وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في مطلع هلال ذي القعدة، على رأس خمسة وأربعين شهرًا من الهجرة المباركة، عقد سيدنا النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - العزم على الوفاء بمواجهة المشركين، فخرج في ألف وخمسمائة من أصحابه الكرام، في حشدٍ عكس تمام الجاهزية وعظيم الانضباط.
وقد استغرق هذا المسيرُ وتلك الإقامةُ في رحاب بدر ست عشرة ليلة غاب فيها صلى الله عليه وسلم عن المدينة المنورة، مرابطًا في الميدان، ثابتًا في الموقع، حتى كانت عود
حين انقشع غبار المعركة في أُحُد، لم تشأ الأقدار أن تنتهي المواجهة بصمت، بل أرادها الحق - سبحانه - استبقاءً لجمرة اليقين في قلوب المؤمنين؛ حيث وقف أبو سفيان مناديًا بلسان المتكبر: "موعد ما بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول نلتقي فيه فنقتتل"، فجاء الرد النبوي كفلق الصبح، مؤيدًا بالوحي، مفعمًا بالثبات على لسان عمر: قل «نعم، إن شاء الله، بيننا وبينكم موعد»، لم يكن هذا مجرد موعدٍ لصدامٍ جديد، بل كان اختبارًا لاستعادة الهيبة التي هي روح الدول وسر بقائها [راجع: الواقدي: المغازي، ج١/ ص٣٣٨- الصالحي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، ج٤/ ص٣٣٨].
ومع اقتراب الميقات المحدد في السنة الرابعة من الهجرة المباركة، تزلزلت الأرض تحت أقدام قريشٍ فَرَقًا ورعبًا، فلجأوا إلى سلاح المكر والخديعة؛ إذ استأجروا نعيم بن مسعود الأشجعي ليبث في روع أهل المدينة سموم الإرجاف، ويُلبس الحقيقة الناصعة ثوب الرعب القاتم، بحديثه المستفيض عن جموع مكة التي تملأ الأفق، وهنا "احتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم، وقالوا: قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم مثل الليل من الناس، يرجون أن يوافقوكم فيتنهبوكم، فالحذر الحذر لا تغدوا".
فما كان من حضرة سيدنا النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - وهو الطود الأشم في الثبات إلا أن شق غبار الخوف بقسمٍ يرتج له الوجدان، وتطمئن به القلوب الحائرة، فقال: «والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد».
فلما تكلم سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نطق بما بصَّر الله - عز وجل - به المسلمين، فجلَّى عن بصائرهم غياهب الشك، وأذهب رجز الشيطان، فانقلب الخوف أمنًا، والتردد عزمًا؛ فخرج المسلمون بتجارات لهم إلى بدر، وكاسب عظيمة، يتقدمهم سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حاملًا اللواء الأعظم، وقد استخلف - صلى الله عليه وسلم - على المدينة سيدَنا عبدَ الله بن رواحة - رضي الله عنه [راجع: الواقدي: المغازي، ١/ ص٣٨٥ -٣٨٧- الذهبي: سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، ط٣، ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م،١/٤٦٠].
لم يكن حضورُ المسلمين في بدر مجرد وقوفٍ عسكريٍّ جاف خلف أسنة الرماح، بل كان حضورًا حضاريًّا متكاملًا، يبرهن على أن المسلم يبني الحياة في عز الحرب، ويحمل الأمل في أحلك الظروف؛ فقد وافق وقتهم انعقاد سوق بدر العظيم، وهناك، تجلت روح الهمة والتوكل؛ فتاجر الصحابة الكرام، وقلبوا الدرهم درهمين، في مشهدٍ يمزج بين صليل السلاح وبركة النماء، حتى نطق سيدنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه وأرضاه - بلسان الشاهد على تلك التحولات النفسية والمادية الكبرى بقوله:"لقد رأيتُنا وقد قذف الرعب في قلوبنا، فما أرى أحدًا له نية في الخروج، حتى أنهج الله - تعالى - للمسلمين بصائرهم، وأذهب عنهم تخويف الشيطان، فخرجوا، فلقد خرجت ببضاعة إلى موسم بدر، فربحت للدينار دينارًا، فرجعنا بخير وفضل من ربنا".
فسار سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسلمين، يغمرهم بسكينته، ويقودهم بحكمته، وخرجوا ومعهم بضائعهم ونفقاتهم، ليثبتوا للعالمين أن يد الإيمان التي تقبض على السيف هي ذاتها اليد التي تضرب في الأرض تبغي من فضل الله، محققين بذلك توازنًا فريدًا بين واجب الوقت، ومقتضيات الاستخلاف في الأرض: ﴿فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلࣲ لَّمۡ یَمۡسَسۡهُمۡ سُوۤءࣱ﴾ [آل عمران: ١٧٤] [راجع: الواقدي: المغازي، ١/ ص٣٨٥ - ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، ج٢/ ص٤٥،٤٦- الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج١/ ص٤٦١].
وفي الضفة الأخرى من المشهد، كان أبو سفيان خائفًا وجِلًا، حتى إذا نزل بجيشه مرَّ الظهران، تملكه الرعب واستبد به الجبن، فلم يجد مفرًّا من المواجهة إلا أن يتذرع بجدب الأرض وقحط العام، زاعمًا أن الحرب لا تليق إلا في زمان الخصب والوفرة، وقفل راجعًا بمشهدٍ كسر كبرياء قريش، وأزرى بمكانتها في عيون قبائل العرب، حتى استقبلهم أهل مكة بلسان التهكم والازدراء، ونبذوا جيشهم بلقب (جيش السويق)؛ استخفافًا بصنيعهم، قائلين في سخريةٍ لاذعة: "إنما خرجتم تشربون السويق"، فكان خروجهم نزهةً باهتة لا نزالًا، وعودتهم خيبةً ظاهرة لا قفولًا [راجع: ابن هشام: السيرة النبوية، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، ١٤١٠ هـ، ج٢/ ٢٠٩، ٢١٠]
وعليه؛ فإن الناظرَ بعينِ البصيرةِ يدرك أنَّ بدر الموعد لم تكن مجرد غزوة خلا فيها الميدان من قراع السيوف، بل كانت في حقيقتِها غزوة الانتصار النفسي بامتياز، والفتحَ الذي لا يقل شأنًا عن نصر الميدان؛ إذ استطاع سيدنا النبي الأكرم - صلى الله عليه وسلم - أن يجرد قريشًا من كافة أوهامها ومكاسبها السياسية التي تخيلت حيازتها بعد يوم أُحُد، ليثبت للقاصي والداني أن الدولة الإسلامية بناء راسخ عَصِي على الانكسار، وقوة صاعدة لا تزيدُها الأيام إلا ثباتًا.
إن بدر الموعد لم تكن مجرد واقعة حربية؛ بل كانت صرخة سيادة أثبتت أن الحق إذا استقر في القلوب هزم جيوش الأوهام قبل جيوش الأبدان، إنها الدرس الخالد في فقه الثبات وصناعة الهيبة التي تجعل من الدولة بناء راسخًا لا تزعزعه رياح الإرجاف.
انتصار بدر: قمة اليقين وهزيمة جبروت قريش.
غزوة أحد: نصر تبدل لدروس في الطاعة.
غزوة الخندق: اختبار الإيمان وهزيمة تحالف الأحزاب.