Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السمع والبصر الإلهي

الكاتب

هيئة التحرير

السمع والبصر الإلهي

إن إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى يمثل قمة الكمال الوجودي والتنزيه الإلهي عن نقائص الحوادث وآفات العدم، فكيف حرر المحققون مسالك التعلق في هاتين الصفتين؟، وما هي ثمراتهما في ترسيخ الرقابة الأخلاقية للفرد والمجتمع؟

مفهوم صفتي السمع والبصر

يقرر أئمة الأشاعرة ومحققو أهل السنة أن الله - سبحانه - سميع بسمع، بصير ببصر، وهما صفتان أزليتان قائمتان بذاته، والعلم بهما مما عُلِم من الدين بالضرورة.

"والتحقيق في ماهية هاتين الصفتين أنهما مغايرتان لصفة العلم؛ إذ يحصل بهما نوع من الانكشاف للموجودات يكون أتم وأقوى من الانكشاف الحاصل بالعلم، وإن كان الكل في حق القديم غاية في الوضوح والجلاء، وهذا التغاير معلوم في الشاهد ضرورة، إذ نجد فرقًا بين العلم بالشيء وبين تعلق السمع والبصر به" [راجع: عبد القاهر البغدادي: أصول الدين: ٩٦-٩٧، البيجوري تحفة المريد: ٨٥، حاشية الدسوقي على أم البراهين ط. الحلبي، ١١٠، الشهرستاني: نهاية الإقدام: ٣٤١]

ومع هذا الإثبات، فإننا نجزم يقينًا بأن سمع الله ليس بأذن ولا صماخ، وبصره ليس بحدقة ولا أجفان؛ بل هما صفتان تنكشف بهما المسموعات والمبصرات بلا أداة ولا آلة، لأن الآلات من خصائص الحوادث، والله هو الواحد الأحد الصمد [حسن أيوب: تبسيط العقائد، ٩٠].

 وبناءً عليه؛ فإنه يستحيل عليه تعالى ضدهما من الصمم والعمى؛ لأنهما نقص، والنقص في حقه تعالى محال.

الأدلة النقلية والعقلية على صفتي السمع والبصر

إن منهج أهل الحق من الأشاعرة والماتريدية في إثبات صفتي السمع والبصر يقوم على سبيكة محكمة من الدليل النقلي والنظر العقلي:

أولًا: الأدلة النقلية  وهي العمدة والأصل

- الأدلةُ منَ القرآنِ الكريمِ

لقد تضافرت الآيات القرآنية في إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى، وجاءت في سياقات تقتضي الإحاطة والكمال، ومنها:

  •  قولُهُ تعالى، لإثباتِ الصفةِ معَ نفيِ المماثلةِ: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الشورى: ١١].
  • وقولُهُ تعالى في مَقامِ التأمينِ والنُّصرَةِ لموسى وهارونَ - عليهما السلامُ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَاۤۖ إِنَّنِی مَعَكُمَاۤ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: ٤٦]. 
  • وقوله تعالى لبيان شمول سمعه للأصوات الخفية مهما دقت، ولبيان أن السر والجهر عنده سواء: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِی تُجَٰدِلُكَ فِی زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَاۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعُۢ بَصِیرٌ﴾ [المجادلة: ١]. 
  • وقولُهُ تعالى في مَقامِ التحذيرِ والرقابةِ: ﴿أَلَمۡ یَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ یَرَىٰ﴾ [العلق: ١٤]. 
  • وقوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم -عليه السلام- في مقام المحاجة لنفي الألوهية عمن فقد هذه الكمالات: ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِیهِ یَٰۤأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا یَسۡمَعُ وَلَا یُبۡصِرُ وَلَا یُغۡنِی عَنكَ شَیۡءࣰا﴾ [مريم: ٤٢]. 

- الأدلةُ منَ السنةِ النبويةِ المطهرةِ

جاءتِ السنةُ الشريفةُ بأدلة مؤكدةً لِمَا استقرَّ عليه الكتابِ العزيزِ، ومنْ ذلكَ:

  • ما رواه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه – أن سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع الصحابة يرفعون أصواتهم بالدعاء، فَقَالَ: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا» [البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير،(٤٢٠٥)]، وفي هذا النص إشارة صريحة إلى أن السمع والبصر صفتان ثابتتان لله، ومنفي عنهما أضداد السمع (الصمم) وأضداد البصر (الغيبة أو عدم الرؤية).
  • جاء في حديث سيدنا جبريل- عليه السلام - المشهور الذي حدد فيه حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - ذروة العبادة بقوله:  «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [البخاري، باب سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان والإسلام،(٥٠)]، وهذا يمثل دليلًا قاطعًا على إحاطة بصر الله بعباده ومراقبته الدائمة لهم.
  • مَا روي عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - في تعليقها على حادثة خولة بنت ثعلبة، حيث قالت تعظيمًا لله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، وَمَا أَسْمَعُ كَلَامَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِی تُجَٰدِلُكَ فِی زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِیۤ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَاۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعُۢ بَصِیرٌ﴾ [المجادلة: ١]  [النسائي، السنن المجتبى، كتاب الطلاق، باب تفسير الظهار،(٣٤٦٠)]، فهذه النصوص صريحة في إثبات أصل الصفة مع نفي المماثلة [راجع: حسن أيوب: تبسيط العقائد، ٩١].

ثانيًا: الأدلة العقلية

  •  التقابل والضدية: يرى الشهرستاني والباقلاني أن الله تعالى حيّ، والحيُّ لا يخلو عقلًا من الاتصاف بالسمع والبصر أو بضدهما؛ وبما أن الضد نقصٌ ممتنعٌ على الله - سبحانه - وجب بالضرورة اتصافه بكمال السمع والبصر [نهاية الإقدام: ٣٤١، والإنصاف: ٣٧].
  • دليل الحكمة والكمال: قرر الغزالي والرازي أن الخالق المبدع يجب أن يكون مدركًا لحقيقة صنعه بكل وجوه الإدراك؛ ولما كان البصير أكمل رتبةً ممن لا يبصر، استحال عقلًا ثبوت كمالٍ للمخلوق مع نقص الخالق عنه، فثبت له كمال السمع والبصر بوجوب كمال الذات [الاقتصاد في الاعتقاد: ٥٢، ومعالم أصول الدين: ٥٥].

مسالك التعلق وحقائق الإدراك في صفتي السمع والبصر

تعددت رؤى المتكلمين في تحرير ماهية السمع والبصر وتحديد نطاق تعلقهما، ويمكن حصرها في الاتجاهات التالية:

  • مسلك التعميم

وهو المنسوب للإمام أبي الحسن الأشعري، حيث يرى أن السمع والبصر صفتان تتعلقان بكل موجود (قديمًا كان أو حادثًا)، فالله يبصر الذوات والأصوات كما يسمع الكلمات والألوان؛ فكل ما دخل دائرة الوجود صح تعلقُهما به، وهو ما يميزهما عن العلم الذي ينفرد بالتعلق بالموجود والمعدوم معًا [تحفة المريد: ٩٧-٩٨، حاشية الدسوقي: ١١٠].

  • مسلك التخصيص

يرى القلانسي والبغدادي أن السمع والبصر صفتان تتقيدان بمتعلقاتهما العرفية، فيتعلق السمع بالأصوات والبصر بالأجسام والأعراض؛ استنادًا إلى المقايسة مع المشاهد ومراعاةً للدلالة اللغوية التي تخص كل صفة بنوع معين من الموجودات [أصول الدين: ٩٧، حاشية الدسوقي: ١١٠].

  •  المغايرة للعلم

 أوضح الدسوقي وغيره من المحققين أن صفات الإدراك الإلهي ليست مجرد مرادفات للعلم، بل هي انكشافات متغايرة في الماهية؛ فالعلم يحيط بالشيء، لكن السمع والبصر يمنحان نوعًا من التجلي يختلف عن مجرد الإحاطة الذهنية، وقد شبهوا ذلك بالفرق بين عِلمنا بالشيء وهو غائب (خبري) وبين إدراكنا له وهو حاضر (مشاهدة)، مؤكدين أن هذا التشبيه هو لتقريب الصورة للأذهان فحسب، وليس قياسًا لحقيقة الصفة الإلهية على الإدراك البشري المحدود [راجع: حاشية الدسوقي: ١١١بتصرف].

  •  أزلية التعلق

 السمع والبصر صفتان أزليتان قائمتان بذات الله، وليستا حادثتين بحدوث المسموعات والمبصرات؛ فالله سبحانه كان في الأزل سامعًا لكلامه ومبصرًا لذاته في حضرة القداسة قبل أن يخلق الأصوات والأجرام، إذ إن الوجود هو شرط التعلق، وذات الله وكلامه أقدم الموجودات وأولاها بهذا الانكشاف الإلهي [راجع: حاشية الدسوقي: ١١١بتصرف].

  •  مسلك التأويل

أجاز التفتازاني واختار المَكّالتي ردَّ السمع والبصر إلى العلم بالمسموعات والمبصرات، ورغم إجازة هذا القول عقلًا إلا أن المشهور عند الجمهور إثباتهما صفتين زائدتين على العلم [التفتازاني: شرح المقاصد: ٤/١٤٠].

انعكاس صفتي السمع والبصر على الفرد والمجتمع

إن استحضار المؤمن لكون الله يبصره ويسمع خفقات قلبه قبل كلماته، يفتح في روحه بابًا من الحياء والأدب يُهذب باطنه وظاهره، فتتحول حياته إلى حالة من الرقي الإنساني الذي نسميه مقام الإحسان، وهذا اليقين يمنح القلب سكينةً عجيبة في لحظات الضعف، إذ يكفي الإنسان طمأنينةً أن أنينه مسموع وجرحه مرئي عند خالقه، مما يعطيه القوة لمواجهة الأزمات بصدر منشرح ويقين لا يتزعزع، وينعكس هذا الشعور على المجتمع ليخلق رقابة ذاتية تغني عن الحراس والقوانين؛ فالموظف والتاجر وكل صاحب مسؤولية يسيرون بوازع من ضمائرهم، مما يحفظ الحقوق وينشر الأمانة والعدل، وبذلك يتأسس مجتمع الكلمة الطيبة القائم على الصدق والمسؤولية، وتختفي منه الرذائل الأخلاقية كالغيبة والظلم، لتتحول هذه المعاني اﻹيمانية إلى طاقة حية تُصلح أحوال الناس وترتقي بالعلاقات الاجتماعية إلى أسمى مراتب النزاهة والجمال.

الخلاصة

إن إثبات السمع والبصر لله تعالى هو إثبات لكمال الصفة، مع تنزيه الذات عن الجوارح والأدوات، وهو مذهب يجمع بين النص الصريح والعقل الصحيح، مما يورث العبد مراقبةً لله في حركاته وسكناته.

موضوعات ذات صلة

السمع صفة أزلية تدرك المسموعات بلا أدوات.

البقاء صفة أزلية تنزه الخالق عن الفناء.

قدرة أزلية تبرز الممكنات وتستحيل على العجز.

موضوعات مختارة