Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قيم حضارية في الهجرة النبوية

الكاتب

د. أحمد فتحي حجازي

قيم حضارية في الهجرة النبوية

كلما انقضى عام وأقبل عام، وأشرقت شمس المحرم الحرام فتحنا كتاب الهجرة النبوية المباركة لنأخذ منه الدروس، ونستلهم منه العبر، وقلبنا صفحاته لنزداد إيمانًا بآياته، وقرأنا من سطوره ما يضيء لنا دروب حياتنا، وكلما تأملنا في صفحاته المشرقة تجلت علينا من الهجرة المباركة آيات بينات تهيئ لنا الأمل الباسم، وتمدنا بمدد روحي يجدد الإيمان في قلوبنا، وينفحنا بنفحاته التي ترشدنا إلى أسباب العزة والنجاح، وتهدينا إلى مواضع القوة والفلاح، وتعلمنا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا.

الصبر الطويل على تحمل المشاق

المتأمل في صفحات السيرة النبوية سيما هجرة المصطفى ﷺ يدرك بلا عناء أنها كانت مليئة بالألم والتضحية والعزيمة؛ حيث ترك المهاجرون ديارهم، فقد صبر النبي ﷺ صبرًا جميلًا، وتحمل المشاق من الجوع والعسر والضنك الشديد، حيث جهر ﷺ- بالدعوة، وأخذ يكافح من أجل الرسالة وأصحابه من حوله يؤمنون به، ويدافعون عن دعوته، فذابت أرواحهم، وذبلت أجسادهم في سبيل رسالته، وقد أحاط  بهم البلاء، وأخذهم الكرب، وصب المشركون عليهم جام غضبهم ، وهم صابرون محتسبون، وقد طال ليل كفاحهم، وامتد زمن امتحانهم، وضُربوا وجُلدوا، وحُوصروا حصارًا شديدًا، وعُذبوا بالنار والحديد، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، وما فروا من ميدان التضحية، وما لانوا، وقابلوا التعذيب بقلب سليم رحيب، واستقبلوا الآلام بنفوسٍ مليئةٍ بالآمال، واستعذبوا مفارقة أوطانهم وأولادهم في سبيل نصرة دينهم وعقيدتهم، وقد حبب الله إليهم الموت في سبيل دعوتهم، وهجرة الولد والوطن في سبيل رسالتهم، ولما علموا أن نجاح دينهم في مفارقة أوطانهم فارقوها، وأن ظهور دعوتهم ببذل أموالهم بذلوها، وأنَّ نشر رسالتهم يحتاج إلى وضع أرواحهم فوق أكفهم وضعوها، وأنَّ ثبات أمرهم متوقف على خلع أنفسهم من الدنيا خلعوها، وهم راضون مغتبطون، فنصرهم الله لصدق نواياهم وإخلاصهم مع نبيهم، وذلك لأن نبيهم ورسولهم وعدهم النصر المبين وظهور هذا الدين بقوله الكريم: «...وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [البخاري: ٣٦١٢].

وكم في الهجرة من تضحيات وتضحيات، كان للنبي ﷺ منها النصيب الأكبر فقد أوذي إيذاء شديدًا، وفارق أهله ووطنه، ولم يجد من يحميه أو يؤويه من كيدهم واضطهادهم، فقال قولته المشهورة التي وعاها الزمان والمكان: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» [التّرمذيّ: ٣٩٢٦]. 

​ولم يكن  آل بيته الشريف بمنأى عن أذى المشركين، فكم قدموا وبذلوا الغالي والنفيس من أجل دينهم، فقدَّم عليُّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- أغلى التضحيات في سبيل الله، فقد نام في فراش ابن عمه ﷺ في ليلة الهجرة وهو يعلم بأن سيوف المشركين تطارده، فقد أجمعوا أمرهم لاغتيال النبي ﷺ فلم يعبا بكل هذا، فكان الله معه بالحفظ والتأييد.

أما أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فقد بذل وقته وعمره وثروته، وجَنَّد نفسه وأهل بيته كلهم في سبيل نصرة دين الله تعالى، فكانت تضحياتهم في الهجرة عظيمة جد عظيمة، فقد ظل أربعة أشهر يهيئ ماله ويعلف راحلتيه، وترك زوجه وأبنائه من أجل مرافقة حبيبه ومصطفاه ﷺ في أعظم عمل ديني؛ وهو الفرار إلى الله تعالى، والهجرة في سبيله، وترك داره وأخذ كل ماله، وخاطر بين يدي رسول الله. ﷺ. فنال ثناء الله على نبيه وعليه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ثَانِیَ ٱثۡنَیۡنِ إِذۡ هُمَا فِی ٱلۡغَارِ إِذۡ یَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِینَتَهُۥ عَلَیۡهِ وَأَیَّدَهُۥ بِجُنُودࣲ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِیَ ٱلۡعُلۡیَاۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].

ومن تلك التضحيات أيضًا ما قدمه خباب بن الأرت-رضي الله عنه- في طريق الهجرة، فعذبه كفار قريش وآلموه إيلامًا شديدًا، فكان يُجلد حتى اختلط لحمه بجلده بدمه، وبلغ به الأمر مبلغًا كبيرًا، وبقي أثر التعذيب على ظهره حتى وفاته!

ومن ذلك أيضًا تضحيات صهيب الرومي -رضي الله عنه- فقد ترك ثروته حتى يفر بدينه، ويلحق بحبيبه بالمدينة المنورة، فقد أحاط به الكفار لما علموا بهجرته، وقالوا له: جئتنا صعلوكا وتخرج من بين أيدينا تاجرا ثريا؟! فقال: أريتم لئن أعطيتكم مالي أأنتم تاركي؟! قالوا: نعم، قال: فإنه في مكان كذا وكذا، فذهبوا عنه.. فاستقبله الحبيب المصطفى ﷺ وهو يقول: «بخٍ بخٍ ذاكَ مالٌ رابحٌ»، ونزل القرآن يزكي ما فعله صهيب وأمثاله من العظماء حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].

فما أشرف تلك التضحيات، وما أقوى عزائم هؤلاء الرجال، وما أحوج  شباب أمتنا الإسلامية في زماننا المعاصر في التأسي بهؤلاء الأعلام، فينجزوا الأعمال والمهام التي تساهم في بناء الحضارة، ويستعدوا للتضحية إذا اقتضى الأمر في سبيل أمتهم ووطنهم.

ومن رحم البلاء يولد العز، ومن جوف المحن تكون المنح الربانية، فإذا كان أهل مكة قد ضايقوه وعذبوه فقد أبدله الله بهم أهل المدينة، فاحتفوا بمقدمه، واحتضنوا دعوته، وإذا كان أهل الطائف قذفوه بالحجارة الدامية فقد استقبلته الملائكة بالقبلات الحانية.

الهجرة النبوية دروس في الإعداد والتخطيط

من الدروس العظيمة للهجرة النبوية التي تنبئ عن حكمة المصطفى ﷺ وتنظيمه الدقيق رغم مواجهته كثيرا من الصعاب والمشاق.

لقد سبق هذا الحدث العظيم إعداد وتخطيط محكم، وتضحيات جسام تحمّلها الرسول ﷺ وأتباعه من المسلمين في مكة؛ فقد وضع الخطوات الناجحة والخطط المحكمة لنجاح دعوة الإسلام، نلمح ذلك من توكله ﷺ على ربه في كل خطوات حياته، واختيار الأكفاء للقيام بدورهم المنشود في البناء الحضاري، وتوظيف الطاقات بينهم كل حسب طاقته، فوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فنراه يختار الصديق الوفي القادر على حفظ السر، فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو الجدير بتلك المهمة، لرصيده الهائل من المواقف التي تدل على أنه حقًّا من الكبار، فكان أهلًا لها وحفظ سر نبيه.

كما نلمح التخطيط الناجح للهجرة المباركة في إعداد العدة، ووضع الأدوار المختلفة لنجاح الهدف المنشود عبر الوسائل المشروعة، فيتجلى لنا ذلك في الدور الذي قامت به تلك الفتاتان العفيفتان عائشة وأسماء ابنتا أبي بكر-رضي الله عنه- فقد ضربا أروع الأمثلة للمرأة بإعداد الزاد وتموين الركب الميمون الذي سيأوي إلى غار ثور بسرية تامة وفي زمن قياسي، فجهزا الراحلة قبل الموعد بأربعة أشهر. تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها – وهي تفصح عن دورها وأختها أسماء: "فجهزناهما (أي: الراحلتان) أَحَثَّ الجَهاز (أسرعه. والجَهاز: ما يحتاج إليه في السفر)، وصنعنا لهما سُفرة (الزاد الذي يصنع للمسافر) في جِراب (وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه)، فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين" البخاري.

ومن حسن التخطيط أيضًا اختيار الشخص المناسب في الاطلاع على أخبار العدو، فكان عبد الله بن أبي بكر هو القائم بهذا الدور العظيم، فكان يتقصى أخبار كفار مكة بدقة وأمانة، ويُطلع النبي ﷺ وصاحبه بها في التوقيت المناسب وهو في غار ثور. كما كان لتكليف الراعي عامر بن فهيرة للقيام بدور التمويه على الأعداء ما يدل على حسن التخطيط، فقد كان يأتي بأغنامه حول طريق الغار، ليمحو آثار الأقدام المؤدية إليه. كما نلمح حسن التخطيط في اختيار الدليل الماهر بالطرق غير المألوفة وكان اختيار عبد الله بن أريقط دليلًا عارفًا بالطريق رغم أنه غير مسلم، فقد كان أمينًا متقنًا لعمله، فأطلعه النبي ﷺ على أخطر سر، يتوقف عليه نجاح أو فشل الدعوة الإسلامية لو قدّر الله وخان الأمانة وأفشى السر، ولذلك أرشد المصطفى ﷺ بمهارته إلى اتخاذ طريق غير الطريق المعهودة فنجا ومن معه، ووصل إلى المدينة بسلام.

صناعة الأمل

من أعظم دروس الهجرة النبوية صناعة الأمل، فقد علمتنا الهجرة ثقة النبي ﷺ في موعود الله، وأمله في المستقبل المشرق، وأمله بأن الفرج بعد الشدة، والعزة بعد الذلة، وأن مع العسر يسرا، فكانت هجرته من مكة إلى المدينة فاتحة خير لعهد جديد، فقد أنزل الله على قلبه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِی فَرَضَ عَلَیۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَاۤدُّكَ إِلَىٰ مَعَادࣲۚ﴾ [القصص: ٨٥].

فقد خرج في جنح الليل والمشركون سيوفهم لامعة، ورماحهم مشرعة، وصفوف شبابهم متراصة لإراقة دمه الذكي، وقد سلب الله أسماعهم، وأغشى أبصارهم، فلم يمسسه سوء، ولم تصل إليه أيديهم، والله على كلى شيء قدير، فخرج الحبيب المصطفى ﷺ مهاجرًا غير خائف من الطلب، يسير متئدًا، ويمشي الهوينا، وهو يقرأ قول الله تعالى: ﴿یسۤ ۝١ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِیمِ ۝٢ إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ ۝٣ عَلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ۝٤ تَنزِیلَ ٱلۡعَزِیزِ ٱلرَّحِیمِ ۝٥ لِتُنذِرَ قَوۡمࣰا مَّاۤ أُنذِرَ ءَابَاۤؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ۝٦ لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰۤ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ ۝٧ إِنَّا جَعَلۡنَا فِیۤ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلࣰا فَهِیَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ۝٨ وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ سَدࣰّا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدࣰّا فَأَغۡشَیۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا یُبۡصِرُونَ﴾ [يس: ١-٩]، وكان قد توسط صفوف الشباب فأخذ حفنة من التراب ووضعها فوق رؤوسهم، ثم واصل السير إلى الغار وإلى الكهف الرباني والحصن الإلهي فدخل في كنف الله وفي حفظ الله، ومعه صاحبه أبو بكر، وآواهم الله في ذلكم الغار أيامًا معدودات.

وإذا العناية لاحظتك عيونها *** نم فالمخاوف كلهن أمان

واقتفى القرشيون أثر رسول الله ﷺ حتى وقفوا على باب الغار، فصرفهم الله، وأعمى أبصارهم، وردهم خائبين، وهنا يحدثنا أبو بكر الصديق فيقول: والله لو أن أحدهم أصغى بأذنه نحو الغار لسمع ترديد نفَسي، ولو أن احدهم نظر تحت قدميه لرآنا!

وما زال هذا شأنه في الأمل والتفاؤل وهو يمضي نحو المدينة بثقة واطمئنان، فيلاحقه سراقة بن جعشم ذلكم الفارس المغوار من بني مدلج، وكان كافرا أراد ان يحظى بتلك الجائزة التي رصدتها قريش لمن يمسك برسول الله حيًّا أو ميتًا، فأراد سراقة أن يؤذي رسول الله ﷺ، فحدث إعصار، ورأى دخانًا، وساخت أقدام فرسه في الرمال، ونجى الله تعالى نبيه الكريم من أذى الكفار، وحال الله بينهم وبين ما أرادوا، فسقط سراقة من على فرسه، وأيقن أن النبي ﷺ تحرسه العناية الإلهية، فلاذ به طالبًا منه الأمان، وإذا بالحبيب الذي امتلأ قلبه ثقة وأملًا يقول لسراقة: «كَيفَ بِكَ يَا سُرَاقَةُ، إِذَا أَلْبَسَكَ اللَّهُ سِوَارَيْ كِسْرَى»، إنها صناعة الأمل نتعلمها من الهجرة المباركة، ومن هنا نستوحي من تلك الدروس والعبر ما يضيء لنا الطريق.

وصدق الإمام البوصيري -رحمه الله- في تصوير ذلكم الأمل والثقة التي تمتع بها الجناب النبوي، فيقول:

أقسمتُ بالقمرِ المنشقِّ إنَّ لهُ  ***  مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ

ومَا حَوَى الغارُ مِنْ خَيْرٍ ومَنْ كَرَمِ  ***  وكلُّ طرفٍ من الكفارِ عنه عمي

فالصدقُ في الغارِ والصديقُ لم يرِما  ***  وَهُمْ يقولونَ ما بالغارِ مِنْ أَرمِ

ظَنُّوا الحَمامَ وظَنُّوا العَنْكَبُوتَ على  ***  خيْرِ البَرِيَّةِ لَمْ تَنْسُجْ ولمْ تَحُمِ

وقايةُ اللهِ أغنتْ عن مضاعفةٍ  ***  من الدروعِ وعن عالٍ من الأطمِ

ما سامني الدهرُ ضيمًا واستجرتُ بهِ  ***  إلاَّ استلمتُ الندى من خيرِ مُستلمِ

فجدير بنا في ذكرى الهجرة العظيمة أن نتذاكر سيرة نبينا، ونتأسى به ونحن في معركة العبور، ونواصل البناء والتعمير الحضاري خلف قيادتنا الحكيمة، يحدونا الأمل، وتحوطنا الثقة والشجاعة.

الاتحاد والائتلاف

من أغلى وأعلى دروس الهجرة النبوية المباركة ما يدلنا على فطنة الرسول ﷺ وحكمته، وحسن توجيهه وقيادته، ذلك هو درس الاتحاد والائتلاف، ووحدة الصفوف، وجمع الكلمة، فإن الرسول ﷺ حين هاجر إلى المدينة وجد أهلها شيعًا متفرقين، أحزابًا مختلفين، آراء متنابذين متحاقدين. فلم يرد أن يؤسس دولته على هذه الأحقاد، ولم يرد أن يقيم ملته على هذا التفرق؛ لأن الخلاف يذهب بكل نجاح، والفرقة تودي بكل إصلاح، ولن تقوم لأمةٍ قائمة والبغضاء ترعى قلوبها، فلذلك كان أول عمله ﷺ أولًا أن وحّد بين صفوفهم، وألّف بين قلوبهم، وجمع كلمتهم على سواء، وطهّر صدورهم من الشحناء والبغضاء، ثم أسس دعوته، وبنى أمته، ورفع لواءها، وأخرج للناس خير أمة أخرجت للناس. فمدحهم الله بقوله: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].

ومن هنا نرى الهجرة تجسد أسمى مواقف لم الشمل وجمع الشتات، واجتمع أبناء المجتمع في المدينة في بوتقة واحدة. فيا ليت المسلمين في وقتنا الحاضر يتأسون بنبيهم ﷺ وصحابته الكرام -رضي الله عنهم-، ويتحلوا بشعار الهجرة، ويأخذوا منها العبر والدروس فيصبروا ويتحدوا حتى تنهض البلاد، وتسير إلى طريق الرشاد.

الخلاصة

مع إشراقة كل عام هجري جديد، نعود بقلوبنا إلى صفحات الهجرة النبوية لنتأمل معانيها العظيمة، فنجد فيها نورًا يهدينا، وعبرًا توقظ أرواحنا، وأملًا يتجدد، يعلمنا الصبر في الشدة، والثبات عند المحن، ويؤكد لنا أن مع كل عسر يُولد اليسر، وأن النصر يولد من رحم المعاناة، فتبقى الهجرة نبراسًا يهدي كل من سار على درب الإيمان والعزيمة.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل

لا تقتصر الهجرة النبوية على بعدها الديني والروحي، بل لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة

الهجرة النبوية ليست فقط انتقالًا جغرافيًّا بل كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ

 الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية

موضوعات مختارة