للمرحوم الدكتور
شاكر عبد الحميد دراسة مهمة بعنوان: (التفسير
النفسي للتطرف والإرهاب) صادرة
عن سلسلة مراصد التي تصدرها مكتبة الإسكندرية، وهي من أوائل الدراسات التي تناولت
الجانب النفسي للمتطرف، وخلص فيها إلى وجود تفسيرات تقول إن الاستجابات المتطرفة
تزيد كلما شعر الفرد بالهامشية، ويزيد التصلب كلما شعر الفرد بالتهديد، وأن
الافتقاد إلى الهوية لدى المتطرفين عامة هو محصلة لعملية التدمير الذاتي
والكراهية الذاتية التي تقودهم نحو الشعور بالانتقام تجاه الحياة نفسها، وكذلك نحو
القتل لإخوتهم من البشر على نحو قهري.
يمكن النظر إلى التطرف كحالة نفسية واضطرابية، تتغذى على نزعة تدمير
الحياة، وهو في جوهره شكل من أشكال التنفيس الانفعالي عن المشاعر العنيفة
المتراكمة، التي تنشأ عن أسباب متعددة منها الكبت، والشعور بعدم الأمان،
والاستياء، والخسارة، والغضب، والدراسات النفسية توضح أن كثيرًا من المتطرفين
يمارسون العنف كتنفيس عن شحنات متراكمة من الإحباط والغضب.
تحدث الدكتور شاكر عبد الحميد عن نظرية الصورة (Image
Theory) الذهنية التي تسهم في جذب فئة نحو التطرف،
ونظرية الصورة معناها أن يحتفظ الفرد بداخله بالعديد من الصور المختلفة الخاصة
بجماعته الداخلية (تنظيمه
الأيدلوجي)، وكذلك جماعته الخارجية (المجتمع أو الدولة) التي
يشعر تجاهها بالعداء، وأن جماعةً ما غير جماعته تمتلك القوة والثروة والثقافة على
نحو استثنائي وظالم، وحدث غياب للعدالة والمساواة، ولن يتم تغيير هذا الواقع إلا
بالعنف.
ونظرية العزو (Attribution
Theory) التي
تُرجع أسباب الفشل أو الرسوب أو التأخر أو صعوبات الحياة إلى أسباب خارجية لدى
المتطرف، بمعنى أنه رسب وفشل بسبب (الحظ
– القدر – النصيب- عدم
كفاءته) أم بسبب (المحسوبية – المجاملة – الوساطة- العلاقات- المعارف)، وحسب الاعتقاد تتكون مشاعره واتجاهاته وسلوكياته، فإذا كان المجتمع
يعاني من (المحسوبية – المجاملة – الوساطة)، فإن ذلك يخلق سلوكيات واتجاهات محفزة للتطرف والعنف.
وقد أكدت دراسة نشرتها
مجلة قضايا التطرف، عنوانها: (أبعاد
التهيئة النفسية المعززة لممارسة السلوك الإرهابي) أن التطرف شحنات انفعالية، ولذا فإن السلوك المتطرف يعتبر عملية
تفريغ سلوكي لتلك الشحنات بشكل خاطىء، ومن ثَم فقد يكون السلوك الإرهابي تنفسيًّا عن
مشاعر مكبوتة، يرى المتطرف أنها خاطئة، في الوقت الذي يفشل فيه من إشباع حاجة
الانتماء، فيتجه نحو سلوكيات سلبية.
وفي النهاية يبقى
البعد النفسي واحدًا من المفاتيح الجوهرية في فهم مسارات التطرف الحديث، فالنفسية
المحتقنة، المثقلة بمشاعر الغضب والإحباط، باتت بيئة خصبة للاستقطاب السريع نحو
العنف، بعيدًا عن المسارات الفكرية التقليدية، مما يفرض علينا إعادة التفكير في
طرق المواجهة، بعدم الاعتماد على المعالجة الأمنية أو الفكرية وحدها، بل تحتاج إلى
جهود متكاملة تهتم بإزالة مسببات الاحتقان النفسي، وتعزيز قيم العدالة والانتماء،
وتحرير النفس من الكبت والإحباط واليأس، وهي الخطوة الأولى لحمايتها من الوقوع في
براثن جماعات العنف والتطرف.