قال في ظلال القرآن: "الوعد بالنصر والغلبة والتمكين، هذا الوعد سنة من سنن الله الكونية، سنة ماضية كما تمضي هذه الكواكب والنجوم في دوراتها المنتظمة، وكما يتعاقب الليل والنهار في الأرض على مدار الزمان وكما تنبثق الحياة في الأرض الميتة ينزل عليها الماء، ولكنها مرهونة بتقدير الله، يحققها حين يشاء، ولقد تبطئ آثارها الظاهرة بالقياس إلى أعمار البشر المحدودة، ولكنها لا تخلف أبدًا ولا تتخلف، وقد تتحقق في صورة لا يدركها البشر، لأنهم يطلبون المألوف من صور النصر والغلبة، ولا يدركون تحقق السنة في صورة جديدة إلا بعد حين، ولقد يريد البشر صورة معينة من صور النصر والغلبة لجند الله وأتباع رسله، ويريد الله صورة أخرى أكمل وأبقى؛ فيكون ما يريده الله، ولو تكلف الجند من المشقة وطول الأمد أكثر مما كانوا ينتظرون" [في ظلال القرآن، ٥ /٣٠٠١].
قال في ظلال القرآن: "وهو وعد قائم في كل معركة يلتقي فيها الكفر بالإيمان، فما يلقى الذين كفروا الذين آمنوا حتى يخافوهم، ويتحرك الرعب الملقى من الله في قلوبهم، ولكن المهم أن توجد حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين، حقيقة الشعور بولاية الله وحده، والثقة المطلقة بهذه الولاية، والتجرد من كل شائبة من شك في أن جند الله هم الغالبون، وأن الله غالب على أمره، وأن الذين كفروا غير معجزين في الأرض ولا سابقين لله سبحانه، والتعامل مع وعد الله هذا مهما تكن ظواهر الأمور تخالفه، فوعد الله أصدق مما تراه عيون البشر وتقدره عقولهم" [في ظلال القرآن، ١ /٤٩١].
وقال أيضًا: "والمؤمن يتعامل مع وعد الله على أنه الحقيقة الواقعة، فإذا كان الواقع الصغير في جيل محدود أو في رقعة محدودة يخالف تلك الحقيقة، فهذا الواقع هو الباطل الزائل، الذي يوجد فترة في الأرض لحكمة خاصة، لعلها استجاشة الإيمان وإهاجته لتحقيق وعد الله في وقته المرسوم.
وحين ينظر الإنسان اليوم إلى الحرب الهائلة التي شنها أعداء الإيمان على أهل الإيمان في صورها المتنوعة من بطش ومن ضغط ومن كيد بكل صنوف الكيد في عهود متطاولة، بلغ في بعضها من عنف الحملة على المؤمنين أن قتلوا وشردوا وعذبوا وقطعت أرزاقهم وسلطت عليهم جميع أنواع النكاية، ثم بقي الإيمان في قلوب المؤمنين يحميهم من الانهيار، ويحمي شعوبهم كلها من ضياع شخصيتها وذوبانها في الأمم الهاجمة عليها، ومن خضوعها للطغيان الغاشم، إلا ريثما تنقض عليه وتحطمه، حين ينظر الإنسان إلى هذا الواقع في المدى المتطاول يجد مصداق قول الله تعالى، يجده في هذا الواقع ذاته بدون حاجة إلى الانتظار الطويل، وعلى أية حال، فلا يخالج المؤمن شك في أن وعد الله هو الحقيقة الكائنة التي لا بد أن تظهر في الوجود، وأن الذين يحادون الله ورسوله هم الأذلون، وأن الله ورسله هم الغالبون، وأن هذا هو الكائن والذي لا بد أن يكون، ولتكن الظواهر غير هذا ما تكون" [في ظلال القرآن، ٦ /٣٥١٣].
وقال: "إن مشقة الدعوة الحقيقية هي مشقة الصبر لحكم الله، حتى يأتي موعده، في الوقت الذي يريده بحكمته، وفي الطريق مشقات كثيرة، مشقات التكذيب والتعذيب، ومشقات الالتواء والعناد، ومشقات انتفاش الباطل وانتفاخه، ومشقات افتتان الناس بالباطل المزهو المنتصر فيما تراه العيون، ثم مشقات إمساك النفس على هذا كله راضية مستقرة مطمئنة إلى وعد الله الحق، لا ترتاب ولا تتردد في قطع الطريق، مهما تكن مشقات الطريق، وهو جهد ضخم مرهق يحتاج إلى عزم وصبر ومدد من الله وتوفيق" [في ظلال القرآن، ٦ /٣٥١٣].
واسمعوا ما هو أخطر، قال في ظلال القرآن: "وأعطاهم الاستعلاء الذي ينظرون به إلى قطعان البشرية الضالة في أرجاء الجاهلية المترامية الأطراف في الأرض، فيحسون أن الله آتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين" [في ظلال القرآن، ٦ /٣٥١٣].