عندما استقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، أدرك
أن بناء المجتمع والدولة يحتاج إلى قاعدةٍ اقتصاديةٍ قويةٍ ومستقلة. ولذلك اتخذ خطوةً
مهمةً بإنشاء سوقٍ للمسلمين، واختار لها موضعًا
مستقلًا عن الأسواق القائمة، وأرسى لها الضوابط والأحكام التي تنظم المعاملات التجارية
وتحقق العدل بين المتعاملين. [ابن سعد، محمد، "الطبقات
الكبرى"، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ج ١، ص ١٤٥-١٤٨].
فعَنْ
أَبِي أَسِيدٍ، أَنَّ أَبَا أَسِيدٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ذَهَبَ
إِلَى سُوقِ النَّبِيطِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «لَيْسَ هَذَا لَكُمْ
بِسُوقٍ»، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سُوقٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «لَيْسَ هَذَا
لَكُمْ بِسُوقٍ»، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا السُّوقِ فَطَافَ فِيهِ، ثُمَّ
قَالَ: «هَذَا سُوقُكُمْ، فَلَا يُنْتَقَصَنَّ، وَلَا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ
خَرَاجٌ» [سنن ابن ماجه: (٢٢٣٣)]
لكن
الجديد في هذا السوق لم يكن الموقع فحسب، بل المنظومة الأخلاقية والتشريعية التي أرساها النبي - صلى الله عليه وآله
وسلم - لتنظيم المعاملات التجارية؛ فقد قامت السوق الإسلامية على جملةٍ من الضوابط
الشرعية، من أهمها:
١. النهي عن الاحتكار: منع حبس السلع والإضرار بالناس طلبًا
لرفع الأسعار.
٢. النهي عن الغش: ووجوب بيان عيوب السلعة وعدم كتمانها.
٣. النهي عن الكذب في البيع: ووجوب الصدق والأمانة في وصف السلع والمعاملات.
٤. تحريم الربا: ومنع المعاملات الربوية بجميع صورها.
٥. النهي عن بيع الغرر: كبيع ما لا يملكه الإنسان أو ما تجهل
عاقبته على وجهٍ يفضي إلى النزاع.
٦. النهي عن تلقّي الركبان: وهو استقبال القادمين بالسلع قبل وصولهم
إلى السوق، وشراء بضائعهم قبل معرفتهم بأسعارها الجارية؛ لما في ذلك من الإضرار بهم
واستغلال جهلهم بالأسعار. [الواقدي،
محمد بن عمر، "المغازي"، تحقيق مارسهن جونز، دار الأعظمي، بيروت، ج ١، ص
٨٩-٩٢].
مثَّلت هذه الضوابط نقلةً نوعيةً في تنظيم المعاملات التجارية؛
إذ واجهت كثيرًا من الممارسات التي كانت شائعةً آنذاك، كالربا والغش وسائر صور الظلم
في المعاملات. وقد حوَّل النبي صلى الله عليه
وآله وسلم السوق من مجرد مكانٍ للتبادل التجاري إلى ميدانٍ تُراعى فيه القيم والأخلاق، فأصبح البيع والشراء
من الأعمال التي يُؤجر عليها المسلم، إذا اقترنت بالنية الصالحة، والتزم فيها الأمانة
والصدق. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الخدري رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ»
[رواه الترمذي، محمد بن عيسى، "الجامع الكبير"، دار الغرب الإسلامي،
١٩٩٨م (١٢٠٩)]