Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أسباب سوء الاستدلال بالنصوص وجذوره التاريخية

الكاتب

هيئة التحرير

أسباب سوء الاستدلال بالنصوص وجذوره التاريخية

يُمثّل الاستدلال بالنصوص الشرعية المرتكز الأساس للتشريع الإسلامي وحيازة الأحكام، غير أن انحراف الفهم عن الجادة، والعُدول عن القواعد المقررة عند أهل الأثر والأصول، أفضى عبر التاريخ إلى ظهور عوار فكري وفقهي عُرف بسوء الاستدلال؛ فما هي البواعث الحقيقية وراء هذا الانحراف المنهجي، وكيف تجلت مساراته في تاريخ الفكر الإسلامي؟

المفهوم اللغوي والاصطلاحي للنص والاستدلال

أولًا: مفهوم النص في اللغة والاصطلاح

مفهوم النص في اللغة: مادة النص في الدائرة اللغوية جاءت بمعانٍ شتى مآلها: الارتفاع والظهور وانتهاء الشيء وغايته؛ فيُقال: نصصت الشيء إذا رفعته وأظهرته، ومنه اشتُقّت منصة العروس، ويُقال: نصصت الحديث إلى فلان أي رفعته وعزوته إليه، ونص كل شيء هو منتهاه وأقصى غايته [الجوهري، الصحاح تاج اللغة، دار العلم للملايين، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ٥ / ٢٠٥١].

أما في الاصطلاح: فقد تعددت عبارات الأصوليين في حدّه؛ فعرّفه الإمام ابن حزم الأندلسي بـأنه: "هو اللفظ الوارد في القرآن أو السنة المستدل به على حكم الأشياء" [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، دار الحديث، ١٤٠٤هـ، ١ / ٤٣].

ثانيًا: مفهوم الاستدلال في اللغة والاصطلاح

مفهوم الاستدلال في اللغة: يأتي لفظ الاستدلال على وزن (استفعال) من الدلالة، ومعناه اللغوي يؤول إلى: "طلب الدليل، والالتماس للإرشاد والاهتداء إلى البغية والمطلوب" [الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ٤ / ١٦٩٨؛ ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، مادة دلل].

وعلى الرغم من اتساع دلالته وتنوع تعريفاته في الفنون العقلية والشرعية؛ كالفلسفة، وعلم الكلام، والمنطق، إلا أن تقييد الاستدلال بالنصوص يلزمنا بالوقوف عند المأخذ الأصولي له؛ حيث تفاوتت أنظار أهل الأصول في حصر أنواعه والاحتجاج به [راجع: الباجي، أبو الوليد، إحكام الفصول في أحكام الأصول، ص ٦٧٢؛ الشيرازي، أبو إسحاق، شرح اللمع، ٢ / ٨١٥؛ الآمدي، سيف الدين، الإحكام في أصول الأحكام، ٤ / ١١٨]، ومن أدقّ تعريفات الأصوليين في هذا الباب:

تعريف الطوفي: "أنه طلب الحكم بالدليل من نص أو إجماع أو قياس" [الطوفي، شرح مختصر الروضة، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، ١ / ٣٤]، وحين يُقيد بالنص ينحصر المراد فيه.

تعريف الباجي: "أنه الاهتداء بالدليل والاقتفاء لأثره حتى يوصل إلى الحكم" [الباجي، الحدود في الأصول، دار الكتب العلمية، ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م، ص ١٠٤].

وتتجلى مناسبة هذين التعريفين في كونهما يربطان بين النص وكيفية جعله برهانًا ساطعًا وبيانًا هاديًّا لإثبات الأحكام والنوازل.

مشروعية الاستدلال ومصطلحاته

أولًا: مكانة الاستدلال وأهميته

إن منزلة الاستدلال في العلوم الشرعية ركينة لا خفاء بها؛ إذ المشتغل بالأثر يدور نظره بين مسلكين لا ثالث لهما:

 إما نص يملكه فيسعى لتنزيله وتحقيق مناطه على الواقعة المستجدة، وهي عملية دقيقة تفتقر إلى إدراك وجه الربط والمناسبة بين عينية الحادثة وكلية النص صونًا للحكم عن تخرصات الهوى.

 وإما واقعة غاب عنها النص المباشر، فينهض الفقيه مجتهدًا في التماس دلالات الإيماء والتلميح أو استصلاح المصالح المرسلة، وثم يتجلى أن سائر تصرفات المجتهد ومسالكه الفقهية إنما هي غرس الاستدلال وتدور في فلكه ورودًا وتطبيقًا.

ثانيًا: المصطلحات ذات الصلة بسوء الاستدلال

هناك ثمة مصطلحات علمية تقارب مفهوم سوء الاستدلال أو تتداخل معه، ويُعد تحريرها ضروريًا لرفع اللبس منها:

  • التأويل الفاسد المعارض للنص

يرجع في منبته اللغوي إلى مادة (أوَلَ)؛ ومآله الرجع والعودة، وقد استقر صنيع المتقدمين من النظار والمفسرين على جعل التأويل مرادفًا لبيان وجه النص وتفسيره، غير أن المصطلح طرأ عليه تحول دلالي ومفاهيمي عند المتأخرين؛ ومصداقه تعريف الإمام ابن حزم له بأنه: "نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر" [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ١ / ٤٣].

بيد أن ابن حزم لم يرسل هذا النقل على غاربه، بل وضع معيارًا صارمًا لقبوله وردّه فقال مستدركًا: "فإن كان نقله قد صح ببرهان وكان ناقله واجب الطاعة فهو حق، وإن كان نقله بخلاف ذلك أطرح ولم يلتفت إليه وحكم لذلك النقل بأنه باطل" [ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ١ / ٤٣].

  • الاستنباط

مشتق من النبط وهو استخراج الشيء وإظهاره، ويُقال: استنبطت الماء إذا استخرجته من خفايا الأرض [ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م، ٥ / ٣٨١].

وفي الاصطلاح الأصولي، يدور معناه حول كشف المعاني المكنونة؛ فيُقال: "استنبط الفقيه إذا استخرج الأحكام الدقيقة والخفية بنور فهمه وموجب اجتهاده" [الزبيدي: تاج العروس، دار الهداية، ١٠ / ٤٢٦].

ويقول الإمام الطبري في هذا المنحى: "وكل مستخرج شيئًا كان مستترًا عن أبصار العيون.. فهو له مستنبط" [الطبري، جامع البيان في تفسير آي القرآن، مؤسسة الرسالة، ١٤٢٠هـ - ٢٠٠٠م، ٧ / ٢٥٥].

وترتبط دلالة الاستنباط بالاستدلال برباط وثيق لكونهما ينشدان طلب الحكم، إلا أن الاستنباط يمتاز بالعموم؛ فقد يكون المستنَبَط حكمًا شرعيًا فيتطابق مع الاستدلال، وعلى هذا المأخذ قرر الجصاص بقوله: "والاستنباط في الشرع نظير الاستدلال" [الجصاص، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م، ٢ / ٢٠٧].

بيد أن الاستنباط قد يتسع لاستخراج المعاني الدقيقة والعلل دون الأحكام، ولذا عرفه الإمام الزمخشري بأنه: "استخراج ما خفي المراد به من اللفظ "[الزمخشري، الفائق في غريب الحديث والأثر، دار المعرفة، ٣ / ٧٣]، حيث جاءت لفظة ما عامة تشمل الأحكام وغيرها.

أسباب سوء الاستدلال وبواعثه

تتنوع بواعث الانحراف في الاستدلال وتتعدد مشاربها، ويمكن إجمالها في النقاط الآتية:

  •  ضعف الأهلية والمكنة العلمية: بقصور أدوات النظر والجهل بقواعد اللسان والأصول، قال الشاطبي: "اتباع نظر من لا نظر له واجتهاد من لا اجتهاد له محض ضلال"[الشاطبي: الاعتصام (٢ / ١٦٦)].
  •  الانتصار للأهواء والأفكار المسبقة: حيث يُجعل النص تاليًا لا متبوعًا، فيُؤول تأويلًا فاسدًا ليكون سندًا لنوادر المذاهب أو الانحرافات الفكرية.
  •   العجز والحيرة عند توهم التعارض: وعدم القدرة على الجمع والترجيح بين الأدلة وفق السنن المعتبرة، وقد نص الإمام القرافي على أن: "المفتي الذي لا يراعي المآلات مخطئ في نظره"[راجع: نظير عياد، فلسفة الثوابت والمتغيرات في التشريع الإسلامي، مجلة الحكمة الإسلامية، مركز الإمام الأشعري، ص٥٩ -٦٤٤].
  •  طلب الدنيا وحيازة المنافع والسلطة: وهو المسلك الذي يسلكه علماء السوء لتطويع النصوص لخدمة مآرب خاصة على حساب المصالح الكلية للأمة.

ومع هذا، وجب التفريق بين العالم المؤهل المجتهد وغيره؛ فالعالم المتمكن إذا غاب عنه النص أو خفي عليه أثره فأفتى بخلافه مجتهدًا، أو سلك الدليل الضعيف ظنًا منه قوته، فإنه معذور بل ومأجور على ناصع نيته وإخلاصه؛ مصداقًا للحديث الشريف: «إذا حكَم الحاكمُ فاجتَهَد ثمَّ أصاب فله أجرانِ وإذا حكَم فاجتَهَد ثمَّ أخطأ فله أجرٌ» [البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد أصاب أو أخطأ، رقم ٧٣٥٢] إلا أن الإصرار على الخطأ بعد تبيّن وجه الحق غيـر مقبول، ويدخل صاحبه في عوار سوء الاستدلال لكون المؤدى هو منابذة النص ومخالفته.

وقد وقعت لنظار الأمة هنات من هذا الباب؛ حيث نقل عن الإمام ابن دقيق العيد أنه صنف مجلدًا ضخمًا جمع فيه المسائل التي خالف فيها مذهب كل واحد من الأئمة الأربعة الحديث الصحيح انفرادًا أو إجماعًا [الفلاني، إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، دار المعرفة، ص ٩٩].

ويحكي الإمام الفخر الرازي عن خطورة الاستمساك بالتقليد مع ظهور النص قوله نقلًا عن شيخه: "شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله في بعض المسائل، وكانت مذهبهم بخلافها فلم يقبلوا تلك الآيات"، ثم يعقب الرازي مرسخًا فداحة الظاهرة بقوله: "ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا ساريًا في عرف الأكثرين" [الرازي، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي١٦ / ٣١].

الجذور التاريخية لظاهرة سوء الاستدلال

يمتد تاريخ سوء الاستدلال بمعناه الواسع في عمق الزمان؛ إذ أنزل الله كتبه لهداية الخلق، فعمد الإنسان إلى التحريف والتبديل تارة، وإلى كتمان النصوص وإخفائها تارة أخرى، أو تأويلها بما يوافق الهوى والمصالح الشخصية؛ وهو أمر مستقر في تاريخ الأديان والملل.

ولم تكن الأمة الإسلامية بدعًا في هذا الباب، غير أن التمايز الجوهري بينها وبين سائر الأمم يكمن في أن الأمة الإسلامية لم تجتمع يومًا على ضلالة أو تأويل فاسد، بل ظلت هذه الظاهرة في فلك المحاولات الفردية، أو انحصرت في فرق معروفة دون السواد الأعظم، وقد بزغت أولى بذور هذا الانحراف منذ عصر التنزيل والوحي، ومن أظهر شواهدها:

  • مسلك المنافقين في عصر الوحي

سجل القرآن الكريم سوء استدلال المنافقين في مواطن شتى؛ ومنها اعتذارهم عن الجهاد بطلب رخصة مبنية على الخوف من الفتنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنۡهُم مَّن یَقُولُ ٱئۡذَن لِّی وَلَا تَفۡتِنِّیۤ﴾ [التوبة: ٤٩]، فقد روي في سبب نزولها أنها أُنزلت في الجد بن قيس حين خاطبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «يا جِدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تقُول في مُجاهدة بَني الأَصْفر؟» قال: يا رسول الله، إِنّي امْرؤٌ صاحِبُ نساءٍ، ومتى أرى نساءَ بني الأَصفر أُفْتَتَنُ فائْذنْ لي في الجلوس، ولا تفْتنِّي [الطبراني، المعجم الكبير، رقم ١٢٦٥٤]، فقد توسل هذا المنافق بالنص الآمر بالعفة وكف النفس عن الفتنة ليعطل به النص القطعي الآمر بالجهاد، فجاء الحكم الإلهي كاشفًا لعوار استدلاله الفاسد بقوله سبحانه: ﴿أَلَا فِی ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُوا۟﴾ [التوبة: ٤٩].

شُبهة مانعي الزكاة بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم

شهدت الحقبة الراشدة تجليًّا أوسع لظاهرة الاستدلال المنحرف؛ حيث تشبث مانعو الزكاة بظواهر النصوص لإسقاط الفريضة، فاحتجوا بقوله سبحانه: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَیۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنࣱ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة: ١٠٣].

وجه استدلالهم

 قالوا إن دفع الزكاة منوط بمَن صلاته ودعاؤه طمأنينة وسكن لنا، وقد انقطع ذلك بوفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإذن فلا زكاة لأحد من بعده [ابن كثير، البداية والنهاية، دار إحياء التراث العربي، ٦ /٣١١]، حيث زعموا أن صيغة الأمر في قوله ﴿خُذۡ﴾ إنما هي خطاب مواجهة خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، فليس لغيره من ولاة الأمور سلطة جبايتها.

وقد تسارعت وتيرة هذه المحاولات الاستدلالية الفاسدة وتعمقت فجوتها مع نشوء الفرق الكلامية والسياسية في أواخر عهد الصحابة؛ حيث تنكبت تلك الفرق المناهج العلمية المستقرة، وولدت مسالك شتى في تكييف النصوص ولّدت أثرًا مستمرًا في واقع الفكر الإسلامي إلى يومنا هذا، وتمثل ذلك التمزيق المنهجي في مسلكين:

 أحدهما: جمد على ظواهر النصوص وعزلها عن سياقاتها ومقاصدها الكلية، فنشأ عن ذلك الغلو والتشديد؛ والآخر: أسرف في التأويل والتمطيط الدلالي بدافع الهوى الفكري المنحرف، فأخرج النصوص عن حقائقها اللغوية والشرعية.

وكان من ثمار هذا الانشطار ظهور بوادر الاستدلال الانتقائي الذي يُسقط النص على المذهب لا المذهب على النص، وهو الخلل المنهجي الممتد الذي تتغذى عليه جماعات الغلو الفكري والمعاصر في واقعنا الحديث، فتلاقت التيارات العلمانية والإلحادية المعاصرة مع هذا المسلك الانحرافي من طرفه الآخر؛ حيث اتخذوا من ذات الاستدلال الانتقائي المتكئ على انتزاع النصوص من سياقاتها وسيلةً للتشغيب على الشريعة، والادعاء بوجود تناقض في بنيتها المتكاملة، أو اتخاذ العبارات المبتورة ذريعةً لطعنٍ إلحادي، أو مسوّغًا لعزل الدين عن فضاء الحياة وتوجيه المجتمعات.

الخلاصة

إن مشكلة سوء الاستدلال بالنصوص ليست وليدة العصر، بل هي خلل منهجي عابر للأزمنة والتوجهات؛ تلاقت فيه قديمًا جماعات الغلو والانغلاق مع تيارات التحلل والعلمانية حديثًا؛ نتيجة انتزاع النصوص من سياقاتها الكلية ومقاصدها الحاكمة، مما يفرض وجوب العودة للأدوات الأصولية المنضبطة لبيان مرونة الشريعة وحفظ قطعياتها ومواكبة متغيراتها.

موضوعات ذات صلة

القياس عند الأصوليين هو إثبات حكم لفرع غير منصوص عليه بناءً على حكم أصل منصوص عليه

الاستدلال استنتاج نتيجة من قضية أو أكثر، وأنواعه: تقابل وغير مباشر.

الاستدلال عند الفلاسفة يقارب البرهان، وغايته طلب العلم اليقيني نظريًّا.

موضوعات مختارة