لقد ضلّت
أقوامٌ فظنوا أنهم يخلقون أفعالهم استقلالًا وهم القدرية الذين نفوا علم الله لعمل
العبد، وزلّت أقدام أقوام فظنوا أنهم مجبرون كالجبرية الذين قالوا ألقاه في اليم
مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء، أما أهل الحق والعرفان، فقد استمسكوا
بالعروة الوثقى، فقرروا أن العبد مخيرٌ في طلبِهِ ومسيرٌ في قَدَرِهِ؛ فمشيئته
تابعة لمشيئة الله، ولا يخرج عن سلطان ربه إلا بإذنه ﴿وَمَا
تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾
[التكوير: ٢٩]، والمتأمل
في طبيعة التكوين الإنساني يدرك أنَّ المنهج الرشيد يقتضي منا أولًا وضع اليد على
موطن النزاع بدقة؛ فالإنسان في حقيقته الوجودية كائنٌ مزدوج الحال، هو مُخيَّرٌ
في دائرة التكليف، ومُسيَّرٌ في دائرة التقدير، ولعلَّ إشكالية الجبر
والاختيار ما كانت لتنشأ لو نُظر إلى التمايز بين ما يقع من الإنسان بإرادته وما
يقع عليه باضطراره.
فالإنسان يجمع في بنيته التكوينية بين طبائع الأجناس؛ فهو يحمل
من خصائص الجمادية والنباتية والحيوانية ما يجعله خاضعًا لدائرة الاضطرار التي
قهرت جبلته، فلا دخل له في قوانين الجاذبية التي تسقطه كالحجر، ولا في أطوار نموه
التي تشبه النبات، ولا في إدارة أجهزته الحيوية التي تعمل بانتظام رحيم وهو نائم
لا يعرف عن كنهها شيئًا، وهنا تتجلى الرحمة الإلهية في جعل الإنسان مسيرًا
في هذه الوظائف؛ إذ لو وُكلت إدارة هذه الأجهزة المعقدة إلى عقله المحدود لهلك
لقصوره عن الإحاطة بها، وهو ما يشير إليه عموم قوله تعالى: ﴿یُدَبِّرُ
ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ [السجدة: ٥]، وكذلك
قوله تعالى في إحكام الصنع الذي لا يد للإنسان فيه: ﴿صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ أَتۡقَنَ كُلَّ شَیۡءٍۚ﴾ [النمل: ٨٨].
بيدَ أنَّ المشهد يختلف تمامًا في دائرة التكليف؛ حيث تبرز ميزة
الإنسان الكبرى وهي الفكر، وهو المقياس الذي يختار به بين البدائل، فكل
أمرٍ له بديل (أفعله أم لا أفعله) هو موطن عمل العقل ومحل الاختيار، وهنا يبرز
الفارق البديهي بين حركة الارتعاش القهرية وحركة الكتابة الاختيارية.
وفي هذا المقام، تأتي نصوص القرآن الكريم لترسخ أن التكليف يقع في
حدود الاستطاعة والاختيار:
- في نفي الإكراه على
الفعل: قال تعالى: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ
قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
- في إثبات المشيئة
الإنسانية: قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَیۡنَٰهُ
ٱلسَّبِیلَ إِمَّا شَاكِرࣰا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
- في
ربط الجزاء بالاختيار: قال
تعالى: ﴿لَهَا مَا
كَسَبَتۡ وَعَلَیۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
والكسب هنا هو توجه الإرادة نحو الفعل،
فالعبد مكتسب لأفعاله، فله ما كسب من ثواب الطاعة وعليه ما اكتسب من عقاب المعصية [الباقلاني، الإنصاف فيما يجب
اعتقاده ولا يجوز جهله، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠م،
ص ٤٣].
إنَّ المتأمل في مفاخر هذه
الشريعة الغرَّاء يدرك أنها جعلت القصد هو المحور الذي يدور حوله الثواب والعقاب؛
فإذا فُقِد الاختيار سقط التكليفُ ضرورةً، وهو ما يؤكد أنَّ العقل هو المناط
الأوحد لصحة الاختيار البشري، ويعضد هذا الأصل ما جاء في السنة النبوية المطهرة؛
حيث قال حضرة سيدنا رسول الله ﷺ:
«رُفِع القلمُ عنْ ثلاثةٍ: عنِ الصغيرِ حتى يبلُغَ، وعَنِ النائمِ حتى يستيقظَ،
وعنِ المصابِ حتى يُكشفَ عنهُ» [الترمذي
في سننه، برقم (١٤٢٣)].
فهذا النص النبوي الشريف يضع القاعدة الذهبية في انتفاء المسئولية
عمن سُلِب أداة الاختيار (وهي العقل)، أو غابت عنه القدرة على التمييز (بسبب النوم
أو الصغر).
إنَّ هذا المبدأ العقدي يتجلى بوضوح في التطبيقات الفقهية التي
تُراعي إرادة الإنسان، ومنها:
رخصة الإكراه: حيث قرر الشرع عدم المؤاخذة على الفعل
أو القول إذا سُلبت الإرادة بالتهديد، لأن القول حينئذٍ يخلو من الكسب والقصد.
قاعدة لا طلاق في إغلاق: والمراد بالإغلاق هو سدُّ طريق
الاختيار على المرء؛ فلا يقع طلاقُ من أُغلِق على إرادته كالمكره، أو غُيِّب عقله
كالمجنون، أو من اشتد به الغضب غضبًا شديدًا أخرجه عن طوره حتى لم يعد يعي ما يقول
[راجع: البوطي، الإنسان مسير أم مخير، دار الفكر،
سوريا، ص ٣٠].
إنَّ هذا المنهج يجمع بين إثبات فاعلية العبد وبين شمول القدر
الإلهي، وهو ما لخصه البيان الإلهي في قوله: ﴿لِمَن
شَاۤءَ مِنكُمۡ أَن یَسۡتَقِیمَ * وَمَا
تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾
[التكوير: ٢٨-٢٩]، وهذا الجمع هو الذي يمنع المسلم من
السقوط في هاوية الجبر التي تعطل الإرادة، أو الاعتزال الذي يُخرج العبد عن سلطان
الله [البوطي، الإنسان مسير أم مخير، ص
٢٩، الشيخ الشعراوي، برنامج نور على نور].