كيف يوازن مذهب أهل السنة بين إثبات الصفات وتنزيه الخالق؟
يثبت أئمتنا صفات الكمال لله تعالى بلا تمثيل، وينفون عنه صفات النقص والتحيز والتشبيه بلا تعطيل، تحقيقًا للتوحيد الأقدس.
كيف يوازن مذهب أهل السنة بين إثبات الصفات وتنزيه الخالق؟
يثبت أئمتنا صفات الكمال لله تعالى بلا تمثيل، وينفون عنه صفات النقص والتحيز والتشبيه بلا تعطيل، تحقيقًا للتوحيد الأقدس.
لقد درج السلف الصالح -رضي الله عنهم- على إيمانٍ يملأ القلوب تعظيمًا، فأثبتوا لله -تعالى- كل كمال يليق بذاته المقدسة، مع نفي كيفياتٍ تُحير العقول، أو انزلاقٍ إلى تشبيهٍ يقطع الأصول، إنَّ الموقف السلفي الحقيقي هو ما استقر عليه أئمة المذاهب الأربعة، فلما ظهرت نوابت التجسيم والتشبيه التي تشبثت بظواهر النصوص دون فقه مراميها، تصدى لهم أئمة الهدى كالأشعري والماتريدي، فأقاموا الحجة على صيانة جناب الربوبية عن مشابهة المخلوقين، كقوله تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، [ انظر: (الأسماء والصفات) للبيهقي، و(مقالات الإسلاميين) للأشعري].
يتحركُ الفكرُ العقديُّ السنيُّ في فلكِ (الإثباتِ الـمُنزَّه)؛ حيثُ قررَ أئمتُنا أنَّ كلَّ كمالٍ مُطلقٍ ثبَتَ للمخلوقِ فالخالقُ أولى به بلسانِ العقلِ والشرعِ معًا، إذْ لا يقبلُ النظرُ السليمُ أن يكونَ الـمُوجِدُ أنقصَ من الـمُوجَد، ومن هنا استنبطَ المحققونَ (صفاتِ المعاني) السبع (العلم، والإرادة، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام) كأصولٍ تنبثقُ عنها كمالاتٌ إلهيةٌ لا يحدُّها عدٌّ ولا يحصرُها استقصاء.
وفي قبالةِ ذلك شيَّدَ المتكلمونَ حِصنَ (التنزيه) عبرَ ما يُعرف بـ(الصفاتِ السلبية)، وهي التي تَسلبُ وتَنفي عن الذاتِ العليةِ كلَّ ما يقدحُ في جلالِ قُدسِها؛ كنفْيِ الجسميةِ، والتحيزِ في المكان، والتقيدِ بالزمان، أو الحلولِ في الحوادث.
وبذلكَ تجلَّى مذهبُ أهلِ السنةِ وسطًا عدلًا بين تيهِ (التعطيلِ) الذي انزلقت إليه المعتزلةُ حين ظنوا أنَّ إثباتَ الصفاتِ يقدحُ في (التوحيد)، وبين غُلُوِّ (التجسيمِ) الذي سقطت فيه الحشويةُ حين أثبتوا للهِ حُروفًا وأصواتًا حادثةً قائمةً بذاتِه، غافلين عن حقيقةِ (الكلامِ النفسيِّ القديم) الذي هو صفةٌ أزليةٌ قائمةٌ بذاتِ الربِّ، لا تشبهُ بحالٍ أصواتَ المخلوقين ولا تقطيعَ حُروفِهم [(الاقتصاد في الاعتقاد) للإمام الغزالي، (شرح العقائد النسفية) للإمام التفتازاني]، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
إنَّ عقيدةَ (التوحيد) في ميزانِ أهلِ الحقِّ ليست مجردَ رقمٍ حسابي، بل هي شهودٌ لجلالِ (الأحدية) التي تَنفي التجزؤَ والتبعض، ولعظمةِ (الواحدية) التي تقطعُ دابرَ الشريكِ والند، فاللهُ -سبحانه -(واحدٌ) في ذاتِه لا قسيمَ له، و(واحدٌ) في صفاتِه لا شبيهَ له، و(واحدٌ) في أفعالِه لا شريكَ له.
ويأتي اسمُ الجلالةِ (الله) ليكونَ المآبَ الأسمى والعلَمَ الأقدس، الجامعَ لآحادِ الذاتِ بكلِّ ما استحقتهُ من كمالاتِ الأزل، وقد شيدَ أئمتُنا من الأشاعرةِ والماتريديةِ برهانًا ساطعًا قضى بأنَّ الصفاتِ ليست غيرًا للذاتِ فتوجبَ التعدد، وليست هي عينَ الذاتِ فتؤدي إلى التعطيل؛ بل هو تغايرٌ يلحظُه (المفهومُ الذهني) لاستيعابِ سعةِ الكمال، بينما يظلُّ الوجودُ الخارجيُّ حقيقةً صمديةً واحدة.
وهذا التحقيقُ هو النورُ الذي يحفظُ التوحيدَ من أن يرتطمَ بصخرةِ (النظرةِ الحسية)، تلك النظرةُ التي تتوهمُ في الإلهِ تركيبًا أو احتياجًا أو أعضاءً، غافلةً عن أنَّ جنابَ الحقِّ أقدسُ من أن تُدركَ كُنهَهُ أوهامُ المجسمةِ أو خيالاتُ المشبهة، قال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ﴾ [سورة الإخلاص: ١-٢]، [انظر كتاب: (إشارات المرام من عبارات الإمام) للمحقق كمال الدين البياضي].
لقد ذهب ابن تيمية ومن تبعه إلى تقسيم التوحيد إلى (ربوبية وألوهية)، زاعمين أن توحيد الربوبية فطري لا يكفي للنجاة، بينما انصب جهد الرسل على توحيد الألوهية، وقد واجه علماء أهل السنة هذا التقسيم بالنقد العلمي المنهجي، معتبرين إياه (بدعة منكرة) تفرق ما جمعه الشرع، وتفتح بابًا لتكفير المسلمين بغير حق، فالمسلم الذي يوحد الله ربًا، لا يراه إلا إلهًا مستحقًا للعبادة، والوحدانية في لسان العرب والشرع حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة، إنَّ هذا التقسيم أدى بالبعض إلى التشكك في مفهوم (الأحدية) التي تنفي التجزؤ، خشية أن تؤدي إلى تأويل الصفات، وهو توجسٌ أضعفَ جانب التنزيه في الفكر التيمي، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [أخرجه البخاري (٢٥)]، ولم يفرق النبي بين ربوبية وألوهية.
إنَّ مذهبَ أهلِ السنة هو الصراطُ السويُّ الذي أثبتَ الصفاتِ بلا تمثيل، ونزّهَ الذاتَ بلا تعطيل، مقدمًا (الوحدانية) كبناءٍ متماسكٍ ينفي الشريكَ والشبيهَ والجزءَ والحيز، وبذلك تبقى عقيدةُ الإسلامِ صافيةً من كدرِ التشبيه، ونورانيةً تليقُ بجلالِ مَن ليس كمثله شيءٌ وهو السميعُ البصير.
إنَّ كمالَ التنزيهِ هو الحصنُ الحصينُ الذي يَقِي الوعيَ من عواصفِ الغلوِّ.
إنَّ قراءة فكر الخوارج ليست مجرد استدعاء للتاريخ، بل هي كشفٌ لمكامن الداء الذي يهدد جسد الأمة.
الجهاد في الإسلام فريضة مشروطة بضوابط تمنع الفوضى وسفك الدماء.