العنصر
الأول: تحديد هوية قارون
نص القرآن الكريم على تحديد هوية قارون وبيَّن
أصله، وأنه من بني إسرائيل، وذكر المفسرون والمحدثون قرابته من سيدنا موسى - عليه السلام - وذكروا
علاقته بفرعون وهامان كما سيأتي.
أ- نص الآية الكريمة التي تحدد أصله:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَیۡهِمۡۖ﴾ [القصص: ٧٦]، وفي هذه الآية يزيل القرآن الكريم أيَّ التباسٍ في شأن قارون؛ فهو من بني
إسرائيل، ومن قوم موسى - عليه السلام - وقد ذكر عدد من المفسرين أنه كان ابن عمِّ موسى - عليه السلام - وكان من أثرى أهل زمانه، فبغى على قومه حين ظن أن ما أوتيه من مالٍ إنما
كان بجهده وعلمه
ب- أقوال المفسرين في هويته
ونسبه:
أشار المفسرون إلى أن قارون ينتمي إلى بني
إسرائيل، وأنه قريبٌ من موسى - عليه السلام - وقد فصَّل الحافظ ابن حجر العسقلاني هذه
المسألة بدقة في شرحه لصحيح البخاري، فقال: "هو قارون بن يصفد بن يصهر، ابن
عم موسى، وقيل: كان عم موسى، والأول أصح، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن ابن
عباس أنه كان ابن عم موسى. قال: وكذا قال قتادة وإبراهيم النخعي وعبد الله بن
الحارث وسماك بن حرب" [ينظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، (بيروت:
دار المعرفة)، جـ ٦، صـ ٤٤٨].
كما جاء في (جامع البيان) للإمام الطبري: "يقول الله - تعالى ذكره: ﴿إِنَّ قَٰرُونَ﴾ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ﴿كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ﴾
يقول: كان من عشيرة موسى بن عمران
النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو ابن عمه
لأبيه وأمه" [ينظر: الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، تحقيق أحمد
محمد شاكر، جـ ٢٠، صـ ١٠٥].
وجاء في "تفسير ابن كثير":
"إن قارون من بني إسرائيل، وكان ابن عم موسى - عليه السلام" [ينظر: ابن كثير، تفسير
القرآن العظيم، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط١، ١٤١٩هـ)، جـ ١٠، صـ ٤٨].
ج- علاقته بفرعون وهامان:
وعلى الرغم من أن قارون من بني إسرائيل، فإنه
عاصر فرعون وهامان، واتخذ مواقف اتسمت بالاستعلاء والبغي، كما يظهر من الآيات التي
جمعته معهما في سياق الذم والعقاب، فهو لم يكن معاصرًا لموسى - عليه السلام - فحسب، بل
كان أيضًا مشاركًا لفرعون وهامان في التكبر والاستكبار، وإن اختلف عنهم في الأصل والنسب
.
العنصر الثاني: تحديد هوية هامان
– لقب أم شخص؟ ودحض الفرضية الفارسية
لقد تبين من خلال الاكتشافات الحديثة أن لهامان
وجودًا في العصر الفرعوني، وأن اللغة العربية تحمل معنىً للكلمة، كما أن السياق القرآني
يدل على أن هامان كان أحد رجال فرعون، كما سيأتي بيانه.
أ- هامان في الكتابات المصرية القديمة:
لقد تبين مما كشفه علماء الآثار والمصريات
أن اسم (هامان) كان يُطلق على رئيس عمال المناجم والمقالع في عصر الفراعنة [ينظر: نقوش وبرديات مصرية
قديمة]، وكان اللفظ في اللغة المصرية
القديمة يدل على معنى (رئيس عمّال المقالع) أو (المشرف الأكبر على المعماريين)، وقد
يُنطق في النقوش الهيروغليفية بصيغة قريبة من Ḥm-nt، وهو ما يقارب
لفظ (هامان) .
ب- معنى الاسم في اللغة العربية
القديمة:
ويتصل بهذا الكشف ما أشار إليه بعض الباحثين
من أن كلمة (هامان) في العربية قد تُستعمل بمعنى (نائب الرئيس) [ينظر: موريس بوكاي، الكتاب
المقدس والقرآن والعلم الحديث، الطبعة العربية]، وهكذا يتبين أن هامان لم يكن اسم علم لشخص فارسي، بل كان لقبًا وظيفيًّا رفيعًا
في الدولة المصرية القديمة، وزيرًا لفرعون ومسؤولًا رئيسيًّا عن أعمال بناء الأهرامات
والمعابد ، وهو ما يفسر اشتراكه في التكبر والطغيان مع فرعون.
ج- السياق القرآني:
يأتي في القرآن: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِءَایَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنࣲ مُّبِینٍ ٢٣ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُوا۟ سَٰحِرࣱ كَذَّابࣱ﴾ [غافر: ٢٣-٢٤]، وجاءت الإشارة إلى هامان إلى جوار فرعون باعتباره من الرموز
البارزة في دولة فرعون التي عاصرت موسى - عليه السلام.
د- لماذا اعترض المبشرون على
هامان وما هو الرد؟
ادّعى بعض المبشرين الأوائل أن كلمة (هامان)
من أصل فارسي، وأرادوا من ذلك إثبات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اقتبس القصة من التوراة
(التي لا تذكر اسم هامان)، غير أن اكتشاف النقوش المصرية في القرن التاسع عشر أثبت
أن (هامان) كان اسمًا لوظيفة أو منصب مصري قديم، وبذلك يكون القرآن الكريم قد ذكر هذا
الاسم في سياقه التاريخي الصحيح، وهو ما يعد دقةً تاريخيةً ولغويةً في العرض القرآني.
العنصر الثالث: معنى العطف في الآية
– الاشتراك في تأثير العامل
من المغالطات التي وقع فيها أصحاب هذه الشبهة
أنهم ظنوا أن عطف الأسماء بعضها على بعض يقتضي تماثلها في جميع الصفات، كالجنسية أو
المنصب، وهذا ظنٌّ غير صحيح. وقد صرّح علماء اللغة بأن: "ومعنى العطف الاشتراكُ في تأثيرِ العامل" [ينظر: ابن يعيش، شرح
المفصل، (القاهرة: المطبعة الأزهرية)، جـ ٣، صـ ٧٤]، فالواو حرف عطف يفيد مطلق الجمع، ولا يفيد
التساوي في الأوصاف؛ فقد يُعطف الشيء على مصاحبه، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَنجَیۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِینَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥] وعلى سابقة نحو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحࣰا وَإِبۡرَٰهِیمَ﴾ [الحديد: ٢٦] وعلى لاحق نحو قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ یُوحِیۤ إِلَیۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكَ﴾ [الشورى: ٣].
ويجوز أن يكون بين المتعاطفين تقاربٌ أو تراخٍ،
نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَاۤدُّوهُ إِلَیۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ [القصص: ٧] ، فالرد قريب
الوقوع، والإرسال متأخر في الزمن بسنين [ينظر: ابن هشام
الأنصاري، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، (تحقيق: مازن المبارك، بيروت: دار الفكر)،
جـ ١، صـ ٢٢٦].
وقد نُظمت هذه القاعدة في منظومة ابن مالك،
فقال:
فاعطف بواو لاحقًا أو سابقًا
... في الحكم أو مصاحبًا موافقًا
[ينظر:
ابن عقيل، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، (القاهرة: دار التراث)، جـ ٣، صـ ٢٢٦]، إذًا فالواو تجمع بين الأسماء المتعاطفة لاشتراكها
في حكمٍ واحد، وهو هنا إرسال موسى إليهم جميعًا، وليس لتماثلها في النسب أو الزمان
تماثلًا صارمًا.
العنصر الرابع: الحكمة من الجمع
بينهم في الآية
لقد جمع الله - سبحانه وتعالى - بين قارون وفرعون
وهامان في آيات متعددة لحِكَمٍ عظيمة، منها:
- وحدة الرسالة: فالرسول الذي أُرسل إليهم جميعًا هو موسى - عليه السلام - وهذا هو وجه الاشتراك
الوحيد الذي يعنينا في هذا السياق.
قال ابن كثير في تفسيره: "يخبر تعالى عن هؤلاء
الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم الله وتنوّع في عذابهم... وقارون صاحب الأموال ومفاتيح
الكنوز الثقيلة، وفرعون ملك مصر في زمان موسى، ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله
ورسوله، ﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ﴾ أي: كانت عقوبته بما يناسبه" [ينظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، (المرجع السابق)، جـ ١٠، صـ
٥١١].
- تنوع العذاب: يجمعهم المعصية والتكذيب، ثم فُرِّق بهم العذاب بحسب أعمالهم؛ فبعضهم غرق
(فرعون وهامان)، وبعضهم خُسف به الأرض (قارون)، لتكون العبرة أوضح وأبين.
- ردّ شبهة الاقتباس: لو كان القرآن مقتبسًا من التوراة والإنجيل – كما يزعم بعض
المبشرين – لكان معلومًا أن اسم هامان لا يرد في التوراة أصلًا، فذكره في القرآن الكريم
على هذا النحو يُعد شاهدًا مستقلًا على صدق القرآن الكريم ودقته التاريخية، وأنه وحيٌ
من عند الله - تعالى.
العنصر الخامس: فائدة لغوية في
العطف
من المهم التأكيد على أن الفعل أو الحكم إذا
كان معلومًا، فإن الواو تعطف عليه كلَّ ما يصلح أن يكون فاعلًا له، بغضّ النظر عن الزمان
أو المكان، وقد جاءت الآية الكريمة: ﴿وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَاۤءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَٰتِ﴾ [العنكبوت: ٣٩] لتُعلن أن العبرة
ليست بتفاصيل جنسياتهم، بل بموقفهم من الحق الذي جاءهم به موسى - عليه السلام - ثم بعاقبتهم.
وهذا هو السياق القرآني الذي يُفسَّر بعضه
ببعض، وهو السياق الذي يغفله بعض المبشرين.