Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

هل الإنسان مخير أم مسير

الكاتب

هيئة التحرير

هل الإنسان مخير أم مسير

هل أنت مخير في أفعالك أم كل شيء مكتوب عليك؟ وهل يحاسبك الله على شيء لا تملكه؟ وكيف يجتمع القضاء والقدر مع حرية الإرادة؟

أسئلة حيَّرت الكثيرين، وتُعد من أكثر ما يُبحث عنه في العقيدة.

في هذا المقال ستجد الجواب المتوازن الذي يجمع بين النصوص والعقل دون تعارض أو غموض.

هل الإنسان مخير أم مسير؟ التوازن بين القضاء والقدر وحرية الإرادة في الإسلام

لقد ضلّت أقوامٌ فظنوا أنهم يخلقون أفعالهم استقلالًا وهم القدرية الذين نفوا علم الله لعمل العبد، وزلّت أقدام أقوام فظنوا أنهم مجبرون كالجبرية الذين قالوا ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء، أما أهل الحق والعرفان، فقد استمسكوا بالعروة الوثقى، فقرروا أن العبد مخيرٌ في طلبِهِ ومسيرٌ في قَدَرِهِ؛ فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا يخرج عن سلطان ربه إلا بإذنه ﴿وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [التكوير: ٢٩]، والمتأمل في طبيعة التكوين الإنساني يدرك أنَّ المنهج الرشيد يقتضي منا أولًا وضع اليد على موطن النزاع بدقة؛ فالإنسان في حقيقته الوجودية كائنٌ مزدوج الحال، هو مُخيَّرٌ في دائرة التكليف، ومُسيَّرٌ في دائرة التقدير، ولعلَّ إشكالية الجبر والاختيار ما كانت لتنشأ لو نُظر إلى التمايز بين ما يقع من الإنسان بإرادته وما يقع عليه باضطراره.

فالإنسان يجمع في بنيته التكوينية بين طبائع الأجناس؛ فهو يحمل من خصائص الجمادية والنباتية والحيوانية ما يجعله خاضعًا لدائرة الاضطرار التي قهرت جبلته، فلا دخل له في قوانين الجاذبية التي تسقطه كالحجر، ولا في أطوار نموه التي تشبه النبات، ولا في إدارة أجهزته الحيوية التي تعمل بانتظام رحيم وهو نائم لا يعرف عن كنهها شيئًا، وهنا تتجلى الرحمة الإلهية في جعل الإنسان مسيرًا في هذه الوظائف؛ إذ لو وُكلت إدارة هذه الأجهزة المعقدة إلى عقله المحدود لهلك لقصوره عن الإحاطة بها، وهو ما يشير إليه عموم قوله تعالى: ﴿یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ [السجدة: ٥]، وكذلك قوله تعالى في إحكام الصنع الذي لا يد للإنسان فيه: ﴿صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ أَتۡقَنَ كُلَّ شَیۡءٍۚ﴾ [النمل: ٨٨].

بيدَ أنَّ المشهد يختلف تمامًا في دائرة التكليف؛ حيث تبرز ميزة الإنسان الكبرى وهي الفكر، وهو المقياس الذي يختار به بين البدائل، فكل أمرٍ له بديل (أفعله أم لا أفعله) هو موطن عمل العقل ومحل الاختيار، وهنا يبرز الفارق البديهي بين حركة الارتعاش القهرية وحركة الكتابة الاختيارية.

وفي هذا المقام، تأتي نصوص القرآن الكريم لترسخ أن التكليف يقع في حدود الاستطاعة والاختيار:

  • في نفي الإكراه على الفعل: قال تعالى: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
  • في إثبات المشيئة الإنسانية: قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَیۡنَٰهُ ٱلسَّبِیلَ إِمَّا شَاكِرࣰا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
  • في ربط الجزاء بالاختيار: قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَیۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، والكسب هنا هو توجه الإرادة نحو الفعل، فالعبد مكتسب لأفعاله، فله ما كسب من ثواب الطاعة وعليه ما اكتسب من عقاب المعصية [الباقلاني، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز جهله، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، الطبعة الثانية، ٢٠٠٠م، ص ٤٣].

 إنَّ المتأمل في مفاخر هذه الشريعة الغرَّاء يدرك أنها جعلت القصد هو المحور الذي يدور حوله الثواب والعقاب؛ فإذا فُقِد الاختيار سقط التكليفُ ضرورةً، وهو ما يؤكد أنَّ العقل هو المناط الأوحد لصحة الاختيار البشري، ويعضد هذا الأصل ما جاء في السنة النبوية المطهرة؛ حيث قال حضرة سيدنا رسول الله ﷺ: «رُفِع القلمُ عنْ ثلاثةٍ: عنِ الصغيرِ حتى يبلُغَ، وعَنِ النائمِ حتى يستيقظَ، وعنِ المصابِ حتى يُكشفَ عنهُ» [الترمذي في سننه، برقم (١٤٢٣)].

فهذا النص النبوي الشريف يضع القاعدة الذهبية في انتفاء المسئولية عمن سُلِب أداة الاختيار (وهي العقل)، أو غابت عنه القدرة على التمييز (بسبب النوم أو الصغر).

إنَّ هذا المبدأ العقدي يتجلى بوضوح في التطبيقات الفقهية التي تُراعي إرادة الإنسان، ومنها:

رخصة الإكراه: حيث قرر الشرع عدم المؤاخذة على الفعل أو القول إذا سُلبت الإرادة بالتهديد، لأن القول حينئذٍ يخلو من الكسب والقصد.

قاعدة لا طلاق في إغلاق: والمراد بالإغلاق هو سدُّ طريق الاختيار على المرء؛ فلا يقع طلاقُ من أُغلِق على إرادته كالمكره، أو غُيِّب عقله كالمجنون، أو من اشتد به الغضب غضبًا شديدًا أخرجه عن طوره حتى لم يعد يعي ما يقول [راجع: البوطي، الإنسان مسير أم مخير، دار الفكر، سوريا، ص ٣٠].

إنَّ هذا المنهج يجمع بين إثبات فاعلية العبد وبين شمول القدر الإلهي، وهو ما لخصه البيان الإلهي في قوله: ﴿لِمَن شَاۤءَ مِنكُمۡ أَن یَسۡتَقِیمَ * وَمَا تَشَاۤءُونَ إِلَّاۤ أَن یَشَاۤءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِینَ﴾ [التكوير: ٢٨-٢٩]، وهذا الجمع هو الذي يمنع المسلم من السقوط في هاوية الجبر التي تعطل الإرادة، أو الاعتزال الذي يُخرج العبد عن سلطان الله [البوطي، الإنسان مسير أم مخير، ص ٢٩، الشيخ الشعراوي، برنامج نور على نور].

كيف يجتمع علم الله السابق مع اختيار الإنسان؟ شرح مبسط لعلاقة القدر بالأفعال

كيف يستقيم في العقل أن يكون الله خالق كل شيء والعبدُ مسئولًا عن فعله؟

إن الإشكال في كونه تعالى خالقًا لكل شيء والعبد مسئولًا عن فعله ينحلُّ حين ندرك أن الله تعالى قد علم في أزله ما سيختاره العبد قبل أن يخلقه، فقدر له أعماله وخلقها له، حتى إذا جاء وقت التنفيذ كانت تلك الأعمال من خلق الله ولكنها باختيار العبد وقصده [نبيل حمدي، هل الإنسان مسيّر أو مخيّر، ص ٤٧].

وهنا يقرر الإمام الأشعري أن الفعل له جهتان: جهة الخلق وهي لله، وجهة الكسب وهي للعبد، ويقول في ذلك: "الباري سبحانه وتعالى منفرد باختراع أعمال العباد، والعباد مكتسبون لها"، فالقدرة التي يفعل بها العبد هي قدرة حادثة يخلقها الله فيه عند عزمه على الفعل، فالله هو الذي خلق فيك القدرة والفعل، وأنت الذي وجهت تلك القدرة نحو الاختيار [راجع: الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، دار الحكماء للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، ٢٠٢١م، ص١٧٧- ١٨٥].

وقد جاءت الأدلة لتوفق بين الخلق والاختيار كعموم الخلق في قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وهي تدل على أن ذات العبد وعمله هما من خلق الله تعالى، وفي إثبات اختيار العبد قال تعالى: ﴿ٱلۡیَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ﴾ [غافر: ١٧]، فالجزاء عُلق هنا على الكسب لا على الخلق، والكسب هو فعل العبد الاختياري.

إنَّ نسبة الفعل لله خلقًا وللعبد كسبًا هي ميزان العدل الإلهي؛ فالله سبحانه خلق القدرة في العبد وأوجد الأداة في الكون، لكنَّ العبد هو من يوجه هذه القدرة بقراره المستقل، فكما أنَّ السكين تقطع بحدّةٍ خلقها الله فيها، إلا أنَّ القاتل هو من وجهها للعدوان؛ فالخلقُ لله تقديسًا لسلطانه إقرارًا بقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، أي خلقكم وخلق المواد التي تشكلون منها أعمالكم، والمسئولية تقع على العبد إقرارًا لعدل الله [نبيل حمدي، هل الإنسان مسيّر أو مخيّر، ص ٤٧].

هل القدر حجة لترك العمل؟ الرد على شبهة الجبر والتواكل بالأدلة العقلية والشرعية

لا يصح بحالٍ أن نجعل القدر تكأةً للقعود عن العمل، أو مبررًا لارتكاب الموبقات؛ فأبو لهب لم يُظلَم، بل اختار الكفر بملء إرادته واستمر عليه حتى مات، فكان قضاء الله فيه مبنيًّا على سابق علمه باختيار أبي لهب، ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿سَیَصۡلَىٰ نَارࣰا ذَاتَ لَهَبࣲ﴾ [المسد: ٣]، فهذا إخبار بغيبٍ علم الله وقوعه باختيار العبد، ولو آمن أبو لهب (اختيارًا) لكان الخبر غير ذلك، لكنه أصرَّ فاستحق الجزاء [نبيل حمدي، هل الإنسان مسيّر أو مخيّر، ص ٤٦- ٤٧].

يتضح من خلال ما سبق أن العلم الإلهي كاشف وليس مُجبرًا؛ فالله علم ما سيختاره العبد بمحض إرادته فكتبه، ولم يكتبه ليجبره عليه، وتبرز هنا حجة حركة الارتعاش كدليل عقلي تجريبي يدركه الملحد في نفسه؛ فالفارق بينها وبين حركة الكتابة هو أكبر دليل على وجود إرادة حرة يحاسب عليها، مما يسقط دعوى الظلم الإلهي [راجع الأشعري، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ص ١٧٩، البوطي، الإنسان مسير أم مخير، ص ٢٩]، كما أنَّ العلم الأزلي صفة انكشاف لا صفة تأثير؛ فتنبؤ الطبيب بمسار مرض المريض بناءً على علمه بحاله لا يجعل الطبيب مسببًا للمرض، فكتابة المقادير في الأزل هي تسجيلٌ لما سيختاره العبد بمحض إرادته.

ويمكن الرد على المتواكلين بهذا الهدي النبوي الشريف «اعمَلوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له» [مسلم: الصحيح، (٢٦٤٧)]؛ فالتيسير لا يأتي إلا بعد العزم والعمل، والشريعة ربطت الجزاء بالقصد والاختيار، فمن اختار طريق الدمار خالف مراد الله الشرعي، والاحتجاج بالقدر هنا هو مغالطة نفسية؛ فلماذا يسأل الناس عن تقدير المعاصي لتبرير فعلها ولا يسألون عن تقدير الطاعات ويطالبون بالثواب عليها؟

إن الإنسان في الطاعات حريص على نيل الثواب لأنها عمله، وفي المعاصي يفر من العقاب بدعوى أنها مقدرة عليه [نبيل حمدي، هل الإنسان مسيّر أو مخيّر، ص ٤٦].

الخلاصة

إنَّ حقيقةَ الإنسان تكمن في كونه فاعلًا باختياره تحت سلطان خالقه، فلا جبر يمحو مسئوليتَه، ولا استقلال يخرج به عن تقدير ربّه؛ بل هو كسبٌ يجمع بين إثبات العظمة لله إيجادًا، وتحقيق العدالة للعبد اختيارًا وجزاءً.

موضوعات ذات صلة

مفهومان أساسيان في الدين الإسلامي يتعلقان بعلم الله تعالي وإرادته في الكون.

يعدّ مذهب الاختيار في العقيدة الإسلامية ردًّا مباشرًا على مذهب الجبر.

أثار هذا المفهوم عبر القرون نقاشًا واسعًا بين الفرق الإسلامية.

تأثير الله تعالى في العالم وتوجيهه نحو غايات معينة بإرادته.

يرون أن أفعال العبد تقع بقدرة الله دون أن تُسلب عنه مسئوليته الأخلاقية.

موضوعات مختارة