أولًا: مكانة الاستدلال وأهميته
إن منزلة الاستدلال في العلوم
الشرعية ركينة لا خفاء بها؛ إذ المشتغل بالأثر يدور نظره بين مسلكين لا ثالث لهما:
إما نص يملكه فيسعى لتنزيله وتحقيق مناطه على
الواقعة المستجدة، وهي عملية دقيقة تفتقر إلى إدراك وجه الربط والمناسبة بين عينية
الحادثة وكلية النص صونًا للحكم عن تخرصات الهوى.
وإما واقعة غاب عنها النص المباشر، فينهض الفقيه
مجتهدًا في التماس دلالات الإيماء والتلميح أو استصلاح المصالح المرسلة، وثم يتجلى
أن سائر تصرفات المجتهد ومسالكه الفقهية إنما هي غرس الاستدلال وتدور في فلكه ورودًا
وتطبيقًا.
ثانيًا: المصطلحات ذات الصلة بسوء
الاستدلال
هناك ثمة مصطلحات علمية تقارب مفهوم
سوء الاستدلال أو تتداخل معه، ويُعد تحريرها ضروريًا لرفع اللبس منها:
- التأويل
الفاسد المعارض للنص
يرجع في منبته اللغوي إلى مادة
(أوَلَ)؛ ومآله الرجع والعودة، وقد استقر صنيع المتقدمين من النظار والمفسرين على
جعل التأويل مرادفًا لبيان وجه النص وتفسيره، غير أن المصطلح طرأ عليه تحول دلالي
ومفاهيمي عند المتأخرين؛ ومصداقه تعريف الإمام ابن حزم له بأنه: "نقل اللفظ
عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر" [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ١ / ٤٣].
بيد أن ابن حزم لم يرسل هذا النقل
على غاربه، بل وضع معيارًا صارمًا لقبوله وردّه فقال مستدركًا: "فإن كان نقله
قد صح ببرهان وكان ناقله واجب الطاعة فهو حق، وإن كان نقله بخلاف ذلك أطرح ولم
يلتفت إليه وحكم لذلك النقل بأنه باطل" [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ١ / ٤٣].
مشتق من النبط وهو استخراج الشيء
وإظهاره، ويُقال: استنبطت الماء إذا استخرجته من خفايا الأرض [ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، ٥ /
٣٨١].
وفي الاصطلاح الأصولي، يدور معناه
حول كشف المعاني المكنونة؛ فيُقال: "استنبط الفقيه إذا استخرج الأحكام
الدقيقة والخفية بنور فهمه وموجب اجتهاده" [الزبيدي: تاج العروس، دار الهداية، ١٠ / ٤٢٦].
ويقول الإمام الطبري في هذا المنحى: "وكل
مستخرج شيئًا كان مستترًا عن أبصار العيون.. فهو له مستنبط" [الطبري، جامع البيان في تفسير آي القرآن، مؤسسة الرسالة، ١٤٢٠هـ -
٢٠٠٠م، ٧ / ٢٥٥].
وترتبط دلالة الاستنباط بالاستدلال
برباط وثيق لكونهما ينشدان طلب الحكم، إلا أن الاستنباط يمتاز بالعموم؛ فقد يكون
المستنَبَط حكمًا شرعيًا فيتطابق مع الاستدلال، وعلى هذا المأخذ قرر الجصاص بقوله:
"والاستنباط في الشرع نظير الاستدلال" [الجصاص، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م، ٢ /
٢٠٧].
بيد أن الاستنباط قد يتسع لاستخراج
المعاني الدقيقة والعلل دون الأحكام، ولذا عرفه الإمام الزمخشري بأنه: "استخراج
ما خفي المراد به من اللفظ "[الزمخشري، الفائق في
غريب الحديث والأثر، دار المعرفة، ٣ / ٧٣]، حيث
جاءت لفظة ما عامة تشمل الأحكام وغيرها.