كيف تأثر اقتصاد مكة بعد هجرة المسلمين؟ ما هي الخسائر التجارية التي منيت بها قريش؟ كيف أثرت السرايا النبوية على طرق التجارة القرشية؟ وما التحولات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع المكي؟
كيف تأثر اقتصاد مكة بعد هجرة المسلمين؟ ما هي الخسائر التجارية التي منيت بها قريش؟ كيف أثرت السرايا النبوية على طرق التجارة القرشية؟ وما التحولات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع المكي؟
كانت مكة قبل الإسلام مركزًا تجاريًا ضخمًا بفضل موقعها على طريق التجارة بين اليمن والشام، وقد أسهم هاشم بن عبد مناف في تحويل تجارتها من الداخلية إلى الخارجية، وهو أول من أقام رحلتي قريش: الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام [انظر: ابن كثير: السيرة النبوية، أصول أنساب قبائل العرب].
يقول الله تعالى مشيرًا إلى هذه النعمة: ﴿لِإِیلَٰفِ قُرَیۡشٍ * إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَاۤءِ وَٱلصَّیۡفِ﴾ [قريش: ١-٢]، وكانت قريش قد حظيت بمكانة دينية بكونهم سدنة الكعبة، مما جعل القبائل الأخرى تحترمهم وتكف عن التعرض لقوافلهم.
كانت تجارة قريش تجارة جماعية يشارك فيها الغني والفقير، كلٌ حسب قدرته، وقد دل على ذلك ما رواه الواقدي في المغازي من قول أبي سفيان لما واجهته السرايا النبوية: "لقد علمتم والله ما في مكة رجل ولا امرأة له نشّ أو أكثر إلا وقد أشرك معنا في هذه العير" [الواقدي، "المغازي"، ذكر غزوة بواط وسرية نخلة].
أولًا: انتقال رؤوس الأموال إلى يثرب
عندما هاجر الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم، هاجر معه عدد كبير من الأغنياء والتجار، وكان سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قد أخذ ماله كله، وقدره كثير من أهل السير بخمسة آلاف درهم [انظر: ابن سعد، "الطبقات الكبرى"، ترجمة أبي بكر الصديق]، وكذلك فعل سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه - ، وهاجرت عقول تجارية فذة كسيدنا عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه - ، وغيرهم من المهاجرين الأغنياء.
أدى انتقال هؤلاء بأموالهم إلى يثرب إلى:
ثانيًا: خسائر معنوية قبل أن تكون مادية
لم تكن الخسارة الاقتصادية كبيرة فورًا، لكن الخسارة المعنوية كانت أعظم، فقد شعرت قريش أن هيبتها التي كانت تخيف القبائل قد انهارت، وأن المسلمين الذين كانوا ضعفاء في مكة أصبحوا يملكون دولة تنافس قريشًا على النفوذ، يقول ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "ولما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، أذل الله بها أهل الشرك، وأعز بها أهل الإسلام" [ابن حجر، "فتح الباري"، شرح حديث الهجرة].
ثالثًا: هجرة القوة الاستهلاكية الشرائية أيضًا
هاجرت النساء المسلمات مع أزواجهن، وهجرة النساء تعني نقصًا في القوى الإنتاجية والاستهلاكية أيضًا.
أولًا: قطع الطرق التجارية
بعد استقرار حضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، أدرك أن قريشًا تعيش على تجارتها مع الشام وأن من أموال التجارة القرشية أموال أخذت ظلمًا من المهاجرين، فإذا تمكن من تهديد هذه التجارة واستعادة أموال المهاجرين المنهوبة، مما أضعف قريشًا اقتصاديًا، وكانت أولى السرايا تهدف إلى اعتراض قوافل قريش.
ثانيًا: سرية عبد الله بن جحش (غزوة نخلة)
في الشهر السابع من الهجرة، أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرية بقيادة سيدنا عبد الله بن جحش - رضي الله عنه - إلى نخلة بين مكة والطائف، وهم ثمانية رجال، وكانت قافلة لقريش تحمل تجارة ثمينة، فاعترضتها السرية وأخذتها، وكان ذلك في آخر يوم من رجب، وهذه الحادثة أثارت ضجة في مكة؛ لأن القتال في الشهر الحرام كان كبيرًا، ثم أنزل الله تعالى عذرًا: ﴿یَسۡءَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالࣲ فِیهِۖ قُلۡ قِتَالࣱ فِیهِ كَبِیرࣱۚ وَصَدٌّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: ٢١٧]، [انظر: ابن هشام، "السيرة النبوية"، باب سرية عبد الله بن جحش].
ثالثًا: التهديد المستمر لقوافل قريش
بعد سرية نخلة، أصبحت كل قافلة قرشية متجهة إلى الشام أو قادمة منه في خطر، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث السرايا لتستطلع أخبار القوافل وترهبها، يقول الطبري في تاريخه: "وكانت قريش قد أيسوا من مرور قوافلهم إلى الشام إلا في جموع كثيرة وحماية عظيمة" [الطبري، "تاريخ الرسل والملوك"، ذكر غزوة بدر].
كان المجتمع المكي قبل الهجرة متماسكًا ظاهريًا على الشرك، لكن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كشفت عن تصدعات عميقة، هذا الهجرة الجماعية خلقت فراغًا كبيرًا في بنية المجتمع المكي، وأظهرت أن هناك قطاعًا واسعًا من قريش يفضل الدين على القبيلة والمال.
ومما زاد الانشقاق أن بعض أفراد الأسرة الواحدة أصبحوا فرقتين: مسلم مهاجر، ومشرك باقٍ في مكة، فتفطّرت العلاقات الأسرية، وتحولت البيوت إلى ساحات صراع، وكان هذا الانشقاق مؤلمًا نفسيًا للمشركين الذين كانوا يرون أبناءهم وإخوانهم يغادرون مكة متجهين إلى يثرب، ويتركونهم في غيظ وحسرة.
يذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى أن كثيرًا من المهاجرين تركوا خلفهم أزواجًا وأولادًا وأموالًا، وكان المشركون يضيقون عليهم الخناق بعد الهجرة، ويصادرون أموال من هاجر [انظر: ابن سعد، "الطبقات الكبرى"، باب ذكر هجرة المهاجرين إلى المدينة].
تُعد قصة هجرة السيدة أم سلمة بنت أبي أمية (هند بنت المغيرة المخزومية) - رضي الله عنها - نموذجًا صارخًا للانشقاق الأسري الذي أحدثته الهجرة في المجتمع المكي، وللألم النفسي الذي عانى منه المشركون والمسلمون على السواء.
كانت أم سلمة وزوجها سيدنا عبد الله بن عبد الأسد المخزومي - رضي الله عنه - من السابقين إلى الإسلام، وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الأولى ثم عادا إلى مكة، فلما أذن الله بالهجرة إلى المدينة، جهز زوجها راحلته وأراد الخروج بها وبابنها الصغير سلمة.
لكن حدث الانشقاق: اعترض أهلها (بنو مخزوم) ومنعوها من الخروج، قائلين: إنها ابنتنا ونحن أولى بها من زوجها، بينما اعترض أهل زوجها (بنو عبد الأسد) وأخذوا ابنها سلمة، قائلين: هو ابننا ونحن أولى به من أمه، يقول ابن سعد في الطبقات الكبرى: "فنازعها بنو مخزوم في نفسها، ونازعها بنو عبد الأسد في ولدها سلمة" [انظر: ابن سعد، "الطبقات الكبرى"، ترجمة أم سلمة - رضي الله عنها -].
فتركت أم سلمة مكة ممزقة القلب: زوجها يهاجر وحده، وولدها عند أهله، وهي محبوسة عند أهلها، بقيت على هذه الحال سنة كاملة، تبكي كل ليلة في فناء مكة، يراها المشركون من أهلها وغيرهم، يقول ابن سعد: "فكانت تخرج كل غداة فتجلس بالأبطح، فتبكي من الغداة إلى الليل حتى مضت سنة" [انظر: ابن سعد، "الطبقات الكبرى"، ترجمة أم سلمة].
هذا المشهد المؤثر كان مكشوفًا للمشركين في مكة، رأوا بأعينهم كيف أن الهجرة مزقت أسرة مخزومية عريقة، وجعلت امرأة من أشرافهم تبكي علنًا عامًا كاملًا، في هذه القصة عبرة عن الألم النفسي الذي أصاب الطرفين: أم سلمة تعذبت فراقًا، والمشركون من أهلها وأهل زوجها عاشوا صراعًا أخلاقيًا ونفسيًا؛ لأنهم اضطروا إلى منع ابنتهم أو حفيدهم من الهجرة.
ثم بعد سنة، رحم بها رجل من بني مخزوم وقال لهم: ألا تُخرِجون هذه الباكية؟ أطلقوا سراحها، فذهبت إلى زوجها في المدينة، ثم استعادت ابنها بعد مفاوضات، [انظر: ابن سعد، "الطبقات الكبرى"، ترجمة أم سلمة]، وهذه القصة أظهرت للمشركين أن الهجرة قضية كبرى تمزق الأسر، وأن الدين أصبح أقوى من الروابط القبلية.
كانت مكة قبل الهجرة إمبراطورية تجارية بفضل رحلتي الشتاء والصيف ومكانتها الدينية، لكن هجرة الأموال والعقول التجارية إلى يثرب أحدثت انهيارًا اقتصاديًا ومعنويًا. لم تكتفِ الدولة الناشئة في المدينة بذلك، بل شرعت في استهداف قوافل قريش بدءًا من سرية نخلة، حتى أصبحت كل قافلة قرشية مهددة. والأكثر إيلامًا لقريش أن الهجرة مزقت النسيج الأسري، كما في قصة السيدة أم سلمة التي منعها أهلها وزوجها من الهجرة بوليدها، فبقيت تبكي علنًا عامًا كاملًا، ليثبت أن الدين أصبح أقوى من القبيلة والمال معًا.
كانت الهجرة انتقالًا استراتيجيًا من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.
المدينة المنورة كانت ميدان رحمة تحوّل فيه الغرباء إلى إخوة.
الإيثار السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية.
دور المرأة في الهجرة النبوية مثالًا يُحتذى به في التاريخ الإسلامي.
كانت الأولى لحماية المستضعفين، والثانية لبناء دولة قوية مستقلة ذات تشريع وسيادة.