المرأة المسلمة في مدرسة الهجرة ليست مجرد متفرجة، بل هي شريك أصيل
في صناعة النصر، وها هي السيدة أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها-شابة في
السابعة والعشرين، حامل في أشهرها الأخيرة، تتحمل مسؤوليات جسام لا تقل عن
مسؤوليات الرجال، بل ربما تفوقها في بعض الأحيان.
روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ
فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ
فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَأَتْ
بِهِ الْجِرَابَ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ".
[رواه البخاري ٥٤٧٠، وغيره ].
وقال ابن إسحاق: "وَكَانَتْ أَسَمَاءُ بِنْتُ
أَبِي بَكْرٍ تَأْتِيهِمَا مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا" [السيرة النبوية لابن هشام، ج١، ص٤٨٥].
وعندما جاء أبو جهل إلى بيتهم بعد خروج النبي ﷺ وأبيها رضي
الله عنه، صمدت ولم تخف، قال ابن هشام: "قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ،
فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ
أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ
أَبِي؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا،
فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي" [السيرة النبوية لابن هشام:
١/٤٨٦].
كما تروي السيدة أسماء -رضي الله عنها- قصة أخرى تُظهر حكمتها
وفطنتها؛ فبعد أن خرج سيدنا أبو بكر -رضي الله- عنه بماله كله، دخل عليها
جدها أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع
نفسه قالت: "كَلَّا
يَا أَبَتِ! إنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: فَأَخَذْتُ
أَحْجَارًا فَوَضَعْتهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ
مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ،
فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ
يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا
بَأْسَ، إذَا كَانَ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ
لَكُمْ. وَلَا وَاَللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ
أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ" [السيرة النبوية لابن هشام، ج١، ص٤٨٨].
هذه القصة تحكي عن عبقرية المرأة المسلمة التي تجمع بين القوة
والحكمة، وبين الحياء والثبات.
لقد تحملت أسماء أذى أبي جهل وضرباته، ولم تخن مكان أبيه ولا رسول
الله ﷺ، وهو ما يسمى في علم النفس الصلابة النفسية، فكانت طبيبة نفسية قبل أن تكون
مقاتلة، فهذه الفتاة أظهرت أن الدعوة الإسلامية لا تقوم إلا بتعاون الرجال والنساء
معًا، وأن التضحية ليست حكرًا على جنس دون جنس، إنها نموذج يحتذى به لكل فتاة
مسلمة؛ بأن تكون قوية في مواجهة الباطل، حكيمة في التعامل مع الناس، صبورة على
الأذى، متحملة للمسؤولية حتى في أحلك الظروف وأثقل الأوقات.