Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأبعاد الاقتصادية في الهجرة النبوية

الكاتب

هيئة التحرير

الأبعاد الاقتصادية في الهجرة النبوية

لا تقتصر الهجرة النبوية على بعدها الديني والروحي، بل لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي، الذي ظهر بوضوح في التنظيم الجديد الذي أقامه سيدنا النبي -صلي الله عليه وسلم- في المدينة، فالهجرة أحدثت تغيرًا اقتصاديًا ضخمًا: انتقال أعداد كبيرة من الناس، فقدان المهاجرين لأموالهم، وإعادة توزيع الموارد، ومع ذلك لم تنهَر المدينة، بل تحوّلت إلى مركز اقتصادي مزدهر، وهذا يدل على أن الإسلام لم يغفل أبدًا الجانب الاقتصادي في بناء الأمة، بل نظمه على أسس قوية من الإنتاج، والتكافل، والمبادرة.

خسارة المهاجرين لأموالهم

ترك كثير من المهاجرين أموالهم وتجارتهم ومزارعهم في مكة، فدخلوا المدينة مفلسين من الناحية المادية، لكن هذه الخسارة لم تؤدِّ إلى فوضى أو تسوّل، بل واجهها سيدنا النبي -صلي الله عليه وسلم- بالتكافل، فشجع على العمل، والتجارة، والإنتاج؛ ففقدان المال لا يعني فقدان الكرامة أو الفاعلية، بل هو دافع للبناء من جديد.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إلَّا مَفْتُونٌ أَوْ مَحْبُوسٌ، وَلَمْ يُوعَبْ أَهْلُ هِجْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَى اللَّهِ تبارك وتعالى وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا أَهْلُ دُورٍ مُسَمَّوْنَ: بَنُو مَظْعُونٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنُو الْبُكَيْرِ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنَّ دُورَهُمْ غُلِّقَتْ بِمَكَّةَ هِجْرَةً، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ.

وَلَمَّا خَرَجَ بَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ مِنْ دَارِهِمْ، عَدَا عَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَبَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي جَحْشٍ مَا صَنَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِدَارِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟» قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكَ لَكَ» [سيرة ابن هشام، (١/ ٤٩٩)].

المؤاخاة الاقتصادية بين المهاجرين والأنصار

أ‌. لم تكن المؤاخاة مجرد علاقة عاطفية، بل شملت الجانب الاقتصادي:

  • تقاسم المال والمزارع.
  • استقبال الشركاء الجدد في الأنشطة الإنتاجية.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ- فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ باللَّه أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ-: تَآخَوْا فِي اللَّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي. [سيرة ابن هشام، (١/ ٥٠٥)].

وقد قامت هذه الأخوة على أسس مادية أيضًا، وكان حكم التوارث فيما بينهم من بعض هذه الظواهر المادية، وظلت حقوق هذا الإخاء مقدمة على حقوق القرابة إلى موقعة بدر الكبرى، حيث نزل في أعقابها قوله تعالى: ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِی كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمُۢ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وانقطع أثر المؤاخاة الإسلامية في الميراث، ورجع كل إنسان في ذلك إلى نسبه وذوي رحمه، وأصبح المؤمنون كلهم إخوة. [فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة (ص١٤٧)].

ب‌. بعض الأنصار عرضوا نصف ممتلكاتهم على المهاجرين، لكن سيدنا النبي -صلي الله عليه وسلم- رفض أن يكون العطاء سببًا للتكاسل أو الاتكالية.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُناصِفَهُ أَهْلَهُ وَمالَهُ، فقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمالِكَ، دُلَّنِي على السُّوقِ. فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصارِ. قالَ: «فَما سُقْتَ فِيها؟»، فَقالَ: وَزْنَ نَواةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشاةٍ». [صحيح البخاري (٣٩٣٧)]، وهذا يُظهر روح الاعتماد على النفس في ظل روح التضامن.

تشجيع سيدنا النبي صلي الله عليه وسلم على العمل الحر

أ‌. وجّه سيدنا النبي -صلي الله عليه وسلم- الصحابة إلى التجارة، والعمل اليدوي، والاعتماد على النفس.

ب‌. أعاد تنظيم السوق في المدينة، وحرّرها من احتكار اليهود والمضاربات غير العادلة.

ت‌. أسس سوقًا مستقلة للمسلمين، وأشرف على تنظيمها بمنهج يقوم على:

  1. الشفافية في البيع والشراء.
  2. المنع من الغش والتدليس.
  3. تحريم الربا والاحتكار.

روى عمر بن شبة عن عطاء بن يسار قال: "لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء سوق المدينة فضربه برجله وقال: هذا سوقكم؛ فلا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج".

 وقال ابن شبة: قال أبو غسان: وكان بالمدينة في الجاهلية سوق بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب، وسوق بالجسر في بني قينقاع، وبالصفاصف بالعصبة سوق، وسوق يقوم في موضع زقاق ابن حيين كانت تقوم في الجاهلية وأول الإسلام، وكان يقال لذلك الموضع: مزاحم.

وروى ابن شبة أيضا عن صالح بن كيسان قال: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبَّةً فِي مَوْضِعِ بَقِيعِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: هَذَا سُوقُكُمْ، فَأَقْبَلَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فَدَخَلَهَا وَقَطَعَ أَطْنَابَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا جَرَمَ لَأَنْقُلَنَّهَا إِلَى مَوْضِعٍ هُوَ أَغْيَظُ لَهُ مِنْ هَذَا»، فَنَقَلَهَا إِلَى مَوْضِعِ سُوقِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سُوقُكُمْ، لَا تَتَحَجَّرُوا، وَلَا يُضْرَبْ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ. [السمهودي، وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (٢/ ٢٥٦-٢٥٧)].

إدارة الموارد على أساس التكافل والعدالة

  1. كانت المدينة قائمة على الزراعة، فجاء المهاجرون وأُدمجوا في هذا النظام. وكان جل أهل المدينة يعملون بالزراعة، منهم من كان يملك الأراضي الواسعة يزرعها لحسابه أو يزارع عليها غيره أو يكريها -يؤجرها- ومنهم من كان يملك قدرًا يقوم على زراعته بنفسه، ومنهم من لم يكن له ملك خاص فيزرع في أرض غيره مزارعةأو كراء. [كتاب مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم - النشاط الزراعي - ص٢٩٤].
  2. تم توزيع الأراضي بطريقة تحفظ حقوق الجميع وتمنع الظلم، وعلى الرغم من أن عدد المهاجرين لم يكن يتجاوز المائة أسرة؛ فإن هذا العدد القليل أثر على حياة الأنصار الاقتصادية، ولم تتحسن الأحوال إلا بعد إجلاء بعض القبائل اليهودية عن المدينة، وبعد أن استقر أمر المهاجرين وأخذوا يجدون لهم رزقًا في العمل بالتجارة، لكن الزراعة بالمدينة انتعشت بعد استقرار أحوالها بعد الهجرة والقضاء على المنازعات الداخلية فيها، حتى استوعبت المدينة عددًا كبيرًا من المهاجرين إليها [كتاب مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم - النشاط الزراعي ص٢٩٥].
  3. ظهر نظام الوقف لاحقًا كمؤسسة اقتصادية غير ربحية تخدم المجتمع (كوقف عثمان بن عفّان رضي الله عنه لبئر رومة)، وَقالَ عُثْمانُ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فيها كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ»، فاشْتَراها عُثْمانُ رضي الله عنه. [صحيح البخاري (٣/١٠٩)].
  4. في النظام الاقتصادي الإسلامي، لا يكون الربح هدفًا فرديًّا فقط، بل وسيلة لخدمة المجتمع، وَالْعَمَل على هَذَا عِنْد عَامَّة أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ بعدهمْ من الْمُتَقَدِّمين، لم يَخْتَلِفُوا فِي إجَازَة وقف الْأَرْضين وَغَيرهَا من المنقولات، وللمهاجرين وَالْأَنْصَار أوقاف بِالْمَدِينَةِ، وَغَيرهَا لم يُنقل عَنْ أحد مِنْهُم أَنَّهُ أنكرهُ، وَلَا عَنْ وَاقِف أَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا فعله لحَاجَة وَغَيرهَا. [شرح السنة للبغوي (٨/ ٢٨٨)].

محاربة الفساد الاقتصادي والربا

من أوائل القرارات الاقتصادية للنبي صلي الله عليه وسلم بعد الهجرة:

١. تحريم الربا لاحقًا.

٢. محاربة الغش والاحتكار.

٣. تنظيم السوق على أساس القيم الأخلاقية.

وبذلك أنشأ نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الأمانة، والشفافية، والعدالة، ما أدى إلى ثقة الناس بالسوق الإسلامي.

الهجرة كمحفّز للنشاط الاقتصادي

أ‌. نتيجة للهجرة، نشطت:

١. التجارة بين مكة والمدينة: كانت مكة والمدينة -يثرب- من هذا النوع من المدن، وكانت مكة لموقعها المتوسط بين الشام واليمن، وعلى طريق التجارة، مركزًا هامًّا جدًّا، بل إنها في القرن السادس الميلادي كانت أهم المراكز التجارية في شبه جزيرة العرب٤، وأما المدينة -يثرب- فلا بد من أنها كانت منافسة لمكة لوقوعها على نفس الطريق، غير أن وحدة السكان في مكة ووجود البيت الحرام بها، جعلها أقدر من يثرب على التفوق التجاري والثقافي وأظهر في التنظيم الإداري. [كتاب مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم - يثرب - ص٢٥].

٢. الزراعة بالمدينة انتعشت بعد استقرار أحوالها بعد الهجرة والقضاء على المنازعات الداخلية فيها، حتى استوعبت المدينة عددًا كبيرًا من المهاجرين إليها والوافدين عليها من قبائل العرب، وكثر عمرانها وبدأ الناس في استغلال الأراضي واستصلاح مواتها وإعدادها للزراعة. [كتاب مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم - النشاط الزراعي - ص٢٩٦]

٣. الأعمال الحرفية والخدمية: ولقد كان في مكة وفي سائر المدن الحجازية جاليات أجنبية يهودية ونصرانية، سورية وحبشية ورومية وعراقية، ومن الراجح أن هؤلاء الأجانب كانوا يقومون بكثير من هذه الأعمال الصناعية، وأنهم كانوا نواة ومعلمين لطبقات من الصناع المحليين، وأن منهم من كان يعمل لحسابه الخاص، كما كان الحال في يهود يثرب، ومنهم من كان يعمل لحساب سادته، وقد أشار أصحاب السير إلى عامل رومي استخدم في بناء الكعبة عند تجديدها، كما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد وجد في الكعبة صورًا ورسومًا للملائكة والأنبياء، لا بد أنها كانت من صنع أمثال هذا العامل الرومي ومن عمل معه من بني جنسه من النصارى، كما وجدَ بها تمثالًا لحمامة من الخشب؛ الأمر الذي يدل عل وجود صناع يتقنون هذه الأعمال في مكة، وأنهم لم يكونوا من العرب ولكنهم كانوا من الرقيق أو من الموالي الأجانب، كما كان بعض النساء يشتغلن بالأعمال الصناعية وبخاصة صناعة الغزل والنسيج.[كتاب مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم - النشاط الصناعي - ص١٨٨]

ب‌. وبدأت مرحلة من الانتعاش الاقتصادي التدريجي مع استقرار الوضع السياسي والاجتماعي.

الهجرة أعادت تشكيل الاقتصاد المدني على أسس جديدة من الإنتاجية والاستقلال الاقتصادي عن القوى المحتكرة.

الخلاصة

الهجرة النبوية لم تكن مجرد تحول روحي، بل كانت بداية لنهضة اقتصادية واعية، رسمت ملامح النظام المالي الإسلامي الذي يوازن بين الروح والمادة، وبين الفرد والمجتمع، وبين الربح والمسؤولية، واليوم تحتاج المجتمعات الإسلامية إلى إحياء هذه المبادئ الاقتصادية الأصيلة التي تُحقق الاكتفاء الذاتي، وتحمي الفقراء، وتبني مجتمعات منتجة لا مستهلكة.

موضوعات ذات صلة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان.

الهجرة في الإسلام تعني الانتقال من أرض إلى أخرى.

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل.

تولى سيدنا عبد الله بن أبي بكر مهمة جمع الأخبار ورصد تحركات قريش.

موضوعات مختارة