Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

(صناعة المتطرفين) كيف يُغذَّي البُعدُ النفسي موجات التطرفِ الجديدة؟

الكاتب

د/ حسين القاضي

(صناعة المتطرفين) كيف يُغذَّي البُعدُ النفسي موجات التطرفِ الجديدة؟

يمثل البعد النفسي أحد المفاتيح المهمة لفهم ظاهرة التطرف الديني في العالم كله؛ إذ لا تنبع ميول التشدد والعنف من الأفكار وحدها، بل كثيرًا ما تغذيها حالات نفسية معقدة مثل: الشعور بالإحباط، والاغتراب، والبحث عن معنى وهوية، وفي ضوء المتغيرات العميقة التي لحقت بظاهرة التطرف الديني، يبرز الاهتمام بالبعد النفسي كأولوية، خاصة مع غياب المعالجة الجادة لهذا الجانب في كثير من المقاربات السائدة.

مقدمة

يمثل البعد النفسي أحد المفاتيح المهمة؛ لفهم ظاهرة التطرف الديني في العالم كله، إذ لا تنبع ميول التشدد والعنف من الأفكار وحدها، بل كثيرًا ما تغذيها حالات نفسية معقدة مثل: الشعور بالإحباط، والاغتراب، والبحث عن معنى وهوية، في ظل أزمات مختلفة، يجد بعض الأفراد في الخطاب المتطرف متنفسًا لانفعالاتهم، ومخرجًا من مشاعر الإحباط والعجز، مما يجعلهم أكثر عرضة للتجنيد والاستقطاب من قبل التنظيمات المتطرفة التي تحسن مخاطبة هذا الجانب النفسي بوعود القوة واليقين والانتصار والتمكين.

نشأة موجات التطرف والعنف

تختلف موجات التطرف والعنف في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي عن الموجات الحالية، فالموجات الحالية لا تعتمد على بنية فكرية، ولا على التواصل والاحتكاك المباشر، فموجة الإرهاب قديمًا كانت تعتمد على بنية فكرية تبدأ من التشدد إلى التطرف غير العنيف، ثم إلى التطرف العنيف، لكن بات الاستقطاب الآن يعتمد على اجتذاب النفسية المحتقنة والمنفجرة من خلال الاعتماد على الأبعاد النفسية؛ حيث يمثل البعد النفسي أحد المفاتيح المهمة لفهم ظاهرة التطرف الديني في العالم كله؛ إذ لا تنبع ميول التشدد والعنف من الأفكار وحدها، بل كثيرًا ما تغذيها حالات نفسية معقدة مثل: الشعور بالإحباط، والاغتراب، والبحث عن معنى وهوية، في ظل أزمات مختلفة، يجد بعض الأفراد في الخطاب المتطرف متنفسًا لانفعالاتهم ومخرجًا من مشاعر الإحباط والعجز، مما يجعلهم أكثر عرضة للتجنيد والاستقطاب من قبل التنظيمات المتطرفة التي تحسن مخاطبة هذا الجانب النفسي بوعود القوة واليقين والانتصار والتمكين.

أهمية البعد النفسي في صناعة المتطرفين

وقد أدى هذا التراجع الفكري أمام تصاعد الجانب النفسي إلى اختزال مدة تجنيد العضو في فترة قد لا تتجاوز بضع ساعات؛ إذ لم يعد المتطرف بحاجة إلى نقاشات فلسفية أو فكرية مطولة، والدليل على ذلك اعتراف الإرهابي عبد الرحيم المسماري بانضمامه إلى (داعش) بمجرد سماعه نشيدًا ثوريًّا، ولهذا فإن تعدد الأسباب المؤدية إلى احتقان النفس يسهم في تكوين حالة نفسية مهيأة للانجراف نحو التطرف، بشكل أسرع بكثير مما لو استغرق الشخص شهورًا في قراءة كتاب متطرف.

وفي ضوء المتغيرات العميقة التي لحقت بظاهرة التطرف الديني، يبرز الاهتمام بالبعد النفسي كأولوية، خاصة مع غياب المعالجة الجادة لهذا الجانب في كثير من المقاربات السائدة، رغم أنه يشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذه الظاهرة، فنجاح التنظيمات المتطرفة في استقطاب النفسيات المحتقنة والثائرة تحت وطأة الأوضاع الاقتصادية والسياسية والتعليمية، يشير إلى خطورة إهمال هذا البعد، إذ يبدو واضحًا أن الشخص المتشدد أو المتطرف يتحرك تحت وطأة شعور داخلي عميق بأن وجوده مهدد، وأن المستقبل يُغلق أمامه، مما يغذي لديه حالة من التوتر النفسي، والقلق الوجودي، وفي ظل هذا الإحساس بالخطر، يتبنى مواقف حادة، ويقدم على ممارسات متشددة أو عنيفة يراها المتطرف وسيلة لحماية وجوده وضمان مستقبله الدنيوي والأخروي، في ظل شعور متنامٍ بالعجز وميل للتعويض الرمزي من خلال التطرف.

وقد توصلت دراسة منشورة إلى أن تجربة قام بها عدد من الباحثين في عام ٢٠١٢م تضمنت تعريض مجموعة من المعتدلين والمتشددين لسلسلة من الصور الإيجابية والسلبية على شاشة كمبيوتر مع تسجيل حركات أعينهم؛ اتّجه المعتدلون لتتبع الصور الإيجابية والممتعة، بينما اتجه المتشددون إلى تأمل الصور المهددة والمزعجة، مثل: حطام السيارات والإصابات وغيرها، وهو ما يطلق عليه علماء النفس اسم (التحيز السلبي) الذي يقوم على أنه عندما ينحاز الانتباه نحو الجانب السلبي، تكون النتيجة تقييمًا مفرطا للتهديد، والنظر إلى العالم بوصفه مكانًا مخيفا للغاية، وهو ما يفسر اتجاه العديد من وجهات النظر إلى تجذر الخوف، الخوف من الإرهاب ومن الفقر وغير ذلك.

ظاهرة الشعور بالاغتراب وأثرها في صناعة المتطرفين

يضاف إلى ذلك أن لافتات الاستفزاز اليومي للهوية الدينية التي يتعرض لها المسلم في العالم كله تخلق لدي المتطرف حالة متنامية من الاغتراب، اغتراب بينه وبين النسق الاجتماعي في بيئته، وهي حالة تترسخ في وجدانه، وتؤدي إلى اضطرابات نفسية، وشحن داخلي، يدفعانه إلى الانحراف والصدام، والانقياد لأي فكرة سطحية حماسية حركية تخلو من إعمال العقل، ولهذا فإن التعامل مع ظاهرة التطرف بمعزل عن الواقع والوقائع يؤدي إلى فشل محاولات مكافحته.

فالأوضاع المأزومة تخلق نفسية محتقنة، تميل إلى العدوانية، كطاقة انفعالية وشحنة صدامية لابد من تفريغها، فيبحث المتطرف عن كبش فداء، حتى إن لم يجد كبش فداء يمكنه تفريغ هذا العدوان على نفسه ومجتمعه ووطنه دفاعًا عن معتقداته الدينية، وأفكاره الأيدلوجية، والعيش بين تنظيم يشعر معه بالراحة والطمأنينة والانتماء، ويكون متنفسا مهما عما في داخله.

وصاحب النفسية المحتقنة يتسم بالإسراع والاستجابة الفورية العنيفة تجاه أي موقف أو قرار أو حدث يختلف مع تفكيره، وأطروحته وتنظيمه، ومن هنا فإن اتساع مساحة حرية الرأي والحوار وقبول الرأي الآخر وعدم تسفيه من يحمل رأيًا متناقضًا أو معارضًا أو ناقدًا، بات ضرورة ملحة وليس ترفيها.

التفسير النفسي للتطرف والإرهاب

للمرحوم الدكتور شاكر عبد الحميد دراسة مهمة بعنوان: (التفسير النفسي للتطرف والإرهاب) صادرة عن سلسلة مراصد التي تصدرها مكتبة الإسكندرية، وهي من أوائل الدراسات التي تناولت الجانب النفسي للمتطرف، وخلص فيها إلى وجود تفسيرات تقول إن الاستجابات المتطرفة تزيد كلما شعر الفرد بالهامشية، ويزيد التصلب كلما شعر الفرد بالتهديد، وأن الافتقاد إلى الهوية لدى المتطرفين عامة هو محصلة لعملية التدمير الذاتي والكراهية الذاتية التي تقودهم نحو الشعور بالانتقام تجاه الحياة نفسها، وكذلك نحو القتل لإخوتهم من البشر على نحو قهري.

يمكن النظر إلى التطرف كحالة نفسية واضطرابية، تتغذى على نزعة تدمير الحياة، وهو في جوهره شكل من أشكال التنفيس الانفعالي عن المشاعر العنيفة المتراكمة، التي تنشأ عن أسباب متعددة منها الكبت، والشعور بعدم الأمان، والاستياء، والخسارة، والغضب، والدراسات النفسية توضح أن كثيرًا من المتطرفين يمارسون العنف كتنفيس عن شحنات متراكمة من الإحباط والغضب.

تحدث الدكتور شاكر عبد الحميد عن نظرية الصورة (Image Theory) الذهنية التي تسهم في جذب فئة نحو التطرف، ونظرية الصورة معناها أن يحتفظ الفرد بداخله بالعديد من الصور المختلفة الخاصة بجماعته الداخلية (تنظيمه الأيدلوجي)، وكذلك جماعته الخارجية (المجتمع أو الدولة) التي يشعر تجاهها بالعداء، وأن جماعةً ما غير جماعته تمتلك القوة والثروة والثقافة على نحو استثنائي وظالم، وحدث غياب للعدالة والمساواة، ولن يتم تغيير هذا الواقع إلا بالعنف.

ونظرية العزو (Attribution Theory) التي تُرجع أسباب الفشل أو الرسوب أو التأخر أو صعوبات الحياة إلى أسباب خارجية لدى المتطرف، بمعنى أنه رسب وفشل بسبب (الحظ – القدر – النصيب- عدم كفاءته) أم بسبب (المحسوبية – المجاملة – الوساطة- العلاقات- المعارف)، وحسب الاعتقاد تتكون مشاعره واتجاهاته وسلوكياته، فإذا كان المجتمع يعاني من (المحسوبية – المجاملة – الوساطة)، فإن ذلك يخلق سلوكيات واتجاهات محفزة للتطرف والعنف.

وقد أكدت دراسة نشرتها مجلة قضايا التطرف، عنوانها: (أبعاد التهيئة النفسية المعززة لممارسة السلوك الإرهابي) أن التطرف شحنات انفعالية، ولذا فإن السلوك المتطرف يعتبر عملية تفريغ سلوكي لتلك الشحنات بشكل خاطىء، ومن ثَم فقد يكون السلوك الإرهابي تنفسيًّا عن مشاعر مكبوتة، يرى المتطرف أنها خاطئة، في الوقت الذي يفشل فيه من إشباع حاجة الانتماء، فيتجه نحو سلوكيات سلبية.

وفي النهاية يبقى البعد النفسي واحدًا من المفاتيح الجوهرية في فهم مسارات التطرف الحديث، فالنفسية المحتقنة، المثقلة بمشاعر الغضب والإحباط، باتت بيئة خصبة للاستقطاب السريع نحو العنف، بعيدًا عن المسارات الفكرية التقليدية، مما يفرض علينا إعادة التفكير في طرق المواجهة، بعدم الاعتماد على المعالجة الأمنية أو الفكرية وحدها، بل تحتاج إلى جهود متكاملة تهتم بإزالة مسببات الاحتقان النفسي، وتعزيز قيم العدالة والانتماء، وتحرير النفس من الكبت والإحباط واليأس، وهي الخطوة الأولى لحمايتها من الوقوع في براثن جماعات العنف والتطرف.

الخلاصة

البعد النفسي يمثل مفتاحًا لفهم ظاهرة التطرف، إذ تُغذّى ميول العنف غالبًا بمشاعر الإحباط والاغتراب وفقدان الهوية، أكثر من الأفكار وحدها، ومع تغير أنماط التجنيد، أصبح الخطاب العاطفي الحماسي أداة أساسية لاستقطاب النفسيات المحتقنة، وقد أظهرت الدراسات أن التطرف قد يكون تفريغًا نفسيًّا عن توترات داخلية عميقة، في ظل شعور بالتهديد وفقدان العدالة والانتماء.

موضوعات ذات صلة

مواجهة تيارات العنف والتطرف الجذور الفكرية والأصول المنهجية

إن قضية المنهج هي أم القضايا في زماننا؛ فبفساد المنهج يضطرب الفهم، وباستقامته يستقيم فهم الدين والدنيا

بتحصين العقول بالوعي، وترسيخ قيم المواطنة، ونشر الفكر الوسطي. 

بالوعي الرشيد تُحفظ الدماء، وبالفكر السليم تُبنى الأوطان وتُصان.