Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

احتكار الوعد الإلهي والاستعلاء به.. نتيجة حتمية لعقلية مغرقة في إنكار الواقع

الكاتب

أ.د. أسامة السيد الأزهري (وزير الأوقاف)

احتكار الوعد الإلهي والاستعلاء به.. نتيجة حتمية لعقلية مغرقة في إنكار الواقع

كيف يتحول الفهم الخاطئ للنصوص إلى أداة للعنف والاستعلاء؟ ولماذا تمثل ظاهرة احتكار الوعد الإلهي أحد أخطر أبواب التطرف في عصرنا؟

تعد ظاهرة التطرف الديني من أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ تُعيد تعريف المفاهيم الشرعية الجوهرية - كـالتمكين والحاكمية - بطرقٍ تُبرر العنف وتُشرعن تكفير الآخر، ولذا فإنه من المهم معرفة كيف تتبنى تياراتٌ معينة تفسيراتٍ منحرفة للنصوص القرآنية، لتُصيغ تصوراتٍ عدوانية تُشوه صورة الإسلام وتُهدد استقرار الأمة.

تكفير المجتمع وقضية الحاكمية

ترتب على تكفير المجتمع بقضية الحاكمية، وتعميم وصف الجاهلية - التي هي شرك وارتداد - على عموم أهل الإسلام، أن نشأ تصور آخر في غاية الغرابة، ألا وهو أن تلك التيارات استلبت وسرقت لنفسها حق الحكم على الناس بالكفر، ثم التفرد دونهم بامتلاك حقيقة الإسلام، واستسهال تكفير الأمة كلها، ثم انطلقوا إلى كل آية فيها وعد من الله تعالى للمسلمين بالمعونة والنصرة والتمكين، فصرفوها إلى أنفسهم هم، وادعوا أنهم هم المخاطبون بها، فجعلهم هذا الوهم يزدادون اندفاعًا وتماديًا في التشبث بالتكفير، وزادهم جلدًا وشراسة في الخروج على عموم المسلمين بالبغي والعدوان، والقتل والدماء، وكلما اصطدموا بالمسلمين وشعوبهم ودولهم ومؤسساتهم، ورد المسلمون عن أنفسهم عدوانهم، أمعنوا هم في إنكار الواقع، لما يتوهمونه من امتلاك وعد إلهي، يخصهم دون غيرهم بالنصر، ويجعلهم غير متقبلين لفكرة التخلي عن وهمهم هذا.

الاحتكار الوهمي للوعد الإلهي والاستعلاء به

إننا أمام سجل حافل بتصورات مغلوطة، ترتب بعضها على بعض، وتولد بعضها من بعض، واكتنف بها ببعض، واشتبك بعضها ببعض، فصنعت إنسانًا موتورًا عدوانيًا، لا هم له ولا مقصد سوى الانقضاض على المسلمين بالتكفير، مع تصور بحتمية الصراع الأبدي، وهو يستجلب لنفسه الثقة في وهمه هذا بتصنيع نظرية أخرى، ألا وهي أنه يستهين بكل تلك الصعاب، ويرفض القناعة والتصديق بأنه غارق في الوهم، بسبب عقيدة راسخة عنده، يدعي فيها أن وعود الله تخصه هو، لأنه وحده دون أولئك المسلمين هو المستحق لوصف المسلم، فمن المخاطب بالوعد الإلهي سواه، إنه هو المقصود في نظر نفسه بذلك الوعد الإلهي الذي لا يتخلف.

صناعة الأدبيات والبطولات المزعومة

وتبدأ تلك التيارات المتطرفة حينئذ في صناعة سيل من الأدبيات والقصائد والبطولات والملاحم التي وقعت بسبب تعديهم على المسلمين، فيعتبرونها هم تاريخًا مجيدًا في الصبر والثبات، مع سيل من الإسقاطات لآيات كريمات تتحدث عن فئات قليلة غلبت فئات كثيرة بإذن الله، فينطلق لتلك الآيات ويحملها على نفسه، ويجعل نفسه المقصود بذلك الوعد بالنصرة.

فهم مغلوط للآيات القرآنية

فبينما هو متعدٍّ على حرمة القرآن وآياته، منتهك لجلالها بتأويل مظلم، وتحريف لدلالتها، متهجم على حماها بدون أدوات الفهم ولا مناهجه، وبينما هو منغمس في المجتمع بالتكفير والعدوان، خارج عليهم بالبغي والسلاح، ساع في تدمير مؤسساتهم ومجتمعاتهم، وينزل بالقلوب والعقول المرارات، إذا هو في أعماق عقله، وقرارة نفسه متشبث بوهم كفر المجتمع، وأنه وحده المؤيد بالوعد الإلهي.

والنتيجة الخطيرة المبنية على ذلك هو عدم قبوله للمناقشة في وجود خطأ عنده، لأنه توحد بالوعد وامتزج به، فقيامك بالتشكيك في أهليته واستحقاقه، يقابل منه بالرفض التام، لأنه يعني في ذهنه التشكيك في الوعد الإلهي ذاته، وقد سمعنا بآذاننا من يتكلم عن نجاح فلان في الحكم أو عدم نجاحه بأن هذا شك في الله تعالى.   

الخلط بين قوة اليقين والكفاءة والخبرة

وهو يخلط بين قوة يقينه فيما يعتقده، وبين مدى الأهلية والكفاءة والخبرة والعلم والمعرفة، فيجعل قوة اليقين عوضًا عن عمق الخبرة، ويظن أن قوة يقينه فيما يعتقد تجبر الخلل في المقدرة والخبرة، فيخرج بذلك عن سنن الله في كونه، وقوانينه في عباده، ويخلط بين الأمور، وكلما أنكر الناس عليه قلة خبرته وعدم درايته، استعلى عليهم، ورجع يفتش في نفسه فيجد أنه مستند إلى يقين عميق في وعد إلهي يخصه، وإلى تاريخ من الأدبيات والملاحم، فيجزم بأنه مستكمل لأدوات النجاح، وهو في الحقيقة فاقد لها، منكر ومكابر في دعواه امتلاكها.

إنه لبس مفاهيمي وذهني، تُمتهن فيه الآيات القرآنية بتأويلات منحرفة، مما يصنع نموذجًا إنسانيًا مدمرًا للكون، وهو يظن أنه يسعى بالهداية.

تأول سيد قطب للوعد الإلهي

قال في ظلال القرآن: "الوعد بالنصر والغلبة والتمكين، هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء، ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها حين يشاء، ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة، ولكنها لا تخلف أبدًا ولا تتخلف، وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر، لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق السنة في صورة جديدة إلا بعد حين، ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله، ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى؛ فيكون ما يريده الله، ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون" [في ظلال القرآن، ٥ /٣٠٠١].

قال في ظلال القرآن: "وهو وعد قائم في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان، فما يلقى الذين كفروا الذين آمنوا حتى يخافوهم، ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم، ولكن المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين، حقيقة الشعور بولاية الله وحده، والثقة المطلقة بهذه الولاية، والتجرد من كل شائبة من شك في أن جند الله هم الغالبون، وأن الله غالب على أمره، وأن الذين كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه، والتعامل مع وعد الله هذا مهما تكن ظواهر الأمور تخالفه، فوعد الله أصدق مما تراه عيون البشر وتقدره عقولهم" [في ظلال القرآن، ١ /٤٩١].

وقال أيضًا: "والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة، فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة، فهذا الواقع هو الباطل الزائل، الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة، لعلها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم.

وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة، بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية، ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الانهيار، ويحمي شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها، ومن خضوعها للطغيان الغاشم، إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه، حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى، يجده في هذا الواقع ذاته بدون حاجة إلى الانتظار الطويل، وعلى أية حال، فلا يخالج المؤمن شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود، وأن الذين يحادون الله ورسوله هم الأذلون، وأن الله ورسله هم الغالبون، وأن هذا هو الكائن والذي لا بد أن يكون، ولتكن الظواهر غير هذا ما تكون" [في ظلال القرآن، ٦ /٣٥١٣].

وقال: "إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم الله، حتى يأتي موعده، في الوقت الذي يريده بحكمته، وفي الطريق مشقات كثيرة، مشقات التكذيب والتعذيب، ومشقات الالتواء والعناد، ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه، ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون، ثم مشقات إمساك النفس على هذا كله راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق، لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق، مهما تكن مشقات الطريق، وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق" [في ظلال القرآن، ٦ /٣٥١٣].

واسمعوا ما هو أخطر، قال في ظلال القرآن: "وأعطاهم الاستعلاء الذي ينظرون به إلى قطعان البشرية الضالة في أرجاء الجاهلية المترامية الأطراف في الأرض، فيحسون أن الله آتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين" [في ظلال القرآن، ٦ /٣٥١٣].

ربط الاستعلاء والتمكين بشيوع الجاهلية

واسمعوا ربط الاستعلاء بشيوع الجاهلية في الأرض، حيث يقول في ظلال القرآن: "وأنه تعالى أراد بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي الباقي بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها، وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به، كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن، واستعزت به واستعلت على جميع المناهج الأرضية، وهي بصفتها هذه، مناهج الجاهلية" [في ظلال القرآن، ١ /٢٦١].

وقال في ظلال القرآن: "حتى رغبة المؤمن في غلبة عقيدته وانتصار كلمة الله وقهر أعداء الله، حتى هذه الرغبة يريد الله أن يتجرد منها المؤمنون، ويكلوا أمرها إليه، وتتخلص قلوبهم من أن تكون هذه شهوة لها ولو كانت لا تخصها، هذه العقيدة: عطاء ووفاء وأداء فقط، وبلا مقابل من أعراض هذه الأرض، وبلا مقابل كذلك من نصر وغلبة وتمكين واستعلاء، ثم انتظار كل شيء هناك، ثم يقع النصر، ويقع التمكين، ويقع الاستعلاء، ولكن هذا ليس داخلًا في البيعة، ليس جزءًا من الصفقة، ليس في الصفقة مقابل في هذه الدنيا، وليس فيها إلا الأداء والوفاء والعطاء والابتلاء" [في ظلال القرآن، ١ /٢٦١].

فكرة الوصاية والاستعلاء

فما زال يربط التمكين بالاستعلاء، وهو يشدد على الثقة في الوعد الإلهي، بحيث يمكن للشخص عنده أن يظل في ابتلاء وأداء ووفاء وعطاء، قاصدًا وقوع التمكين والاستعلاء، ثم يموت ولا يرى من ذلك شيئًا، لكنه يموت مطمئنًا إلى أن الاستعلاء والتمكين سيتحققان لمن بعده.

وأساس ذلك كله ليس عند سيد قطب، بل هي بذرة غرسها حسن البنا في قوله: "ومعنى هذا أن القرآن الكريم قيم المسلمين أوصياء على البشرية القاصرة ويعطيهم حق الهيمنة والسيادة على الدنيا لخدمة هذه الوصاية النبيلة" [مجموعة الرسائل لـ(حسن البنا)، ص ٣٨، ط: دار الكلمة للنشر والتوزيع، الطبعةالخامسة، سنة ٢٠١٢م].

فهذا التصور الغريب في أننا أوصياء، يبدد تمامًا مقصد الشرع في جعل المسلمين أمة تسري من خلالها أنوار العلم والحكمة والهداية والأخلاق إلى الأمم، ويحول الأمر إلى وصاية واستعلاء وتجبر.

وإذا تربى الإنسان عندهم على ذلك، جعل التمكين والاستعلاء هدفا، يستند في تحقيقه إلى امتلاكه الوعد الإلهي، لا إلى مقدرته على تحقيق الرخاء والعمران، وتيسير سبل المعيشة، وصناعة الحضارة، وإنهاض المؤسسات، وإكرام الإنسان وتوفير مطالبه وكفايته، فيفقد التمكين فحواه، ويتراجع معناه، وتغيب تمامًا مقاصد الشريعة في حفظ النفس بإحيائها وإكرامها، وحفظ الدين والعرض والمال والعقل، وتختل منظومة الإسلام بالكلية، وتبقى تلك التيارات على الطرف الآخر، تفهم التمكين على أنه مغالبة وإقامة نظام سياسي، وانتزاع مقاليد الحكم، وتفهم الوعد الإلهي على أنه ضمان لهم دون غيرهم بالنجاح والمعونة، ويغيب فقه العمران والرخاء، وكلما افتقد الناس وجوه المعيشة، وتيسير سبل الحياة، وضاقت بهم مسالك الحياة، واجهتهم تلك التيارات بالمكابرة والعناد، وأنكروا الواقع، ثم انتقلوا إلى وهم آخر، وهو أن انتقاد الناس لهم، معاندة من الناس لشرع الله ودينه، فيجعلون توقف الناس عند الإخفاق الواقع عندهم تشكيكًا فيما لديهم من وعد إلهي، ويزداد ما قناعتهم من أن الناس ترفض شرع الله، وتزداد إغراقًا في الجاهلية، فيأتي دور المغالبة والمقاتلة، وحمل السلاح، ثم يسمون ذلك جهادًا في سبيل الله.

سؤال وجواب

س: ما المقصود باحتكار الوعد الإلهي؟

ج: هو ادعاء فئة أنها وحدها المستحقة لنصر الله ورضاه دون غيرها.

س: كيف يؤدي ذلك إلى التطرف؟

ج: لأنه يزرع الاستعلاء ويبرر إقصاء الآخرين وتكفيرهم.

س: ما علاقة الحاكمية والتمكين بالتطرف؟

ج: تُستغل هذه المفاهيم بشكل منحرف لتبرير العنف والسيطرة.

س: ما أخطر نتائج هذا الفكر؟

ج: نشر الكراهية، تفكيك المجتمع، وتهديد الأمن والاستقرار.

س: كيف يمكن مواجهة هذا الفكر؟

ج: بالعلم الصحيح، وتصحيح المفاهيم، وتعزيز الوسطية والوعي الديني.

الخلاصة

إن احتكار الوعد الإلهي يمثل انحرافًا فكريًا خطيرًا، يفرغ النصوص من مقاصدها، ويحوّلها إلى أدوات صراع، لتكفير المجتمع وتعميم الجاهلية فيه، هذا الوهم يبرر عدوان تيارات التطرف على المسلمين وإنكار الواقع، ويدفعهم إلى تفسير إخفاقاتهم بأنها اختبارات، وإلى تبرير العنف باسم الدين، إنه فهم يُشوه الدين ويهدم مقاصده الحقيقية؛ مما يستدعي تعزيز الوعي وتصحيح المفاهيم لحماية المجتمع.

موضوعات ذات صلة

تُقدم التيارات الإسلامية المتطرفة مفهوم التمكين كغاية سياسية للسيطرة على السلطة.

تُثير مفاهيم دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب جدلًا فقهيًّا قديمًا يتجدد في سياقات معاصرة.

تتشابك أسباب التكفير بين جهل مطبق بمقاصد الشريعة وانحراف فكري يحيد بالمرء عن جادة الصواب

 تعد الأمية الدينية من أخطر أسباب التطرف الديني