Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اليوم العالمي للغرق.. أدوات التكافل الإسلامي في مواجهة كوارث الغرق

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

اليوم العالمي للغرق.. أدوات التكافل الإسلامي في مواجهة كوارث الغرق

تؤكد الشريعة الإسلامية أن حفظ النفس الإنسانية مقصدٌ عظيم، وأن الوقاية من الغرق والإهمال المؤدي إليه مسؤولية شرعية ومجتمعية.

وتفرض الأرقام الصادمة للوفيات الناجمة عن الغرق ضرورةَ توحيد الجهود الدولية والمجتمعية لتعزيز الوقاية وحماية الأرواح.

الغرق في الميزان الشرعي

لقد رحم الإسلام من مات غرقًا، وأخذ بعين الاعتبار والرحمة والتعزية حسرة الأهل وفجيعة الفقد، فجعل للغريق منزلة رفيعة في الآخرة لا تقل شأنًا عن منزلة المجاهد الذي قُتل في سبيل الله، وهي منزلة الشهداء.

ففي الحديث الصحيح والمشهور الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [سنن النسائي رقم ٧٤٨٦].

وفي رواية أخرى عند جابر بن عَتيك - رضي الله عنه -، يرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رتبة الغريق فيقول: «وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ» [سنن النسائي رقم ٧٤٨٧].

والعلماء قد فسروا هذه المنزلة بأن شدة ألم الموت، وعظم الكرب الذي يمر به الغريق وهو يصارع أمواج المياه دون مغيث، جعلت الحق - سبحانه وتعالى - يتفضل عليه بأجر الشهادة في الآخرة، فيُغسَّل ويُصلَّى عليه في الدنيا، وله في الآخرة ثواب الشهيد.

ورغم هذا الوعد الرباني الكريم بنيل الشهادة الأُخروية، إلا أن الشريعة الإسلامية بمرونتها وعمقها لم تدعُ المسلمين أبدًا إلى الاستسلام لهذا الخطر، أو اعتباره قَدَرًا يُسعى إليه.

إن القواعد الفقهية تمنع منعًا باتًّا ترك أسباب النجاة اتكالًا على نيل ثواب الآخرة؛ فالشهادة منحة إلهية تقع بعد وقوع القَدَر نافذًا دون تفريط، وليست مبررًا لترك الوقاية أو اقتحام المخاطر.

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واضعًا دستورًا عامًّا للسلامة: ﴿وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [البقرة: ١٩٥]

والإلقاء بالنفس إلى التهلكة يشمل في ذاته كل فعل أو ترك يؤدِّي بالإنسان إلى الهلاك المحقق أو المظنون،

فالنزول إلى البحار الهائجة، أو ركوب سفن متهالكة، أو ترك البرك المائية مكشوفة أمام الأطفال، هو تطبيق عملي للإلقاء بالنفس إلى التهلكة التي نهى الله عنها.

فالأخذ بالأسباب في هذه الأحوال واجب شرعي، والتوكل على الله لا يصح إلا بعد عقل الناقة وثوقًا برعايتها.

الرؤية الإسلامية لتدابير الوقاية العالمية

المتأمل للحلول الستة المجرّبة التي طرحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية في "اليوم العالمي للوقاية من الغرق" (الموافق ٢٥ تموز/يوليو من كل عام)، والتي تتضمن:

  1. تركيب حواجز للتحكم في الوصول إلى الأسطح المائية.
  2. توفير أماكن آمنة بعيدًا عن المياه للأطفال قبل سن المدرسة، كالحضانات المزودة برعاية قديرة للأطفال.
  3. تعليم مهارات السباحة والسلامة في المياه ومهارات الإنقاذ الآمنة.
  4. تدريب المارة على مهارات الإنقاذ والإنعاش الآمنة.
  5. وضع وإنفاذ لوائح الإبحار الآمن للقوارب وسفن الركاب والشحن.
  6. تحسين إدارة مخاطر السيول.

يجد أن الفقه الإسلامي قد سبَق وبنى لها أصولًا تشريعية وقواعد كلية راسخة، حيث لم يترك الإسلام أمر حماية الأرواح للظروف، بل وضع لها قواعد ومن هذه القواعد على سبيل المثال: "لا ضرر ولا ضرار" وقاعدة: "سد الذرائع" (أي إغلاق الطرق المؤدية إلى المفاسد)، وقاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

أما تأصيل هذه التدابير العالمية من منظور إسلامي فيشتمل عليها عبر المحاور التالية:

  • تعليم السباحة كفريضة مجتمعية

فبناء جيل قادر على التعامل مع البيئة المائية يمثل خط الدفاع الأول والأساسي ضد الغرق.

ومن المنظور الإسلامي السباحة ليست مجرد رياضة ترفيهية، بل هي مهارة حياتية ووسيلة؛ لحفظ النفس وبناء القوة البدنية.

وقد تجلَّى هذا الوعي مبكرًا في صدر الإسلام؛ حيث رُوي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كتب إلى الولاة في الأمصار توجيهًا رسميًّا قائلًا فيه: "عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَمُرُوهُمْ فَلْيَثِبُوا عَلَى الخَيْلِ وَثْبًا". [ورد في كنز العمال (٤/ ٤٦٧) عن مكحول أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل الشام أن ‌علموا ‌أولادكم ‌السباحة والرمي والفروسية.]

يوضح هذا الأمر العمري أن إتقان السباحة جزء هام من إعداد الفرد؛ لمواجهة طوارئ الحياة.

وإذا كان التدريب على السباحة في العصر الحالي يتطلب إمكانات ومناهج مخصصة، فإن توفير هذه الوسائل يندرج تحت قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ فما دام حفظ أرواح الناشئة من الغرق واجبًا، وتدريبهم على السباحة هو الوسيلة لذلك، فإن توفير هذا التدريب يصبح واجبًا على المجتمع والدولة.

  • المسؤولية المشتركة

وتُشير التقارير الدولية إلى أن الأطفال في سن ما قبل المدرسة هم الفئة الأكثر تضررًا وعُرضة للغرق العرضي، وغالبًا ما يحدث ذلك في محيط المنزل أو في قنوات الري المكشوفة.

وتبرز المسؤولية المباشرة للآباء والمجتمعات من خلال تركيب الحواجز الأمنية وإتاحة أماكن مأمونة بعيدة عن المياه.

وهذا الإجراء الوقائي يتماشى تمامًا مع التوجيه النبوي الشريف الذي يرسخ مبدأ المسؤولية المجتمعية والتضامنية، حيث يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [صحيح البخاري رقم ٤٩٠٤]

فحماية الطفل الصغير، الذي لا يملك تمييزًا ولا إدراكًا للمخاطر، من السقوط في بئر أو حوض مياه، هي في صلب هذه الرعاية الواجبة.

فالإهمال في إغلاق هذه المنافذ أو ترك الأطفال دون رقابة يُعد تضييعًا للأمانة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [واه الإمام أحمد ٢/ ١٦٠، ومسلم (٩٩٦) من حديث عبد اللَّه بن عمرو. ولفظ مسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ»]..

  • إغاثة اللهفان والتدريب على الإنقاذ

من أعظم القربات وأشرف الأعمال في الإسلام إغاثة الملهوف وإنقاذ المشرف على الهلاك.

والمارة الذين يصادفون حالات الغرق هم خط الإنقاذ الزمني الأخير، وتدريبهم على الإنعاش الرئوي والإنقاذ المأمون يُسهم في تقليل الوفيات بشكل حاسم.

وقد عظم الحق - سبحانه وتعالى - من قيمة هذا العمل الإنساني، فقد جعل إنقاذ نفس واحدة مساويًا في الأجر والثواب لإحياء البشرية جمعاء، حيث قال جل شأنه في سورة المائدة: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] وقد فسّر المفسرون "إحياءها" بأنها إنقاذها من غرق أو حرق أو هلكة. [الطبري ج١٠ ص ٢٣٨]

فالمجتمع الذي ينتشر فيه الوعي بالإسعافات الأولية هو مجتمع يطبق جوهر الآية الكريمة، ويتحرك بروح الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

  • السياسة الشرعية والقوانين الحازمة لقوارب الشحن والعبَّارات

إن وضع اللوائح المنظمة لحركة الملاحة، والقوارب، والعبّارات، وفرض تلك اللوائح بقوة القانون الحازم، هو من صميم "السياسة الشرعية" الواجبة على ولي الأمر (الدولة والجهات التنفيذية).

فولي الأمر منوط به تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وتصرفه على الرعية منوط بالمصلحة.

إن السماح بإبحار وسائل نقل متهالكة، أو السماح بحمولات زائدة تفوق الطاقة الاستيعابية للقوارب طلبًا للربح السريع، أو إغفال توفير سُتر النجاة على متن السفن، يُعد تفريطًا جسيمًا وخيانة للأمانة العامة.

فالقوانين الحازمة التي تفرض الصيانة الدورية وتمنع المخالفين ليست مجرد إجراءات بيروقراطية، بل هي تشريعات حامية للأرواح، والالتزام بها فرض طاعة، ومخالفتها معصية توجب العقاب الدنيوي والمحاسبة الأخروية الشديدة بتهمة التسبب في القتل الخطأ أو شبه العمد عند وقوع الكارثة.

أزمة البلدان النامية

لا يمكننا قراءة مشكلة الغرق بمعزل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي يحيط بها.

فحين تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من ٩٠% من الوفيات تحدث في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، فإن ذلك يضعنا أمام حقيقة واضحة وهي أن الفقر هو الوقود الشرِس لهذه الأزمة المتفاقمة.

حيث تتميز البلدان المرتفعة الدخل بنسبة وفيات عالمية منخفضة تقل عن ١٠% بفضل القنوات المغطاة، والشواطئ المجهزة بحراس مدربين، والحواجز الآمنة.

وفي المقابل، البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تعاني من بنية تحتية متهالكة متمثلة في قنوات ري مكشوفة، وبرك عشوائية، وغياب تام للحواجز حول التجمعات المائية الخطرة.

وعلى مستوى النقل البحري، تعتمد الدول المتقدمة على عبَّارات حديثة خاضعة لرقابة صارمة وصيانة دورية، بينما تعتمد الدول النامية على قوارب خشبية متهالكة ذات حمولات زائدة وتفتقر لأبسط وسائل السلامة مثل سترات النجاة.

تدرج الدول المتقدمة مناهج السباحة إجباريًا، في حين تفتقر الدول النامية للتوعية وتأهيل المسعفين. ويواجه الصيادون والمزارعون والأطفال في المجتمعات النامية خطر الغرق كجزء مستمر من روتينهم اليومي حيث يضطر السكان هناك للتعامل المباشر مع المياه في معايشهم، كعبور الطلاب الأنهار للوصول إلى مدارسهم. 

كما تساهم التغيرات المناخية وغياب التخطيط العمراني في تحويل الفيضانات الموسمية لكوارث سنوية مدمرة.

وهنا تبرز قيم التكافل الاجتماعي، والزكاة، والوقف الإسلامي، كأدوات وحلول عملية لمواجهة هذه المخاطر المائية. 

كما يمكن توجيه الصدقات والأوقاف لحفر آبار آمنة، وبناء جسور للطلاب، وتوفير قوارب نجاة للصيادين الفقراء. 

وهكذا يتسع مفهوم العبادة في الإسلام؛ ليشمل كل عمل تنموي ينقذ البشرية من الهلاك ويضمن لها الحياة الكريمة.

خارطة طريق

لم تقف جهود المنظمات العالمية عند رصد الداء، بل قدمت الدواء وذلك عبر وثائق أبرزها "التقرير العالمي عن الغرق" الصادر في نوفمبر ٢٠١٤م، ومنشور "منع الغرق: دليل تنفيذي" الصادر في مايو ٢٠١٧م.

 هذه المنشورات قد وضعت خططًا قابلة للتطبيق على المستوى القُطري والوطني لحماية الأفراد.

وهذا التعاون قد أثمر بين منظمة الصحة العالمية ووزارات الصحة في بعض الدول النامية عن نتائج إيجابية ملموسة، وذلك من خلال بناء الحواجز حول مصادر المياه وتأسيس مراكز رعاية للأطفال في سن ما قبل المدرسة.

 وهذه التجربة الناجحة تؤكد أن الغرق تحدٍّ للصحة العامة يمكن الوقاية منه، والاستسلام له كقدر محتوم هو نوع من العجز البشري المنهي عنه.

والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ». [صحيح مسلم القدر (٢٦٦٤)، سنن ابن ماجه الزهد (٤١٦٨)، مسند أحمد (٢/ ٣٧٠)]

 فالعمل والتخطيط وبذل الجهد العلمي لاستكشاف الأسئلة ذات الأولوية عبر البحث العلمي الممول من الجهات المسؤولة هو عين الامتثال للأمر النبوي بالحرص على النافع وترك العجز والكسل، وبذل الأسباب المادية المتاحة؛ لحفظ النفوس من الفناء والضياع.

الخلاصة

إن مواجهة خطر الغرق بوصفه "قاتلًا شرسًا" تتطلب تضافرًا دوليًّا ومجتمعيًّا عاجلًا لتطبيق التشريعات الحازمة على حركة الملاحة وتفعيل الوقف التنموي لدعم البنى التحتية المائية في الدول النامية.

 كما يجب إدراج مهارات السباحة والإنقاذ الأساسية ضمن الأنشطة المدرسية العامة وتفعيل دور المنابر لنشر ثقافة السلامة والأخذ بالأسباب كواجب شرعي أصيل.

 وختامًا، فإن التحرك لحماية أرواح الأبرياء ليس مجرد التزام بمواثيق أممية، بل هو في عمق عقيدتنا عبادة نتقرب بها إلى الله لحفظ كرامة النفس الإنسانية وإعمار الأكوان.

موضوعات ذات صلة

تأكيدٌ شرعي على أنَّ حماية الإنسان من المرض هي جوهر عمارة الكون.

يأتي اليوم العالمي لضحايا الزلازل في ٢٩ أبريل ليذكّر العالم بحجم المأساة.

ما هو اليوم العالمي للأسرة ولماذا يحتفل به العالم في ١٥ مايو؟

التأهب للأوبئة مبدأ شرعي، وعنوان للحكمة، يقتضي إعداد العدة قبل وقوع الأزمات.

موضوعات مختارة