Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

وصف الجناب المعظم بين فطرة أم معبد ووجد الحسن البصري

الكاتب

هيئة التحرير

وصف الجناب المعظم بين فطرة أم معبد ووجد الحسن البصري

بين كثبان الصحراء وخيام البادية، ومن مجالس التابعين في مدن العلم، تردد وصفٌ خالدٌ للجناب المحمدي الشريف صلى الله عليه وسلم، فكلمات أم معبد انطلقت بعفوية الفطرة، وعبارات الحسن البصري فاضت من بحر البصيرة، فاجتمع البيانان ليشكّلا لوحةً لا تُحاط، تُؤكد أن نور المصطفى صلى الله عليه وسلم فوق الوصف والخيال

مشهد أم معبد في صحراء خزاعة

في خيمةٍ بدويةٍ على أطراف صحراء خزاعة، جلست امرأة لا تدري أن ضيفها هو خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فإذا بها تُبصر الطلعة البهية التي غيّرت تاريخ المكان.

انطلقت كلماتها بلا تكلّف؛ لتصف الجناب المعظم بأجل وصف؛ حيث قالت: "ظاهر الوضاءة، أبْلَج الوجه"، وجهٌ (ظاهر الوضاءة) كصفحةٍ بيضاء، ووجهٌ أبلج مشرق لا غبرة فيه، "في عينيه دَعَج، وفي أَشْفاره وَطَف وفي صوته صَحَل، وفي عنقه سَطَع، وفي لحيتِه كَثَاثة"، عيناه سوداوان فيهما مهابة، محاطتان بأهدابٍ كظلالٍ رقيقة، وصوته صحل عذب كخرير الماء، وعنقه سطع كعمودٍ من نور، ولحيته كثاثة تزيده وقارًا وهيبة.

ظاهر الوضاءة؛ وجهه صلى الله عليه وسلم ناصع البياض كصفحة مشرقة بلا أثر كدر أو تعب، وهو ضياء يرمز إلى الطهارة الباطنية قبل المظهر الظاهري.

أَبْلَج الوجه إشراقًا كالبدر ليلة تمامه، لا غرو هنا ولا غيوم تحجب نوره، يفتح القلوب قبل العيون ويبعث الدفء في النفوس، حسن الخلق يلاقي جمال الهيئة مع نقاء المعاملة، لطف يجمعه عفوه وجلُّه، فلا يرى معه أحد قسوة أو صلابة بل يرى رحمة خاشعة كهمس النسيم.

لم تعبه ثُجْلة -وهي الامتلاء المترهل- بل كان جسده معتدلًا رشيقًا كحدّة الصحراء حين تسمع اعتدال خطاه، ولم تزر به صُعلة -وهي النحالة المفرطة- بل تجلّى فيه التوازن والقوة.

في عينيه دَعَج؛ سوادٌ زادَه رحمة وهيبة كالجبل الصامد أمام زلزال يورث الخشية والطمأنينة معًا.

وفي أهدابه وَطَف من الأشفار، ظلال تحرس نور القلوب كظلال نخيل تحمي جَمال الوادي في حر الشمس.

وفي صوته صَحَل؛ خشونة محببة وصوت ينساب رقة كخرير الماء يلامس القلب -أولًا- ثم الأذن.

وفي عنقه سَطَع؛ عنقٌ ناصع البياض يرفع الهيبة كعمود نور يستند إليه المحبون قبل الظمآنين.

وفي لحيته كَثَاثة؛ كثافة تحيل وجهه إلى قبس مهيب يلفه هيبة توزّعها خصاله كلها فتجتمع إشراقة الطهارة وروعة الجلال. [دلائل النبوة، للإمام الحافظ شمس الدين البيهقي، الطبعة المعروفة، الجزء الأول، ص ٢٧٦]

صمته ومنطقه وصحبته

لم تعرف أم معبد من هو، لكنها رأت فيه ما لا يخفى على قلبٍ سليم، لم تكن شاعرةً ولا خطيبة، لكنها نطقت بما رأت، فكانت كلماتها شهادةً خالدة، تُروى في كتب السيرة، وتُتلى في مجالس المحبة، وتُشعل في القلوب شوقًا لا يهدأ.

"إذا صمت فعَلَيْه الوقار"؛ سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فراغًا، بل كان سكينةً تملأ المكان، كأن الصمت نفسه يتعلم منه، فلا يعبث ولا يضيع، بل يفيض هيبةً وطمأنينة.

"وإذا تكلم سما وعلاه البهاء"؛ كلامه صلى الله عليه وسلم يرفع المقام، ويُضيء المعنى، لا يخرج منه إلا ما يليق بمقام النبوة، فإذا نطق تجلّى الجمال في نبرته، والوقار في ألفاظه، والرحمة في معانيه.

"أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأحلاهم من قريب"؛ من يراه من بعيد يُدهش بجمال هيئته، ومن يقترب منه يُفتن برقة ملامحه، فكان الجمال فيه ظاهرًا وباطنًا، لا يخفى على عين، ولا يُنسى من قلب.

ووصفت أم معبد الخزاعية منطقه بأنه حلو المنطق، فصلٌ لا نَزْرَ ولا هَذْر؛ كلامه صلى الله عليه وسلم معتدل، لا قليل يُخلّ بالمعنى، ولا كثير يُملّ السامع، بل وسطٌ فيه بلاغةٌ وسكينة، لا لغو فيه ولا إسراف، بل هو كلامٌ يُحفظ كما يُشرب الماء العذب.

"كأن منطقه خرزات نَظْمٍ ينحدِرْن"؛ كلماته مرتبة، متناسقة، كأنها حبات لؤلؤ تُنظم في عقدٍ فاخر، تنساب بسلاسة، وتُبهج السامع، وتُسكن القلب.

ووصفت طوله بقولها: "رَبْعَة لا بائنٌ من طول، ولا تقتحمه عينٌ من قِصر" كان صلى الله عليه وسلم متوسط الطول، لا طويلًا يُستغرب، ولا قصيرًا يُستضعف، بل في اعتداله كمالٌ، وفي توازنه جمالٌ، لا تنفر منه عين، ولا تُخطئه مهابة.

"غصنٌ بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قَدًّا" إذا وقف بين أصحابه، بدا كأجملهم، كغصنٍ أخضر بين غصنين، فيه نضارةٌ لا تُخفى، وقوامٌ لا يُجارى، فكان فيهم كالقمر بين النجوم.

ورأت كذلك شخصية الجناب النبوي وتعظيم أصحابه له فقالت: "له رفقاء يحفون به، إذا قال أنصتوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره"، رأت أن أصحابه يحيطون به حبًّا وهيبة، لا يرفعون أصواتهم عنده، ولا يتأخرون عن أمره، بل يُصغون له كأنما يُتلى عليهم وحي، ويُبادرون كأنما يُسابقون إلى الجنة.

"محفودٌ محشود، لا عابسٌ ولا مُفنَّد"، مكرّمًا مُهابًا، يجتمع الناس حوله، لا يعبس في وجه أحد، ولا يُردّ عليه قول، بل كان وجهه بشوشًا، وكلامه موزونًا، وهيبته لا تُكسر، وخلقه لا يُنقض. [دلائل النبوة، ١/٢٧٦].

مجلس الحسن البصري ووصفه المشرق

اجتمع وصف البادية الفطري للسيدة أم معبد الخزاعية بوصف التابعي العارف بالله الحسن البصري؛ ليؤكد أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تُسقى من عينٍ واحدة، سواء نبعها الفطرة السليمة أو انفجر من البصيرة العميقة، كل وصفٍ قُدم لم يكن مجرد ألفاظ، بل شهادةُ قلبٍ شرب من نور الرحمة، ومهما اجتمع من البيان فلن يحيط بجمال المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما يلمح إشاراتٍ تهدي الأرواح العطشى إلى واحة الرحمة وسِرّ البهاء، فصوت البادية في صدقها الفطري، وصوت البصيرة في عمقها الروحي، كلاهما دلّ على عظمة الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم؛ فهو النور الذي لا يُحد، والرحمة التي وسعت الأرض والسماء، والبهاء الذي تقف دونه الألسن حائرة، ولا يزال يفيض على القلوب محبةً واشتياقًا.

وبعد عقود، في أروقة البصرة، جلس الحسن البصري يُحدّث أصحابه؛ فإذا بسائلٍ يسأله: صف لنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم، ارتجف الشيخ، وخيم الصمت عليه قليلا، ثم أخذ يصف صاحب الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا مشى كأنما ينحدِر من صَبَبٍ" أي أن مشيته - صلى الله عليه وسلم - كانت ثابتة، واثقة، متزنة، كأنها جريان ماءٍ من مكانٍ مرتفع، لا تردد فيها ولا تكلّف؛ فلم يكن يخطو بتكلف أو تمايل، بل بخفةٍ فيها وقار، كأن الأرض تُفرش له نورًا، وكأن كل خطوةٍ منه تُحيي موضعها، هذه العبارة تُوحي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي وكأن الجاذبية تُعينه، لا تُثقله، وأن هيبته تمشي معه، لا أمامه، وفي وصفه لكلامه لم يختلف كثيرا عن كلام أم معبد حيث قال: "وإذا تكلم كأن خرزات تتناثر من فِيهِ"، تشبيهٌ بديع، يُصور كلماته - صلى الله عليه وسلم - كأنها حبات لؤلؤٍ تخرج من فمه، مرتبة، منسجمة، جميلة، لا يعلو فيها الصوت بلا حاجة، ولا يُقال فيها لغوٌ أو هذر، كل كلمةٍ منه لها وزن، وكل جملةٍ لها مقام، وإذا نطق، سكنت القلوب، وأنصتت الأرواح، كأنها تستقبل وحيًا، هذا الوصف يدل على بلاغته، وعلى جمال منطقه، وعلى تأثير كلامه في النفوس. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٧٩م، الجزء الأول، الباب الثاني، فصل: "في كمال خلقه وخلقه"].

ثم ذكر نعله الشريف صلى الله عليه وسلم، لا بوصف الجلد، بل بوصف القدر، قال: "كان له نعل، نعلو بذكره"، فتعجّب الحاضرون، وسألوه: كيف نعلو بذكر النعل؟ فابتسم الحسن، وقال بصوتٍ يقطر توقيرًا: "نعلٌ وقف به على بساط النور ليلة الإسراء والمعراج، ولم يُؤمر بخلعه، بينما قيل لموسى عليه السلام: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ}، أما هو صلى الله عليه وسلم، فلم يُؤمر؛ لأنه هو المطلوب لا الطالب".

ويقول الإمام الحافظ العراقي في ألفية السيرة النبوية في وصف نعل سيدنا المصطفى ﷺ: 

ونَعْلُهُ الكَريمَةُ المَصُونَهْ * * * طُوبى لمَنْ مَسَّ بِها جَبِينَهْ

لهَا قِبَالانِ بِسَيْرٍ وَهُمَا * * * سِبْتِيَّتَانِ سَبَتوا شَعْرَهُمَا

وطُولُهَا شِبْرٌ وإصْبَعَانِ * * * وعَرْضُها مِمَّا يَلي الكَعبَانِ

سَبْعُ أصَابِعَ، وبَطْنُ القَدَمِ * * * خَمْسٌ، وفَوقَ ذا فَسِتٌّ فاعلَمِ

وَرَأْسُهَا مُحَدَّدٌ، وعَرْضُ مَا * * * بَينَ القِبَالَينِ اصْبَعَانِ، اضبِطْهُمَا

وهَذهِ تِمثَالُ تِلكَ النَّعْلِ * * * ودورهَا، أكْرِمْ بها من نعل

[قبالان]: تثنية قبال وهو: الزمام الذي بين الإصبع الوسطى والتي تليها.

[سبتيتان]: تثنية سبتية وهي: المصنوعة من جلود البقر المدبوغة، سميت بذلك لأن شعرها سبت؛ أي: حلق.

الخلاصة

في رحاب الصحراء وخيام البادية، وعلى منابر العلم ومجالس التابعين، ترددت أوصاف الجناب المحمدي الشريف صلى الله عليه وسلم تنبض بعفوية الفطرة وعمق البصيرة، كلمات أم معبد رسمت ملامح النور، وعبارات الحسن البصري أضاءت جوانب الجمال الروحي، فاجتمع البيانان ليشكّلا صورةً سامية لا تُدركها حدود الوصف، فكان نور المصطفى ﷺ فوق الخيال، يملأ القلوب مهابةً ومحبة.

موضوعات ذات صلة

جاء القرآن الكريم بمدح النبي العظيم -صلى الله عليه وآله وسلم- وبيان مكانته ورفعة شأنه.

لم يعرف التاريخ زهدًا أصفى، ولا أعمق من زهد المصطفى –صلى الله عليه وآله وسلم.

التوسل والاستغاثة برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لقضاء الحوائج من المسائل التي تناولها العلماء والفقهاء.

سيدنا محمد ﷺ أصل الجمال وقد جمعت كل الكمالات فيه  ﷺ.

وصف الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأروع أوصاف الجمال.

موضوعات مختارة