Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المعاصرة حجاب

الكاتب

أ.د/ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

المعاصرة حجاب

خلف أسوار المعاصرة يختبئ حجابٌ، قد يقلب موازين العدل، فيحول دون رؤية الفضل بين الأقران، ويفتح أبواب الخصومة والتحاسد، فكيف استطاع عباقرة المسلمين صياغة منهجٍ أخلاقي صارم، يحمي الحقيقة من نيران الغيرة وضيق أفق المعاصرة؟

علم التوثيق: عبقرية المنهج وحماية الوعي

مما من الله به على المسلمين أن أبدعوا علم التوثيق على غير مثال سابق، فلم يأخذوه من أمة خلت، ولم يقلدوا أحدًا من الناس، فكان من العلوم التي وضعوها وكملت غاية الكمال، وعلم التوثيق مثله في ذلك مثل علم الفهم، أو ما يسمى بأصول الفقه، فإنه علم بديع، نشأ من حضارة المسلمين، وهذان العِلمان يحتاجهما العالم الذي يتمسك بالمنهج العلمي، فيوثق مصادره ويتأكد من معلوماته حتى لا يقع في عقلية الخرافة، ولا في حد الانطباعات التي لا ضابط لها ولا رابط.

 ومن علوم التوثيق عند المسلمين: علم القراءات القرآنية، وعلم رواية الحديث الذي تولد عنه علم الجرح والتعديل، والذي يهتم بالبحث في أحوال الرواة، ومدى ضبطهم، ومدى اتفاقهم مع الأصول المروية، ومدى اختلافهم في ذلك، وتولد منه قواعد كثيرة، من ألطفها وأرقها هذه القاعدة الفريدة، التي تدل على عمق في الفهم، ورِقة في الشعور، واعتذار للآخرين، وعدم التسرع في إصدار الأحكام العشوائية، والعدل حتى مع المخالف، وإن شئت فقل: خاصة مع المخالف، كما قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: ٨]، وهي قاعدة: المعاصرة حجاب.

المعاصرة حجاب: المفهوم والبعد النفسي

ومعنى هذه القاعدة: أن المعاصرة بين اثنين لا تتيح لكل منهما أن يعرف الآخر كما ينبغي؛ وذلك لأن الصورة الذهنية التي تتكون عند كل واحدٍ منهما عن الآخر تكون ناقصة، فقد يكمل الشخص كلامه الذي حمل على غير مراده، وقد يغير رأيه الذي ذهب إليه، بل قد يغير مشربه أو مذهبه بالكلية، وقد يتحول المرء من محبٍّ إلى كارهٍ، ومن كارهٍ إلى محبٍّ، وهذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ یَحُولُ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ولقوله ﷺ: «إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» [أخرجه الترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجه (٣٨٣٤) من حديث أنس رضي الله عنه]. وعلى ذلك فإن الاختلاف الناشئ بين اثنين من قِبل الرأي هو اختلاف نسبي قد يتغير، والموقف الذي حمل الشخص على القدح في زميله قابل للتبدل والانتهاء.

ضوابط نقد الأقران

وهذه قاعدة قررها جمهور السلف رضوان الله عليهم، يقول ابن عباس: "خذوا العلم حيث وجدتم، ولا تقبلوا قول الفقهاء بعضهم على بعض؛ فإنهم يتغايرون..." [جامع بيان العلم وفضله ٢/‏١٠٩١ لابن عبد البر].

وقال مالك بن دينار - رحمه الله: "يؤخذ بقول العلماء والقرَّاء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض؛ فلهم أشد تحاسدًا من التيوس" [جامع بيان العلم وفضله ٢/‏١٠٩١ لابن عبد البر].

وقال الذهبي - رحمه الله: "كلام الأقران بعضهم في بعض  لا يُعبأ به، لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصِّديقين، ولو شئت لسردتُ من ذلك كراريس" [ميزان الاعتدال ١/‏١١١].

ومن هذه القاعدة تولدت قاعدة أخرى تقيدها وتنظمها وتفسرها وهي: "لا يقبل كلام الأقران بعضهم في بعض"، وهذا معنى المعاصرة حجاب، فهي لا تنفي قبول الجرح والتعديل من أهله، بل تتكلم عما إذا تكلم أحدُهم في أخيه وقرينِه مخالفًا لباقي الناس الذين مدحوا وعدَّلوا، وأقروا بفضل هذا الإنسان، فإذا جاء عظيم من الفضلاء وقدح هذا المزكَّى المعدَّل فإنه لا يقبل منه ذلك؛ حيث لا يقبل جرح القرين بقرينه بهذه الصفة، وعلَّلوا ذلك وبينوا سببه بأن المعاصرة حجاب.

إذن يمكن قبول جماعة كثيرة من أهل الاختصاص تجرح إنسانًا وترفضه، ولكن المعاصرة حجاب بين الأقران وليس مطلق العصر يخفي حقائق الأشياء والأشخاص، بل العصر حجاب بين القرين وأخيه من نفس مستواه يحجب عنه عدله، ويئول له الأمر حتى يقدحه، مبررًا ذلك لنفسه أولًا بأن فيه هذه الأخطاء التي يجب إنكارها.

نماذج من خصومات الكبار

ولقد حدث في التاريخ الإسلامي تنابذ بين الكبار منهم: أبو نُعَيم الأصبهاني توفي ٤٣٠هـ، وأبو عبد الله بن مَنده توفي ٣٩٥هـ، حتى قال الحافظ الذهبي عما دار بينهما: "وكلام ابن منده في أبي نعيم فظيع، لا أحب حكايته، ولا أقبل قول كل منهما في الآخر... كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو الحسد" [ميزان الاعتدال (١ / ٢٥١)].

والمغيرة  بن مِقْسم الضبي توفي ١٣٦ هـ و وأبو إسحاق السَّبِيعي توفي ۱۲۹ هـ وسليمان الأعمش توفي ١٤٨هـ، فقد روى جرير عن مغيرة أنه قال: "ما أفسد حديث أهل الكوفة غير أبي إسحاق والأعمش". قال الذهبي: "لا يسمع قول الأقران بعضهم في بعض" [سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٩٩)].

وأحمد بن حنبل توفي ٢٤١هـ وهشام بن عمار توفي ٢٤٥هـ فقد قال أبو بكر المروزي: ذكر أحمدُ بن حنبل هشامَ بن عمار فقال: "طَيَّاشٌ، خَفِيْفٌ" [سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٢٧)].

ومن ذلك: ما كان بين أبي حفص  الفلَّاس توفي ٢٤٩هـ ومحمد السَّمين توفي ٢٣٥هـ حيث ذكر أبو حفص الفلَّاسُ محمدَ بنَ حاتم البغدادي السمين - من رجال مسلم وأبي داود - فقال: "ليس بشيء"، فتعقبه الذهبي قائلاً: "هذا من كلام الأقران الذي لا يُسمع" [سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٥١)].

ومنه ما كان بين عبد المغيث بن زهير توفي ٥٨٣هـ وأبي الفرج بن الجوزي توفي ٥٩٧هـ، وقد وقعت العداوة والفتنة الشديدة بينهما، وكلاهما حافظان فقيهان حنبلیان، كان سببها اللعن على يزيد بن معاوية، كان عبد المغيث يمنع من لعنه، وكتب في ذلك كتابًا وأسمعه للناس، فكتب ابن الجوزي في الرد عليه كتابًا سماه الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد، ثم تلا ذلك مسائل أخرى، وقد مات عبد المغيث وهما متهاجران.

ومنه ما كان بين مُطَيَّنٍ توفي ۲۹۷ هـ وابن أبي شيبة توفي ٢٣٥هـ فقد ذكر الحافظ ابن حجر بترجمة محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الملقب بـ: "مطين" حطََّ الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة عليه، وحطَ مطين على ابن أبي شيبة، وأن أمرهما آل إلى القطيعة، فقال ابن حجر: "ولا نعتد - بحمد الله - بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض" [لسان الميزان (٥/ ٢٣٤)].

الخلاصة

إن قاعدة المعاصرة حجاب هي ميزانٌ ذهبي، وضعه علماؤنا؛ لضمان ألا تطغى المشاعر الإنسانية العارضة على الحقائق العلمية الراسخة، وبها يظل التراث الإسلامي شامخًا بإنصافه، حيث لا يُقبل جرحُ الأقران إلا ببرهانٍ قاطعٍ، ينجو من فخاخ التنافس وحظوظ النفس.

موضوعات ذات صلة

يطلق الحجاب في اللغة: على الستر، وقد ورد لفظ "الحجاب" في القرآن الكريم سبع مرات.

تفرض الدعوة الإسلامية على كل جيل أن يستلهم تجارب من سبقه، ويتجنب مواطن الضعف والخطأ.

هذا العلم يكشف عن كيفية تبادل الرواية بين العلماء الذين يتشابهون في السن أو الطبقة العلمية.

يرتكز أصول الفقه على منهج علمي متكامل يضبط فهم النصوص الشرعية عبر سبع نظريات.

الأخلاق الإنسانية في الإسلام تنبع من الإيمان بوحدة البشرية وإلهها ومصيرها.

موضوعات مختارة