وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في الثاني والعشرين من أغسطس يقف الضمير الإنساني أمام مرآة التاريخ، ليتأمل واحدةً من أعظم المآسي التي تتكرر في مسيرة البشر: مأساة العنف المسلَّط على الإنسان بسبب دينه أو معتقده، إن هذا اليوم الدولي لإحياء ذكرى الضحايا ليس مجرد رقمٍ في تقويمٍ، ولا مناسبةً عابرةً في سجلّ الأمم، بل هو وقفة صدق مع النفس، ونداء رحمةٍ يذكِّرنا بأن الدين في جوهره رسالة سلام، وأن الإيمان الحق لا يُسفك به دم، ولا تُهدر به كرامة، ولا يُجعل سبيلًا للتمييز بين عباد الله.
في هذا اليوم نستحضر رسالة السماء في نقائها الأول: أن الخلق كلهم في رحمة الله، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم، وأن حفظ النفس الإنسانية غايةٌ كبرى من مقاصد الشرائع، وإذا كان التاريخ قد سجّل صفحات دامية من اعتداءات ارتُكبت باسم الدين، فإن أعظم تكريمٍ للضحايا هو أن نُعيد إلى الأديان وجهها المشرق، وأن نُقيم في وعينا ومؤسساتنا ودولنا سدودًا منيعةً أمام كل فكرٍ يحرّض على الكراهية أو يفتح الباب للعنف.
في زحمة الحياة وضجيج الأحداث، يظل لزامًا على الضمير الإنساني أن يقف وقفة صدق، يستعيد فيها ذكرى الأبرياء الذين أُريقَت دماؤهم أو شُرّدوا لمجرّد اعتناقهم دينًا أو تمسّكهم بمعتقد، إن اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا العنف القائم على أساس الدين أو المعتقد ليس رقمًا في التقويم، بل هو نداء يوقظ القلوب، ويذكّر البشرية أن الرحمة أسمى من الكراهية، وأن العدل أرسخ من الطغيان، وأن حفظ كرامة الإنسان هو الغاية الكبرى التي نادت بها الشرائع وتاقت إليها الفِطَر السليمة.
ونلاحظ أن الله تعالى لم يقل "ولقد كرمنا المسلمين"، بل قال: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، إن هذا التكريم الإلهي هو وسام على صدر كل إنسان، بغض النظر عن لونه أو دينه أو عرقه، فكيف لمن يؤمن بهذا التكريم الإلهي أن يهين أو يعتدي على من كرمه الله بيده؟ إن العنف باسم الدين هو في حقيقته تمرد على هذه الإرادة الإلهية، واعتداء على هذا التكريم الرباني، فرسالة الإسلام ثورة لتحرير الإنسان، وأي ممارسة تستعبد الإنسان أو تزهق روحه باسمه هي خيانة لهذا المنهج القويم.
حين نتأمل هذا اليوم، نجد أنفسنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن للإيمان - الذي هو بطبيعته دعوة للمحبة والسلام - أن يتحول إلى مبرر للعنف والقتل؟ إن هذا السؤال يحيلنا إلى عمق المأساة الإنسانية، حيث تتحول النصوص المقدسة من هداية إلى سلاح، والعبادة من تزكية للروح إلى تبرير للظلم.
لقد علمتنا التجارب الإنسانية أن الدين الحق لا يدعو إلا للخير والجمال والحق، وأن كل عنف يُمارس باسم الدين إنما هو تحريف لجوهره وانحراف عن مقاصده النبيلة، فالله - سبحانه وتعالى - يقول: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ﴾ [الإسراء: ٣٣]، ويقول - جل شأنه: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَیۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادࣲ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰا﴾ [المائدة: ٣٢] .
إن من أخطر ما يواجه الحضارة الإنسانية اليوم هو استخدام الدين كأداة للتفريق والهدم بدلًا من كونه أداة للبناء والتوحيد، وهنا تكمن المفارقة العجيبة: فبينما نرى الأديان تدعو إلى العدل والرحمة والتسامح، نجد من ينتسب إليها يمارس أبشع أنواع القمع والإرهاب.
إن الإيمان الحقيقي يصنع الإنسان الحضاري الذي يحترم الآخر ويقدر كرامته الإنسانية، بينما التطرف يصنع وحشًا يفتك بكل من يخالفه الرأي أو المعتقد، والفرق بين الاثنين كالفرق بين النور والظلام، بين العمران والخراب.
لو تأملنا التاريخ الإنساني، لوجدنا أن أعظم الحضارات قامت على أسس التسامح الديني والفكري، بينما انهارت تلك التي اعتمدت على العنف، ولنا في مجتمع المدينة المنوَّرة أولَ العهدِ بالإسلام أبلغُ مثالٍ على التعايش السِّلمي بين المسلمين وغيرهم من يهود؛ حيث جمعهم ميثاقٌ يقوم على العدلِ وحفظِ الحقوقِ وصونِ الكرامة، ثم تكرَّر المشهد في الأندلس في أوج ازدهارها كانت مثالًا رائعًا على التعايش السلمي بين الأديان؛ حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود جنبا إلى جنب، يتبادلون المعرفة ويثرون الحضارة الإنسانية.
وفي المقابل، نرى كيف أن محاكم التفتيش والحروب الدينية في أوروبا، والصراعات الطائفية في مختلف بقاع العالم، قد خلفت وراءها دمارًا هائلًا وأنهارًا من الدماء، دون أن تحقق أي تقدم حقيقي للبشرية.
إن الحل لمشكلة العنف الديني لا يكمن في إلغاء الأديان أو تهميشها، بل في العودة إلى جوهرها الحقيقي وفهمها فهمًا صحيحًا، فكل دين سماوي يدعو إلى العدل والرحمة والمحبة، ويحرم الظلم والعدوان والبغي.
إن التعليم الديني الصحيح، والحوار البناء بين أتباع الأديان المختلفة، وتعزيز قيم التسامح والاحترام المتبادل، كلها عوامل ضرورية لمواجهة خطر التطرف والعنف الديني، كما أن على علماء الدين والمفكرين مسؤولية عظيمة في تصحيح المفاهيم الخاطئة وتقديم الفهم الصحيح للنصوص الدينية.
في هذا اليوم، نتذكر كل من سقط ضحية للتعصب والكراهية، ونعاهد أنفسنا على أن نكون سفراء للسلام والمحبة في عالم يموج بالصراعات والفتن، إن كرامة الإنسان لا تُقدر بدينه أو عرقه أو لونه، بل بإنسانيته التي كرمها الله عز وجل.
فلنجعل من هذا اليوم بداية لعهد جديد، عهد نتعلم فيه كيف نختلف دون أن نتعادى، وكيف نعبد الله حق عبادته بأن نحترم خلقه ونرحم عباده.
إن الله لم يخلق البشر مختلفين عبثًا، بل لحكمة بالغة، وهي أن نتعارف ونتعاون في بناء هذه الأرض وعمارتها بالخير والعدل والجمال، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣].
ختامًا لنجعل من ذكرى هذا اليوم دافعًا لنا نحو بناء عالم أكثر تسامحًا وعدلًا، عالم تسوده المحبة بدلًا من الكراهية، والحوار بدلاً من العنف، والتعايش بدلًا من الصراع، فالإنسانية جمعاء في سفينة واحدة، وعلينا جميعًا أن نتعاون لنجعلها تبحر نحو بر الأمان والسلام.
إن أعظم تكريم لذكرى الضحايا هو أن نتعهد ألا نسمح للعنف الديني بأن يحصد المزيد من الأرواح البريئة، وأن نعمل جميعًا من أجل عالم يسع الجميع، عالم تشرق فيه شمس العدل والرحمة على كل البشر، بغض النظر عن دينهم أو معتقدهم.
إن ذكرى ضحايا العنف القائم على أساس الدين أو المعتقد تُلزمنا جميعًا أن نردّ للدين وجهه المشرق، وأن نصون قداسة الحياة وكرامة الإنسان التي كرّمها الله، وأن نحمل للعالم خطاب رحمةٍ وسلامٍ يفتح أبواب التعارف والتعاون بين البشر، فذلك هو العدل الذي ترضاه السماء، وتطمئن إليه الفِطر، وتقوم به الحضارات.
العنف الأسري ظاهرة خطيرة تؤثر سلبًا على أفراد الأسرة والمجتمع
يشكّل العنف تهديدًا خطيرًا لاستقرار المجتمعات عبر العصور، إذ يؤدي إلى الانقسام وزرع الكراهية بين أفراد المجتمع
قضية العنف ضد الأطفال تتجاوز كونها مشكلة سلوكية لتصبح أزمة إنسانية وأخلاقية عميقة