في بستان التلاوة المصرية، تشرق أسماء حُفرت في وجدان الأمة بأصواتها النورانية؛ ومن أبرز هذه القامات الخالدة فضيلة الشيخ محمود علي البنا، الذي طاف بصوته العذب مشارق الأرض ومغاربها، تاركًا إرثًا قرآنيًا خالدًا لا تغيب شمسه.
في بستان التلاوة المصرية، تشرق أسماء حُفرت في وجدان الأمة بأصواتها النورانية؛ ومن أبرز هذه القامات الخالدة فضيلة الشيخ محمود علي البنا، الذي طاف بصوته العذب مشارق الأرض ومغاربها، تاركًا إرثًا قرآنيًا خالدًا لا تغيب شمسه.
ولد الشيخ محمود على البنا في عام ١٩٢٦ بقرية (شبر باص) مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية، وهناك تعلم العلوم الإسلامية، وحفظ القرآن الكريم بكتاب القرية، وهو في الحادية عشرة من عمره، وكانت هوايته تقليد صوت كل شيخ يصل إلى أذنه، فكان يقرأ القرآن بصوت الشيخ محمد السعودي قارئ مسجد السيد البدوي في ذلك الوقت، ثم عشق صوت قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت وبدأت رحلته مع القرآن الكريم بعد انتقاله إلى معهد المنشاوي الديني بطنطا.
ممن تتكون أسرة الشيخ البنا؟
أنجب الشيخ سبعة أبناء خمسة ذكور وبنتين الأكبر هو المهندس شفيق البنا برئاسة الجمهورية ويليه المحاسب علي البنا خبير كمبيوتر والمحاسب أحمد البنا ويعمل قارئًا للقرآن في الوقت الحالي ثم الدكتور محمد البنا وهو طبيب ثم شرف البنا ويعمل محاسبًا وبنتان متزوجتان والحمد لله.
وقد وفد الشيخ البنا إلى القاهرة عام ١٩٥٤، وتقابل وقتها في أحد الاحتفالات الدينية مع اللواء محمد صالح باشا حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين الذي عرض عليه أن يفتتح المحاضرات التي تقيمها الجمعية في ذلك الوقت كل ثلاثاء، وكانت تحضر المحاضرات شخصيات عربية اتخذت من مصر وطنًا لها أمثال عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي والملك السنوسي وغيرهم.
وفي عام ١٩٤٨ أقامت جمعية الشبان المسلمين حفلًا دينيًا كعادتها كل عام وكان الحفل من دار الأوبرا، وجاءت الإذاعة لنقله على الهواء مباشرة، وحينما صعد الشيخ البنا إلى المنصة لتلاوة القرآن، اعترض المذيع في ذلك الوقت بحجة أن الشيخ البنا غير مقيد بالإذاعة ولابد أن يكون معتمدًا بها، فتدخل صالح باشا حرب وكان موجودًا بالحفل أيضًا أحمد ماهر باشا وطلب صالح باشا من رئيس الإذاعة الإذن للشيخ بالقراءة.
على أن يأتوا بعد ذلك في المرات القادمة بقارئ معتمد، وأجرى له اختبار فاز فيه بالمركز الأول واعتمد قارئًا بالإذاعة، وكان معه في ذلك الوقت الشيخ مصطفى إسماعيل الذي أخذت الإذاعة تتفاوض معه منذ عام ١٩٤٥ حتى يقبل أن يقرأ بها.
ولكنه كان يرفض تلاوة القرآن في أماكن مغلقة وكان هناك أيضًا الشيخ محمود خليل الحصري والشيخ كامل يوسف البهتيمي.
اختير الشيخ البنا للقراءة بالمساجد، عين بمسجد الملك بحي حدائق القبة بشارع مصر والسودان ثم مسجد الرفاعي ثم صدر قرارًا بتعيينه قارنًا بمسجد الإمام الحسين عام١٩٥٩ وفي نفس اليوم صدر قرارًا بندبه قارئًا للسورة بالمسجد الأحمدي بمدينة طنطا، وظل به أكثر من واحد وعشرين عامًا، انتقل بعدها إلى مسجد الإمام الحسين بالقاهرة عام ۱۹۸۰ وظل به حتى وفاته.
ولما ذاعت شهرته خارج مصر تلقى عدة دعوات شخصية لإحياء ليالي رمضان في كل من الكويت وأبي ظبي وغيرهما، كما أوفدته وزارة الأوقاف إلى العديد من الدول العربية وكذلك إلى بعض الدول الأسيوية: الهند وماليزيا وسنغافورة وأندونسيا، وسافر إلى النمسا في حفل افتتاح أول مسجد بها، وذهب إلى ألمانيا بدعوة من هيئة الاستعلامات لزيارة الجمعيات الإسلامية بفرانكفورت وبون وكولونيا وميونخ، وكذلك لندن وباريس.
وفي لقاء أجري مع الشيخ البنا بمنزله بعد رحلاته الكثيرة: يا مولانا صف لنا مشاعر استقبال هؤلاء الناس لكم على الرغم من أنهم في بلد أوروبي أو آسيوي غير عربي.
فبادر فضيلته رحمه الله صاحب اللقاء بقوله: لا أصف لك مدى الفرحة التي قوبلت بها، ويكفي أن تعرف أنهم كانوا يأتون من مسافات بعيدة تبعد مئات الأميال بزوجاتهم وأولادهم، هذه الشعوب وكان يقصد الشعوب الآسيوية أكثر تعلقًا بالقرآن، فهم يستقبلونك بالورد لأنهم يعتبرون أن القبلة التي يتجهون إليها: الكعبة المشرفة.. والأزهر الشريف.
وقد بكى الشيخ البنا في ماليزيا، وكان رئيسًا للجنة التحكيم في المسابقة الدينية الدولية للقرآن وذلك عندما مرت من أمام المنصة مجموعة من الطلبة الصغار وهم يتكلمون الأردية لغتهم.. وكانوا يرددون بالعربية (رمضان رمضان يا شهر القرآن)، هنا انسكبت الدموع من عينيه على هذه التلقائية الدينية.
وفي المدينة المنورة وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلج صوته وهرب منه لرهبة المكان فكيف وهو المخلوق الضعيف يقرأ القرآن على من أنزل عليه القرآن وقرأ على قدر استطاعته وفي اليوم التالي قرأ أفضل من سابقه فقد شعر بأنه أخذ تصريحًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عارض الشيخ وبشدة تلحين القرآن.. وهي فكرة كانت قد راودت البعض، وذلك لأن القرآن موسيقى بطبعه، فآياته وكلماته موسيقية، ولاسيما إذا كان صوت القارئ جيدًا، وهذا لا يمنع من إلمامه بفنون الموسيقى، كأن يعرف العزف على العود مع حفظه لبعض الموشحات القديمة: ويعرف أيضًا المقامات الموسيقية كالصبا والنهاوند، لأن القرآن به أيات تبشير ووعيد ونذير وتخويف وآيات تشريع، فكل منها له معنى معين، فإذا ما طوعت الموسيقى وكان القارئ قادرًا على تطويعها بصوته أثناء التلاوة مع التزامه بعلوم القرآن.. يكون بذلك من أكبر القراء في عصره.
أما عن مسألة مغالاة البعض في أجرهم، فأكد رأيه بقوله: هذه المسألة عرض وطلب ليست فرضًا على أحد فكل حسب إمكاناته، فهناك من يقيم سرادقًا ضخمًا يدعو إليه كبار القراء وهناك من يكتفى ببيته، وعضد رأيه في ذلك برأي اثنين من العلماء الأجلاء هما الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق والشيخ محمد متولي الشعراوي اللذان أقرا بأن الأجر حلال، وذلك لأن القارئ لا يفرض شروطًا على أحد، وهي مسألة عرض وطلب، ليست أجرًا للقرآن نفسه ويسميه العلماء أجر احتباس نظير عمل).
وحول حق المرأة في تلاوة القرآن.. كان للشيخ البنا رأى يقول: نعم يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن على أن تكون حافظه له، ومجودة وملتزمة بالأداء القرآني السليم، على أن تقرأه في جمع من النساء ففي الأربعينيات كانت هناك قارئات للقرآن بالإذاعة ولكن تناقص عددهن وذلك لانصراف الناس عن تحفيظ المرأة القرآن.
وقد عمل الشيخ البنا نائبًا لرئيس نقابة القراء التي أنشئت بقرار جمهوري في عام ١٩٨٤.. ووافق عليه مجلس الشعب، ووقتها اختير لرئاستها الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.. وشيخنا نائبًا له والشيخ محمد الطوخي أمينًا لصندوقها، والشيخ أحمد الرزيقي سكرتيرًا لها وخمسة عشر عضوا آخرين.
وكان شيخنا البنا يردد دائمًا أنه لابد من العودة إلى كتاب الله، وذلك بإعادة فتح الكتاتيب لحفظ القرآن ومحاسبة القارئ المخطئ بعد ذلك عن طريق لجان اختبار تمر عليه حتى تثبت كفاءته ليكون أهلًا لأن يطلق عليه لقب (قارئ).
عدة آمال كانت تراود خيال الشيخ الجليل، فلم يقرأ القرآن فقط بل كان يعمل بكل ما أعطاه ربه من جهد المفاهيم العالقة بأذهان البعض عن قارئ القرآن.. ورجل الدين بصفة عامة للأسف، ولكن القدر كان له معه رأى آخر.
كانت تربطه بفضيلة الشيخ متولي الشعراوي رابطة قوية حتى أنه طلب استدعائه قبل وفاته بساعات وأوصاه بالتشريفة.
أما بخصوص التشريفة فقد طلب الشيخ البنا صبيحة يوم الجمعة وقبل وفاته بيوم واحد أن تبلغ فضيلة الشيخ الشعراوي بأنه يريد رؤيته فقال له أحد أبنائه: إن فضيلة الشيخ الشعراوي في محافظة البحر الأحمر يسجل حلقه حول خواطره في القرآن الكريم فقال الشيخ البنا: لقد عاد من البحر الأحمر، فأرسلوا إليه، فقاموا بالاتصال به فحضر إليه وبمجرد أن رآه فضيلة الشيخ الشعراوي يرقد على فراشه نظر إليه صامتًا ثم انهار في البكاء.
وظل على هذا الحال إلى أن قال له الشيخ البنا: التشريفة يا شيخ متولي، والشيخ الشعراوي لا يكف عن البكاء. فقال له الشيخ البنا: مع السلامة يا شيخ متولي، فأخذ الشيخ الشعراوي يقبله ويقبل يديه ورأسه وإذا بالشيخ البنا يفعل كذلك، ويقبل يد الشيخ الشعراوي ورأسه، ويكرر عليه مع السلامة يا شيخ متولي فقال له فضيلة الشيخ الشعراوي متوسلًا دعني أجلس معك قليلًا فقال له: لقد دني الأجل مع السلامة يا شيخ متولي فرج الإمام وهو يجهش بالبكاء.. وبعدها مباشرة أخذت عيني الشيخ تحلق بالنظر إلى سقف الحجرة قائلًا: هذا قبري وهذا مسجدي وهذه جنازتي وهاهم الناس يبكون من أجلي، وها هو أخي يجلس في مكان كذا وأخذ يصف جنازته، وتوفي رحمة الله عليه في اليوم التالي، في التاسع من شهر يوليو عام ١٩٨٥طویت آخر صفحاته مع الدنيا.
وقد كرمه الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بمنحه وسام العلوم والفنون عام ١٩٩٠ في الاحتفال بليلة القدر، وتسلم الوسام ابنه الأكبر المهندس شفيق البنا، وكرمته محافظة سوهاج بإطلاق اسمه على القري الجديدة بالمحافظة، كذلك أطلقت محافظة الغربية اسمه على الشارع الرئيسي بجوار المسجد الأحمدي بمدينة طنطا، كذلك أطلقت محافظة القاهرة اسمه على أحد شوارعها.
مراجع للاستزادة:
[معجم كبار القراء في مصر، تأليف عبد الحميد دشو، ص٦]
[شكري القاضي، عباقرة التلاوة في القرن العشرين، ص١٤٢].
[محمود الخولي، أصوات من نور، ص١١٦].
[أحمد البُلك، أشهر من قرأ القرآن في العصر الحديث، ص١٠٨].
[محمود السعدني، ألحان السماء، ص٨٥]
لخّصت مسيرة الشيخ البنا رحلة نورانية بدأت بشغف الطفولة ومحاكاة النور، وتوّجت بعبقرية تلاوة ومواقف نقابية مخلصة، فاستحق تكريم الدولة، وظلت حنجرته الذهبية مدرسة ربانية تصدح بالحق وتفيض بالخشوع في قلوب الملايين.
السيرة المذهلة للشيخ "أحمد ندا"، العبقري الذي أسس دولة التلاوة
يُعد الشيخ محمد حسن النادي أحد عباقرة تلاوة القرآن الكريم والإنشاد الديني في مصر
يُعد الشيخ محمود البجيرمي واحدًا من أعذب الأصوات الخاشعة في دولة التلاوة المصرية
فضيلة الشيخ عامر السيد عثمان علم من أبرز أعلام القراءات في العصر الحديث
هو عثمان بن سعيد، الذي وهب حياته لكتاب الله