لم تعرف أم معبد من هو، لكنها رأت فيه ما لا يخفى على قلبٍ سليم، لم تكن شاعرةً ولا خطيبة، لكنها نطقت بما رأت، فكانت كلماتها شهادةً خالدة، تُروى في كتب السيرة، وتُتلى في مجالس المحبة، وتُشعل في القلوب شوقًا لا يهدأ.
"إذا صمت فعَلَيْه الوقار"؛ سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فراغًا، بل كان سكينةً تملأ المكان، كأن الصمت نفسه يتعلم منه، فلا يعبث ولا يضيع، بل يفيض هيبةً وطمأنينة.
"وإذا تكلم سما وعلاه البهاء"؛ كلامه صلى الله عليه وسلم يرفع المقام، ويُضيء المعنى، لا يخرج منه إلا ما يليق بمقام النبوة، فإذا نطق تجلّى الجمال في نبرته، والوقار في ألفاظه، والرحمة في معانيه.
"أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب"؛ من يراه من بعيد يُدهش بجمال هيئته، ومن يقترب منه يُفتن برقة ملامحه، فكان الجمال فيه ظاهرًا وباطنًا، لا يخفى على عين، ولا يُنسى من قلب.
ووصفت أم معبد الخزاعية منطقه بأنه حلو المنطق، فصلٌ لا نَزْرَ ولا هَذْر؛ كلامه صلى الله عليه وسلم معتدل، لا قليل يُخلّ بالمعنى، ولا كثير يُملّ السامع، بل وسطٌ فيه بلاغةٌ وسكينة، لا لغو فيه ولا إسراف، بل هو كلامٌ يُحفظ كما يُشرب الماء العذب.
"كأن منطقه خرزات نَظْمٍ ينحدِرْن"؛ كلماته مرتبة، متناسقة، كأنها حبات لؤلؤ تُنظم في عقدٍ فاخر، تنساب بسلاسة، وتُبهج السامع، وتُسكن القلب.
ووصفت طوله بقولها: "رَبْعَة لا بائنٌ من طول، ولا تقتحمه عينٌ من قِصر" كان صلى الله عليه وسلم متوسط الطول، لا طويلًا يُستغرب، ولا قصيرًا يُستضعف، بل في اعتداله كمالٌ، وفي توازنه جمالٌ، لا تنفر منه عين، ولا تُخطئه مهابة.
"غصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قَدًّا" إذا وقف بين أصحابه، بدا كأجملهم، كغصنٍ أخضر بين غصنين، فيه نضارةٌ لا تُخفى، وقوامٌ لا يُجارى، فكان فيهم كالقمر بين النجوم.
ورأت كذلك شخصية الجناب النبوي وتعظيم أصحابه له فقالت: "له رفقاء يحفون به، إذا قال أنصتوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره"، رأت أن أصحابه يحيطون به حبًّا وهيبة، لا يرفعون أصواتهم عنده، ولا يتأخرون عن أمره، بل يُصغون له كأنما يُتلى عليهم وحي، ويُبادرون كأنما يُسابقون إلى الجنة.
"محفودٌ محشود، لا عابسٌ ولا مُفنَّد"، مكرّمًا مُهابًا، يجتمع الناس حوله، لا يعبس في وجه أحد، ولا يُردّ عليه قول، بل كان وجهه بشوشًا، وكلامه موزونًا، وهيبته لا تُكسر، وخلقه لا يُنقض. [دلائل النبوة، ١/٢٧٦].