إن
الانتقال من مربع الأنانية والانفلات الزوجي إلى مربع المسؤولية التربوية والأمانة
يتطلب من الزوجين تبني خطوات عملية واضحة ومقدسة لحفظ أمان أطفالهم النفسي والجسدي؛
وذلك تحمُّلًا للمسؤولية الشرعية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ
كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي
عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى
أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ
عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ
الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ
فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [صحيح البخاري،
كتاب الأحكام، رقم : ٧١٣٨].
ومن
هذه الخطوات:
(١) الطمأنينة في أوقات وأماكن التَّجَمُّع الأسري
يجب
على الزوجين، في لحظات الصفاء، الاتفاق على نمط المعيشة الآمن، وهو أن غرف
الأبناء، والصالات المشتركة، وأوقات تناول الطعام، هي مناطق آمنة مستقرة تملؤها
المودة والمحبة والسعادة، ويُمنع فيها رفع الصوت أو توجيه العبارات القاسية، فإذا
شعر أحد الطرفين ببدء تصاعد النقاش الساخن ورغبة في الغضب أو الانفلات، وجب
استخدام لغة خاصة متفق عليها مسبقًا بينهما، معناها: علينا التوقف الفوري، فالأبناء
في المحيط، نؤجل هذا النقاش إلى خلوتنا.
ولا
شك أنَّ هذا الكبح الإرادي الواعي للغضب هو دليل نضج عاطفي وعقلي وشرعي حقيقي،
ويمثل حماية استباقية لنفوس الصغار من شظايا الانفلات اللفظي.
(٢) التمييز المعرفي والتربوي بين الاختلاف الصحي والخلاف التدميري
ليس
كل نقاش يشهده الأبناء بين الوالدين يُعد سيئًا بالضرورة؛ فالأبناء يحتاجون في
تنشئتهم إلى رؤية والديهم يختلفون في الرأي حول موضوع ما (مثل اختيار مكان الرحلة،
أو تدبير أمر مالي) ولكنهم يتحاورون بذكاء، وهدوء، واحترام متبادل، ويستمع كل طرف
للآخر حتى يصلا إلى حل وسط مُرضي للجميع.
هذا
النمط يُسمى: (الاختلاف الصحي)، وهو يعلم الطفل مهارات حياتية هائلة:
كمهارات التفاوض، وقبول الرأي الآخر، والمرونة المعرفية، والاعتراف بالخطأ. أما
الخلاف التدميري الذي يشمل الصراخ، والإهانة، وتسفيه رأي الآخر، وشتم عائلته، فهو
الذي يجب حظره حظرًا كليًّا ومنع وصوله لوعي الطفل؛ لما يسببه من تدمير لنموذج
القدوة.
(٣) المعالجة السريعة عند حدوث
الانفلات
إذا
حدث -تحت وطأة الضغوط الحياتية الخارجة عن السيطرة- وانفلتت الأعصاب ووقع شجار
صاخب أمام الأبناء رغْمًا عن إرادة الزوجين، فلا ينبغي أبدًا ترك هذا الموقف يمر
دون علاج إكلينيكي وتربوي سريع، يجب على الأب والأم -بمجرد هدوء العاصفة العاطفية
وانقشاع الغضب- الجلوس مع الأبناء في جلسة احتضان ومصارحة:
يجب
على الوالدين ضم الأبناء والاعتذار منهم علنًا صراحةً؛ كأن يقول الأب: نحن نعتذر
منكم يا أبنائي، لقد ارتفعت أصواتنا قبل قليل، الكبار يخطئون أحيانًا كما يخطئ
الصغار، لكننا نحب بعضنا ونحبكم كثيرًا، والبيت آمن تمامًا، والمشكلة قد استطعنا
بفضل الله -تعالى- أن نتغلَّب عليها.
هذا
الحوار الواعي والعقلي والعاطفي يمسح الفزع فورًا من قلوب الصغار، ويزيل عن كواهلهم
عقدة الذنب، ويعيد قوة العلاقة الأسريَّة لموضعها الصحيح.
(٤) عدم الاستقطاب والتحريض المتبادل من الطرفين
من
أبشع الجرائم التربوية والنفسية التي يرتكبها الآباء المنفصلون عاطفيًّا أو
المتناحرون، هو محاولة أحد الوالدين استقطاب الطفل لصفه وتحريضه ضد الطرف الآخر؛
كأن تختلي الأم بابنها لتبكي وتشكو له ظلم أبيه وقسوته المادية، أو ينفرد الأب
بابنته ليشوه صورة أمها ويهز مكانتها الأخلاقية أمامها [د.
ريتشارد غاردنر، متلازمة الاغتراب الوالدي PAS، ١٩٨٥].
هذا
السلوك الأناني يدمر القيم الأخلاقية في الطفل، ويصيبه بـ "تمزق الولاء
الداخلي" (Split Loyalty)؛
حيث يشعر بالخيانة والذنب الفظيع لمجرد أنه يحب والده أو يحب أمه، هذا التمزق
يدفعه إلى كره الطرفين معًا، واعتزال الأسرة بأكملها، والهروب من ضغوطها الرهيبة،
والارتماء في أحضان رفقاء السوء أو السلوكيات الانحرافية أو العزلة الأسريَّة؛ بحثًا
عن بديل للأمان المفقود.