Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عام جديد بآمال جديدة

عام جديد بآمال جديدة

تمثل الهجرة النبوية نموذجًا عظيمًا للتخطيط والإعداد والاعتماد على الله دون تواكل، تبعث في نفس كل مسلم في بداية كل عام تفاؤلًا لا ينقطع مهما اشتدت الأزمات، ورحمةً واسعة تشمل المذنبين والتائبين، ويقينًا راسخًا بأن الله معنا، فلا حزن يدوم ولا شدة تبقى، فالحزن واليأس مرفوضان في القرآن الكريم، والمؤمن مأمور بالثقة والصبر والرجاء، فمن علّق قلبه بالله نجا، كما نجا الأنبياء في أحلك الظروف؛ فالفرج أقرب مما نتصور؛ لذا علينا أن نبدأ بخطوة صادقة نحو نور الله ورحمته.

عام جديد بآمال جديدة

تفاءلوا بالخيرات تجدوها، واستبشروا بأنَّ القادم أفضل، وانطلقوا بروحٍ جديدة، روح التحدي واليقين، وتلك سمة المعصوم صلى الله عليه وسلم، فنظرة سريعة في سيرته تبعث الأمل في نفوس الحيارى، رغم المحن والنكبات، فكلما استحكمت حلقاتها ازداد - صلى الله عليه وسلم - تفاؤلًا وتشوقًا للنصر والتمكين، وكان - صلى الله عليه وسلم - يغضب عند غياب ثقافة التفاؤل في وقت اشتداد الأزمات؛ فعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُم» [رواه مسلم].

وعَنْ سيدنا خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ - رضي الله عنه - قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [رواه البخاري].

وعَن سيدنا ابْن مَسْعُود - رضي الله عنه - قَالَ: "لَو كَانَ الْعسر فِي جُحر ضَب لتَبعه الْيُسْر حَتَّى يَسْتَخْرِجهُ، لن يغلب عسرٌ يسرين" [رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق].

وعَنِ سيدنا ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَا غُلامُ ...، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» [مسند أحمد].

فثق في الله تعالى، وارفع يديك للسماء وأنت على أعتاب عام هجري جديد، وكن على يقين أنه لن يخذلك قال تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [المنافقون: ٧].

وعَنْ سيدنا سَلْمَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» [رواه أبو داود].

بداية أمل للعاصين والمذنبين

كلنا أصحاب معصية وذنوب ونسأل الله أن يسترنا بستره الجميل، فمهما ثقلت معاصيك وكثرت خطاياك، ناج ربك ومولاك، واعلم أن الله تعالى ينادي عباده بنداء الرحمة والمغفرة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، يا لها من آية عظيمة تفتح أبواب الأمل على مصاريعها! مهما بلغت الذنوب، ومهما تعثرت الخطى، فإن العودة إلى الله ممكنة، والتوبة مقبولة، والمستقبل يمكن أن يكون مشرقًا بإذن الله لمن صدق في توبته وعزيمته.

ورسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة (التشاؤم)؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: «لا طِيَرَةَ، وخَيْرُها الفَأْلُ»، قالوا: وما الفَأْلُ يا رسول الله؟ قال: «الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُها أحَدُكُم» [متفق عليه]، فلنستقبل عامنا الجديد بكلمة صالحة، بنية صادقة، بتفاؤل يملأ القلوب، وبحسن ظن برب الأرباب الذي بيده مقاليد كل شيء.

يقول الشاعر متفائلاً:

ضاقتْ فلما استحكمتْ حلقاتها * * * فُرِجت وكنت أظنها لا تفرج

فلنجعل من هذا العام بداية حقيقية للتغيير نحو الأفضل، في علاقتنا مع الله، ومع أنفسنا، ومع الآخرين؛ لنجعله عامًا مليئًا بالطاعات والقربات، عامًا تسوده المحبة والألفة، عامًا نحقق فيه أهدافنا ونصلح فيه أحوالنا.

وعن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:«يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي؛ يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي؛ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» [رواه أحمد والترمذي بسند حسن].

لا تحزن إن الله معنا

قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].

وعن أبي بَكْرٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا، قَالَ: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [متفق عليه].

- قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ كلمات قليلة، لكنها بحر من المعاني الإيمانية والدروس العملية؛ دواء لكل مهموم، وملجأ لكل خائف، وطوق نجاة لكل تائه، فمن كان الله معه، فمن عليه؟.

- ثبّت قلبك بذكر الله في أوقات الأزمات؛ واجعل ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وردًا يوميًا تردده عند القلق والضيق.

- درّب نفسك على تذكُّر الله قبل أن تستسلم للتوتر أو الحزن، وكن سبب طمأنينة لأسرتك وأولادك وطلابك.

- لا تركز على المشكلة فقط، بل ابحث عن الحكمة والفرصة.

- علّم أبناءك وأهلك أن ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ليست مجرد عبارة بل يقين عملي: لا تسرق، لأن الله معك.

- لا تكذب، لأن الله معك/ لا تيأس، لأن الله معك.

- اجعلها شعارًا لك ولأبنائك، تذكيرًا دائمًا باليقين في أحلك اللحظات.

- في كل ضيق جديد.. راجع لحظة "الغار": فهل مشكلتك اليوم أصعب من أن تكون مطاردًا في الصحراء بلا نصير بشري؟ إن نجا النبي - صلى الله عليه وسلم - بيقينه، فليقينك نصيب من نجاتك.

لا تيْأسَنْ عندَ الـنُّـوَبْ * * * منْ فرْجَةٍ تجلو الكُرَبْ

فلكَمْ سَمـومٍ هـبّ ثـ * * * مّ جرَى نسيمًا وانقَلَـبْ

وسَحابِ مكْـروهٍ تـنـ * * * شّا فاضْمَحَلّ وما سكَبْ

ودُخانِ خطْبٍ خِيفَ منْ * * * هُ فما استَبانَ لهُ لهَـبْ

ولَطالَما طلَعَ الأسـى * * * وعلى تَفيئَتِـه غـرَبْ

فاصْبِرْ إذا ما نابَ روْ * * * عٌ فالزّمانُ أبو العجَبْ

وترَجّ مـنْ رَوْحِ الإلـ * * * ـهِ لَطائِفاً لا تُحْتَـسَـبْ 

[مقامات الحريري]

الأمل لا بد أن يصحبه عمل واجتهاد

لقد جاءت الهجرة لتلفت أنظارنا إلى شيء من كمال الجناب النبوي، حيث يعلمنا أن التخطيط الجيِّد، وحُسْن توظيف الطاقات المتاحة، يؤدي دَوْرَه في تحقيق النجاح والفلاح؛ فالهجرة لم تكن قراراً اتخذه النَّبي صلى الله عليه وسلم ونفذه في الحال، بل كان قرارًا مدروسًا، تم الإعداد له ثمَّ جاءت مرحلة التنفيذ المناسبة.

ولله در شوقي حيث يقول:

كُن نَشيطاً عامِلًا جَمَّ الأَمَل * * * إِنَّما الصِحَّةُ وَالرِزقُ العَمَل

تِلكَ آثارُ بَني مِصرَ الأُوَل * * * أَتقَنوا الصَنعَةَ حَتّى في الجُعَل

وينبغي أن يسبق التخطيط وضوح الغاية والهدف، وأن يقف المرء مع نفسه وقفة صادقة، يتعرف على الغايات السامية التي ينبغي أن ينفق فيها الحياة الغالية، ثم لينظر من أي الأبواب يلج إليها؟، ومن يمكن أن يتعاون معه من أجل هدفه المنشود؟!

ثم تأتي العزيمة التي تدفع وتقوي نحو الأمام قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال عبد الله بن الزُّبير- رضي الله عنهما: «من جاء يطلُبُ ما عند الله فإن طالبَ الله لا يخيبُ، فصدِّقُوا قولَكم بفعلٍ؛ فإن مِلاكَ القول الفِعلُ» [رواه الطبراني في "المعجم الكبير].

ولا تترك حياته تسير بعشوائية دون النظر في عواقب الأمور، واستعن على ذلك بكتمان أمرك حتى يحقق الله مطلبك؛ فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ» [رواه الطبراني في الثلاثة].

نهي القرآن عن الحزن

جَاءَ الحُزْنُ فِي القُرْآنِ الْكَرِيمِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَمَنْفِيًّا، يَقُولُ رَبُّنا سُبْحَانَه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨]، وَيَقولُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي نَفْيِ الحُزْنِ عَنْ أَهْلِ الإِيمَانِ وَالإِصْلَاِح: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]، وَأَخْبَرَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَحْمَدُونَه عَلَى نِعْمَةِ إِذهَابِ الحَزَنِ عَنْهُمْ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤].

اليأس والحزن من الشيطان

إن أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَى الشَّيْطَانِ أَنْ يُحْزِنَ الإِنْسَانَ لِيَقْطَعَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى رَبِّهِ سبحانه، وَيَحُولَ بَينَهُ وَبَيْنَ أَدَاءِ مَهَامهِ وَالْقِيَامِ بِرسالَتِه الَّتِي خَلقَه اللهُ لِأَجْلِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠].

وقد اسْتَعَاذَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الحُزْنِ؛ حَيْثُ قَال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَن» [صحيح البخاري].

فكَيْفَ يَحْزَنُ المؤمِنُ وَهُوَ يُوقِنُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، قَالَ نَبِيُّنَا - صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «عَجَبًا لأمْرِ الْـمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْرًا لَه» [صحيح مسلم].

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي " [رواه أبوداود].

بل إن الأمل لم ينقطع عن أهل النار رغم عذابهم وما حل بهم فتراهم يأملون في الخروج منها فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، فتم الرد عليهم بقوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ﴾، وتراهم يأملون ثانية فقالوا لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فتم الرد عليهم بقوله تعالى: ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] وتراهم يأملون ثالثة فقالوا لأصحاب الجنة: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فتم الرد عليهم: ﴿إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الكَافِرِينَ﴾ وتراهم يأملون رابعة فنادوا على مالك خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فتم الرد عليهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾؛ فلا بُد من مقاومة اليأس مهما بلغ الغم طالما أن لنا الله تكفل بكشف الضر عمن علق آماله عليه.

لِمَاذَا لَا نَحْزَن .. لِأَنَّ اللهَ مَعَنَا

وهي مَعِيَّةُ نَصْرٍ وَتَأْيِيدٍ، وَعِنَايَةٍ وَحِفْظٍ، وَمَحَبَّةٍ وَتَوْفِيقٍ، وَتَسدِيدٍ وَإِلْهامٍ، مَعِيَّةٌ هي تِرْيَاقُ المَهْمُومِ، وَسَلْوَةُ المَحْزُونِ، وَأُنْسُ الحَائِرِ، وَأَمَانُ الخَائِفِ، وَالعُدَّةُ فِي كُلِّ شِدَّةٍ، وَالحِصْنُ مِنْ سِهَامِ البَوَائِقِ وَالشُّرُورِ وَالآفَاتِ، (إِنَّ اللهَ مَعَنَا) فِي جَمِيعِ أَحْوَالِنَا، في السَّرَّاءِ وَالضَّرِّاءِ، فِي الشَّدَائِدِ وَالمِحَنِ، فِي الخُطُوبِ وَالكُرُبَاتِ.

ومَا أَجْملَ أن نُحَصِّلَ أَسْبَابَ المَعِيَّةِ، وَنَطْرُقَ أَبْوَابَهَا، فَاللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) أَخْبَرَنَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَكُونُ مَعَ عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ، المُتَّقِينَ، المُحْسِنِينَ، الصَّابِرِينَ، الذَّاكِرِينَ، تَحُوطُهُمْ عِنَايَتُهُ، وَيَحُفُّهُمْ بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ، يَأْخُذُ بِأَيْدِيهِمْ إِذَا كَبَوْا، وَيُعِينُهُم إِذَا احتَاجُوا، وَيَلْطُفُ بِهِمْ إِذَا خَافُوا، يَقُولُ رَبُّنَا (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩]، وَيَقُولُ - جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، وَيَقُولُ تعالى فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» [صحيح البخاري].

إِيمَانُ الإِنسَانِ بِمَعِيَّةِ اللهِ تعالى وَالقِيَامُ بِحَقِّ هَذِهِ المَعِيَّةِ مِنَ الْتِزَامِ الأَدَبِ- الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُ السَّيْرِ إِلَى اللهِ تَعَالَى- يَبْعَثُ الطُّمَأْنِينَةَ وَالأَمَانَ فِي القَلْبِ، وَالسَّكِينَةَ فِي النَّفْسِ، فَإِنَّ رَبَّ العَالَمِينَ لَطِيفٌ بِخَلْقِهِ، قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعَاه، وَمَنْ يَأْوي إِلَى رَبِّهِ فَإِنَّمَا يَأْوِي إِلَى مَلِكِ المُلُوكِ وَمُدَبِّرِ الأَمْرِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَلَا خَوْفَ وَلَا حُزْنَ وَلَا يَأْسَ فِي رِحَابِ مَعِيَّةِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَللهِ دَرُّ القَائِلِ:

أَعْطِ المَعِيَّةَ حَقَّهَا * * * وَالْزَمْ لَهَا حُسْنَ الأَدَبْ

وَاعْلمْ بِأَنَّكَ عَبْدُهُ * * * فِي كُلِّ حَالٍ وَهوَ رَبْ

نماذج لمن علقوا بالله آمالهم في أصعب اللحظات فجاءهم الفرج

وإليك أمثلة ممن علقوا آمالهم بربهم فتحققت في أحلك المواقف، فمريم عليها السلام عندما أظلمت الدنيا في عينيها ولم تجد ملجئًا من الله إلا إليه قالت: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]، فكان الغوث في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾.

وإبراهيم عليه السلام عندما ألقي في النار تأمل في ربه فكانت النجاة من عند الله: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾ [الأنبياء: ٦٩].

ويونس عليه السلام لما التقمه الحوت لجأ إلى الله واستمسك بحبله كانت الرحمة والنجاة: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨].

وكانت عناية الله ورعايته لموسى وهارون عليهما السلام حينما بعثا لفرعون قال تعالى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، ثم تجلت تلك العناية في أحلك الظروف، وأشد الأوقات حينما تبعه فرعون وجنده، فامتلك الخوف نفوس بني إسرائيل، واستحوذ على قلوبهم، فرد موسى عليهم ردًّا ينبئ عن قوة إيمانه، وثبات يقينه، وثقته التي لا حدود لها في نصر الله له رغم قلة العدد والعتاد فقال تعالى:﴿​كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينَ﴾ [الشعراء: ٦٢].

يوم عاشوراء

ذلك اليوم الذي أنجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه؛ ولذا ورد استحباب صيامه؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَرَ بِصِيَامِ» [متفق عليه].

ومن حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَه» [رواه مسلم].

قال العلامة الدكتور موسى شاهين لاشين: «كان اليوم العاشر من شهر المحرم من أيام الله التي أفاض الله فيها على أوليائه من فيوضاته، فنجى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده، ومن واجب المؤمن أن يشكر الله على نعمائه، وخير ما يشكر به الصوم، لذا صامه موسى عليه السلام شكراً لله، وصامه اليهود من بعده، وصامته قريش، وصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم بالمدينة، لقد رأى اليهود يصومونه فسألهم عن سر صومهم له، فوجده حسناً، فأمر أصحابه بصيامه وقال لهم: نحن أحق وأولى بموسى من اليهود، فصوموه، ولم يكن فرض على المسلمين صيام قبل، ولم يمض أشهر على صيامهم يوم عاشوراء حتى فرض الله عليهم صوم شهر رمضان، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: "يوم عاشوراء من أيام الله المفضلة، لم يكتب ولم يفرض الله عليكم صيامه، فمن شاء أن يصومه تطوعاً فليصمه، وأنا صائم"، وكان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب في الطاعات التي لم يؤمر فيها بشيء، استئلافاً لقلوبهم من جهة، واعتماداً على أن عبادتهم تستند إلى الوحي غالباً من جهة، حتى فتح الله مكة، وأتم الله النعمة، وأكمل دينه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب، فقال في عامه الأخير: "لئن عشت إلى العام القابل لأصومن التاسع والعاشر" ولكنه صلى الله عليه وسلم لحق بالرفيق الأعلى» [فتح المنعم شرح صحيح مسلم، (٤/ ٥٨٨)].

الخلاصة

الهجرة النبوية تجسد معاني التخطيط المحكم مع التوكل على الله، فهي رسالة متجددة لكل مسلم في بداية كل عام هجري بأن التفاؤل لا ينقطع مهما اشتدت الأزمات، وهي رحمة واسعة تفتح باب الأمل للتائبين والمذنبين، وتغرس يقينًا بأن الله معنا فلا حزن يدوم ولا شدة تبقى، وقد جاء منهج القرآن رافضًا للحزن واليأس، ومؤكدًا على الثقة بالله والصبر والرجاء؛ فالهجرة تبعث في النفس طمأنينةً بأن الفرج قريب، وأن التمسك بالله طريق النجاة كما كان للأنبياء في أصعب الظروف، لتصبح دعوة عملية لبدء خطوة صادقة نحو نور الله ورحمته.

موضوعات ذات صلة

كانت الهجرة انتقالًا استراتيجيًا من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء الدولة والمجتمع.

تزخر الهجرة بالعديد من الدروس النفسية التي تمثل علاجًا ناجعًا لكثير من الأزمات والضغوط.

مثّلت الهجرة النبوية عام (٦٢٢م) انتقالًا تاريخيًّا من الدعوة إلى بناء الدولة.

كانت الهجرة نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ.

تحوّلت المدينة بعد الهجرة إلى مركز اقتصادي مزدهر.

موضوعات مختارة