من
أعظم دروس الهجرة النبوية صناعة الأمل، فقد علمتنا الهجرة ثقة النبي ﷺ في
موعود الله، وأمله في المستقبل المشرق، وأمله بأن الفرج بعد الشدة، والعزة بعد
الذلة، وأن مع العسر يسرا، فكانت هجرته من مكة إلى المدينة فاتحة خير لعهد جديد،
فقد أنزل الله على قلبه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِی فَرَضَ عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَاۤدُّكَ إِلَىٰ مَعَادࣲۚ﴾ [القصص: ٨٥].
فقد خرج في جنح الليل والمشركون سيوفهم لامعة، ورماحهم مشرعة، وصفوف شبابهم متراصة لإراقة دمه الذكي، وقد سلب الله أسماعهم، وأغشى أبصارهم، فلم يمسسه سوء، ولم تصل إليه أيديهم، والله على كلى شيء قدير، فخرج الحبيب
المصطفى ﷺ مهاجرًا
غير خائف من الطلب، يسير متئدًا، ويمشي الهوينا، وهو يقرأ قول الله
تعالى: ﴿یسۤ ١ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِیمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ٣ عَلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ٤ تَنزِیلَ ٱلۡعَزِیزِ ٱلرَّحِیمِ ٥ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦ لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰۤ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ ٧ إِنَّا جَعَلۡنَا فِیۤ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلࣰا فَهِیَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨ وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ﴾ [يس: ١-٩]، وكان قد توسط صفوف الشباب فأخذ حفنة من
التراب ووضعها فوق رؤوسهم، ثم واصل السير إلى الغار وإلى الكهف الرباني والحصن الإلهي
فدخل في كنف الله وفي حفظ الله، ومعه صاحبه أبو بكر، وآواهم الله في ذلكم الغار أيامًا
معدودات.
وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمان
واقتفى القرشيون أثر رسول الله ﷺ حتى وقفوا على
باب الغار، فصرفهم الله، وأعمى أبصارهم، وردهم خائبين، وهنا يحدثنا أبو بكر الصديق
فيقول: والله لو أن أحدهم أصغى بأذنه نحو الغار لسمع ترديد نفَسي، ولو أن احدهم نظر
تحت قدميه لرآنا!
وما زال
هذا شأنه في الأمل والتفاؤل وهو يمضي نحو المدينة بثقة واطمئنان، فيلاحقه سراقة بن
جعشم ذلكم الفارس المغوار من بني مدلج، وكان كافرا أراد ان يحظى بتلك الجائزة التي
رصدتها قريش لمن يمسك برسول الله حيًّا أو ميتًا، فأراد سراقة أن يؤذي رسول الله ﷺ، فحدث
إعصار، ورأى دخانًا، وساخت أقدام فرسه في الرمال، ونجى الله تعالى نبيه الكريم من
أذى الكفار، وحال الله بينهم وبين ما أرادوا، فسقط سراقة من على فرسه، وأيقن أن
النبي ﷺ تحرسه العناية الإلهية، فلاذ به طالبًا منه
الأمان، وإذا بالحبيب الذي امتلأ قلبه ثقة وأملًا يقول لسراقة: «كَيفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ، إِذَا أَلْبَسَكَ اللَّهُ سِوَارَيْ كِسْرَى»، إنها صناعة الأمل نتعلمها من الهجرة المباركة، ومن هنا
نستوحي من تلك الدروس والعبر ما يضيء لنا الطريق.
وصدق الإمام البوصيري -رحمه الله- في تصوير ذلكم
الأمل والثقة التي تمتع بها الجناب النبوي، فيقول:
أقسمتُ
بالقمرِ المنشقِّ إنَّ لهُ *** مِنْ
قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ
ومَا
حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَرَمِ *** وكلُّ
طرفٍ من الكفارِ عنه عمي
فالصدقُ
في الغارِ والصديقُ لم يرِما *** وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ
ظَنُّوا
الحَمامَ وظَنُّوا العَنْكَبُوتَ على *** خيْرِ البَرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ
ولمْ تَحُمِ
وقايةُ
اللهِ أغنتْ عن مضاعفةٍ *** من
الدروعِ وعن عالٍ من الأطمِ
ما
سامني الدهرُ ضيمًا واستجرتُ بهِ *** إلاَّ
استلمتُ الندى من خيرِ مُستلمِ
فجدير بنا في ذكرى الهجرة
العظيمة أن نتذاكر سيرة نبينا، ونتأسى به ونحن في معركة العبور، ونواصل البناء
والتعمير الحضاري خلف قيادتنا الحكيمة، يحدونا الأمل، وتحوطنا الثقة والشجاعة.