادِ مَعَ شِدَّةِ البَيَاضِ)، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ (طُولُ رُمُوشِ العَيْنِ)، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ (بَحَّةٌ يَسِيرَةٌ فِيهَا حُسْنٌ)، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ (طُولٌ وَارْتِفَاعٌ)، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ (كَثِيفَةٌ حَسَنَةٌ)، أَزَجُّ أَقْرَنُ (الحَوَاجِبُ تَقْتَرِبُ فِي طُولٍ وَدِقَّةٍ)، إِنْ صَمَتَ عَلَاهُ الوَقَارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ البَهَاءُ، أَعْذَبُ النَّاسِ مَنْطِقًا وَأَبْيَنُهُ (كلامه أحلى الكلام وأكثره وضوحاً وفهماً، لا غموض فيه)، لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ (كَلَامُهُ لَيْسَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا بِلَا فَائِدَةٍ)، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ (تشبيه بليغ؛ فكلامه في تتابعه، وتناسقه، وعذوبته، مثل حبات العقْد الثمين (الخرز المنظوم) عندما تسقط متتالية بانتظام وجمال)

رَبْعَةٌ (مُعْتَدِلُ الطُّولِ) لَا تَشْنَؤُهُ عين مِنْ طُولٍ(لا تبغضه العين أو تملّه بسبب طول مفرط )، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ(لا تحتقره العين أو تتجاوزه لقصره؛ فهو في قامة مثالية)، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ(تقصد أنه كان يسير بين رجلين (أبي بكر الصديق ومولاه عامر بن فهيرة)، فكان كالغصن النضير بينهما)، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا (أكثرهم إشراقاً، وحيوية، وجمالاً)، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا (أعلاهم مكانة وشأناً وشرفاً، يظهر ذلك من هيئته) لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ (يحيطون به من كل جانب إجلالاً وحماية )، إِنْ قَالَ أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ (يَخْدِمُهُ أَصْحَابُهُ وَيَجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ)، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفْنِدٌ (لَيْسَ عَابِسَ الوَجْهِ، وَلَا يُعِيبُ أَحَدًا)." [دلائل النبوة، ١/٢٧٦]، وبذلك صاغت أم معبد بفطرتها وثيقة بلاغية خالدة، تناقلتها أمهات السير كسيرة ابن هشام، لتبقى شهادتها أدق مرآة عكست الجمال المهيب والشمائل الشريفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشرحها البسيط الجليِّ.

الأثر التاريخي والبلاغي لحديث الخيمة: خلود رواية أم معبد في السيرة النبوية

لم يكن حديث خيمة أم معبد مجرد عابر سبيل في أحداث الهجرة، بل تحول إلى وثيقة تاريخية وبلاغية فريدة خلدتها كتب السنة والسير كـ(صحيح ابن حبان- والمستدرك للحاكم)، ويبرز الأثر البلاغي لهذه الرواية في قدرة امرأة بدوية، بفطرتها وسليقتها العربية النقية، على صياغة أدق وأشمل وصف خَلْقي وخُلُقي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أصبحت كلماتها مرجعًا أساسيًا ومقياسًا لغويًا في كتب الشمائل المحمدية كشمائل الترمذي، وتتجلى القيمة التاريخية في أن هذا الوصف جاء من عينٍ محايدة عاينت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلامها، مما يمنح الشهادة مصداقية وثائقية وتاريخية كبرى اعتمدها المؤرخون مثل ابن إسحاق وابن هشام في السيرة النبوية، كما تكمن الدلالة التربوية في تحول تلك الخيمة، بفضل المعجزة والبيان البديع، من مجرد مأوى معزول في الصحراء إلى منارة تروي للأجيال كيف يأسر الجمال النبوي القلوب، وكيف خلّد الإسلام الفصاحة والفراسة النسائية في أرفع مقام، وهو ما أكده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عند تحليله لطرق هذا الحديث الفريد.[البداية والنهاية لابن كثيرج٥ من ص٤٣٤ إلي ص٤٤٤]

الأنوار الإيمانية والعِبر التربوية: الدروس المستفادة من قصة أم معبد

تفيض قصة خيمة أم معبد بالأنوار الإيمانية والعِبر التربوية التي جعلتها مادة خصبة للاستنباط والتحليل في أمهات كتب السير كـ(البداية والنهاية لابن كثير- وزاد المعاد لابن القيم)، ومن أبرز هذه الدروس:

       أ‌-   رسوخ قيمة الكرم والإغاثة؛ فرغم القحط والجهد، فتحت أم معبد خيمتها للمسافرين، مبرزةً شرف الجود الذي أقره الإسلام وعظّمه.

     ب‌- ويتجلى الدرس الإيماني الأكبر في "اليقين ببركة النبوة" كآية صدق عملية رواها البيهقي في الدلائل، تعلّم الأمة أن الضيق يعقبه الفرج، وأن القليل يفيض بالبركة والدعاء.

      ت‌- كما يظهر درس "الأدب النبوي العالي" في استئذان النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحبة البيت قبل حلب الشاة، وهو أصل تربوي أصيل في احترام الخصوصية وحقوق الآخرين خلدته الروايات في المعجم الكبير للطبراني

     ث‌-  أهمية "الفراسة وبلاغة الفطرة" من خلال تمييز أم معبد لأهل الفضل والصلاح بمجرد الرؤية وصياغة وصفها البديع؛ لتبقى خيمتها مدرسة تربوية تعلّم الأجيال أن ملامح الحق والجمال لا تخطئها القلوب السليمة.

الخلاصة

تتجاوز قصة "أم معبد" حدود الزمان، لتبقى معلمًا بلاغيًا وتاريخيًا خالدًا في وجدان الأمة؛ فقد برهنت على أن البركة النبوية تُحيل الجدب رخاءً بإذن الله، وأثبتت أن الفطرة البدويّة الصادقة تملك من الفراسة والبيان ما يُمكّنها من توثيق الجمال النبوي المهيب، وترسيخ أرفع القيم التربوية في مسيرة السيرة الشريفة.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي