إنَّ الفضل الثابت والمكانة السامية لهذه العشر لا تنبع من محض مصادفة
زمنية، بل تستند إلى أدلة قطعية من محكم الكتاب ومستفيض السنّة النبوية المطهرة،
وهي الأدلة التي تضافرت وتكاملت لتؤكد صدارة هذه الأيام وفضلها على سائر أيام
العام، وتجعلها ميزانًا للسبق وميدانًا للتنافس في الطاعات، ومن أبرز معالم هذا
الفضل:
حيث أقسم الله تعالى بها في كتابه لإعظام شأنها؛
قال تعالى: {وَٱلۡفَجۡرِ * وَلَیَالٍ عَشۡر} [الفجر:
١-٢]، وجمهور المفسرين على أنَّ هذه
الليالي هي عشرُ ذي الحجة، وفي هذا التنويهِ القرآني إيذانٌ بعظم شأن المقْسَمِ
به، وتوجيه لقلوب العباد لتعظيم ما عظَّمه الله، ونقل الحافظ ابن كثير
الإجماع على أنها عشر ذي الحجة، فقال: "والليالي العشر المراد بها عشر ذي
الحجة، كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد
من السلف والخلف" [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط. العلمية، ٨/٣٨١].
أن الله تعالى سماها بالأيام المعلومات في كتابه الكريم بقوله: {وَیَذۡكُرُوا۟
ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَٰتٍ} [الحج:
٢٨]، وجمهور المفسرين وعلماء الأمة على اتصالها بالأيام المعدودات قال تعالى: {وَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡدُودَٰتࣲۚ} [البقرة:
٢٠٣]
لقد شهد النبي ﷺ لهذه الأيام العشر بأنها
أعظم أيام الدنيا على الإطلاق، وأن العمل الصالح فيها على تنوعه يربو في ثوابه
ومحبته عند الله تعالى على أي وقتٍ آخر؛ وفي هذا السياق يقدم لنا حديث سيدنا عبد
الله بن عباسٍ رضي الله عنهما ميزانًا دقيقًا للمفاضلة، حيث قال ﷺ: «مَا
مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ
الْأَيَّامِ- يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»
[البخاري: الصحيح ، ٩٦٩]، ولم يقتصر البيان النبوي على إبراز شرف الزمان وعظمته فحسب، بل وضع
للمسلمين دستورًا سلوكيًا دقيقًا، ومنهاجًا عمليًا يسيرًا في مبناه، عميقًا في
معناه، لاستيعاب هذه الأنوار؛ حيث قال حضرة سيدنا النبي ﷺ: «ما مِن أيَّامٍ
أَعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أَحَبَّ إلَيهِ مِنَ العملِ فيهِنَّ مِن هذِه الأَيَّامِ
العَشرِ؛ فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ» [الإمام أحمد:
المسند،(٥٤٤٦)].
وفي
طليعة هذه العشر يتجلى يوم عرفة كيوم لسكب العبرات ومغفرة الذنوب التي تكاد تبلغ
عنان السماء، وفيه نزل أعظم إعلان في تاريخ البشرية: {ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ
لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ
دِینࣰاۚ} [المائدة:
٣]، وهو اليوم الذي يدنو فيه الرب جل وعلا دنوًّا يليق بجلاله؛ ففي حديث أم
المؤمنين السيدة عائشةَ رضي الله عنها أن سيدنا النبي ﷺ قال: «ما
مِن يَومٍ أكثَرَ مِن أن يُعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ
عَرَفةَ، وإنَّه لَيَدنو ثُمَّ يُباهي بهِمُ المَلائِكةَ، فيَقولُ: ما أرادَ
هؤلاء؟» [مسلم: الصحيح، (١٣٤٨)]، وجُعل
صيام هذا اليوم لغير الحاج منحةً إلهيةً تكفر ذنوب سنتين؛ سنةٍ ماضيةٍ وسنةٍ
مستقبلةٍ، لقوله ﷺ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى
اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»
[مسلم: الصحيح، (١١٦٢)].
وتتوج
هذه النفحات بيوم النحر الذي هو أعظم الأيام قدرًا عند الله تعالى، يليه يوم القر؛
وقد جمع حضرة سيدنا النبي ﷺ فضل هذا الختام المبارك بعبارةٍ جامعةٍ فقال: «إنَّ
أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ» [أبو
داود: السنن، (١٧٦٥)].