Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الخلافات الزوجية أمام الأبناء

الكاتب

هيئة التحرير

الخلافات الزوجية أمام الأبناء

الأسرة المطمئنة هي الرحم النفسي الثاني للطفل؛ فَرَحِمُ الأم البيولوجي يوفر للجنين الحماية العضوية، والغذاء، والوقاية من مهددات البيئة الخارجية، والأسرة المستقرة نَسَقٌ وجوديٌّ يَمُدُّ الطفلَ بالعاطفة، والسكينة، واليقين النفسي الذي يبني أساس شخصيته، لكنَّ النزاعات الأسرية العلنية تُعْتَبر جريمة تربوية صامتة تضرب الأمان النفسي والعاطفي والقِيَمِي لدى الطفل.

الفزع الأُسَري وتشظي الذات الطفولية

يتعامل الكثير من الآباء والأمهات بانعدام وَعْيٍ أو باستخفاف معرفي مع قدرة الأطفال على الاستيعاب الوجداني، ظانِّين أن الصغير لا يفهم أبعاد الشجار، أو أنه سينسى تلك المشاهد بمجرد انتهاء نوبة الغضب وعودة المياه إلى مجاريها، لكنَّ علم النفس بدراساته الحديثة يؤكد أن الطفل يمتلك رادارات عاطفية فائقة الحساسية، تلتقط التوتر الكامن في لغة الجسد ونبرات الصوت قبل تحوله إلى كلمات منطوقة، ويُترجم هذا الخلل الوجداني فورًا إلى أزمات نفسية حادة تُشَظِّي بنيتَه الذاتية، ومن أمثلة هذه الأزمات:

(١) انهيار جدار الأمان وصدمة سقوط المرجعية

عندما يشهد الطفل والده -الذي يمثل في وعيه الجمعي رمز القوة والحماية- يصرخ ويهدد، أو يرى أمه -التي تمثل لديه منبع الرعاية والاحتواء- تبكي وتنهار، يحدث في داخله ما يُسمى في علم النفس الإكلينيكي (صدمة تفكيك المرجعية العليا) (Reference Deconstruction Shock) يقع الطفل هنا في حيرة وجدانية مأساوية وتساؤل وجودي مرعب: من يحميني في هذا العالم إذا كان مصدر حمايتي يهاجم مصدر رعايتي، وإذا كان الحصن الذي ألوذ به ينهار من الداخل؟

هذا التساؤل غير المنطوق يضع مخ الطفل -وتحديدًا اللوزة الدماغية (Amygdala)، في حالة طوارئ بيولوجية مستمرة [بيتر ليفين، الشفاء من الصدمات، ٢٠١٢]؛ ونتيجةً لذلك، يرتفع إفراز هرموني الكورتيزول والأدرينالين بمستويات سامة تؤثر على نمو القشرة المخية؛ مما يجعل الطفل يعيش في قلق مزمن، وفزع ليلي، وتوقع دائم، وهلع من خراب البيت، أو من حدوث مكروه، والتخلي عنه ونبذه في أي لحظة.

(٢) عقدة الذنب الطفولية وجلد الذات المبكر

تميز نظريات علم النفس المعرفي تفكير الطفل في مراحله المبكرة -من سن سنتين إلى سبع سنوات- بما يُعرف بـ (المركزية حول الذات Egocentrism)، حيث يعتقد الصغير أنه مركز الكون، وأن كل الأحداث والظواهر التي تقع حوله تحدث بسببه أو ترتبط بأفعاله ارتباطًا سببيًّا. [جان بياجيه، علم نفس الطفل، ١٩٦٦].

بناءً على هذا النمط العقلي، عندما يشهد الصغير شجارًا حادًا بين والديه، فإنه يفسره تلقائيًّا وتفسيرًا باطنيًّا بأنه هو المذنب الحقيقي وراء هذا النزاع؛ كأن يربط بين نقاشهما الحاد حول المصاريف المادية وبين شرائه للعبة، أو يظن أن صراخهما بسبب بكائه، أو عدم نومه هو جُرم اقترفه واستحق عليه العقاب.

هذا التفسير يُوَلِّد في أعماقه عقدة ذنب باطنية مزمنة تتآكل معها ثقته بنفسه وتقديره لذاته (Self-Esteem)، وينشأ بسببه شخصية انطوائية، خانعة، تمارس جلد الذات المبكر، وتحاول دائمًا إرضاء الآخرين (People Pleaser) على حساب سلامتها النفسية؛ خوفًا من اندلاع النزاعات.

٣. اضطرابات سلوكية فيما بعد الصدمة

إن تكرار تعرض الطفل للمشاهد العنيفة، وسماع الألفاظ النابية، ورؤية البكاء، أو تكسير الأثاث والتحطيم المادي داخل المنزل، يزرع في عقله الباطن بذور اضطراب كرب ما بعد الصدمة، ونظرًا لأن الطفل لا يمتلك القدرة اللغوية الكافية للتعبير عن هذا الألم والترسيب النفسي، فإن الصدمة تظهر واقعيًّا على هيئة اضطرابات سلوكية ونكوصية [المعهد الوطني للصحة العقلية NIMH، اضطرابات الطفولة، ٢٠٢١]، ومن أبرزها:

  • التراجع الدراسي المفاجئ وتشتت الانتباه الحاد نتيجة انشغال العقل بالخوف.
  • اضطرابات النوم والكوابيس الليلية المستمرة.
  • النكوص السلوكي: مثل عودة الطفل إلى التبول اللاإرادي بعد استقراره، أو مص الأصابع.
  • النكوص اللغوي: مثل ظهور التلعثم والتأتأة المفاجئة بعد طلاقة الكلام، كتعبير حركي عن تجمد المشاعر وفقدان القدرة على التواصل الآمن.

إعادة إنتاج العنف العابرة للأجيال وتشويه العلاقات المستقبلية

تعتبر الأسرة هي المؤسسة الأولى والمنصة المركزية للتنشئة الاجتماعية، وهي الموضع الأول الذي يتعلم فيه الفرد آليات التواصل الإنساني، وفض النزاعات، وإدارة الأزمات، إن البيئة الأسرية التي تدار بالخلافات الصاخبة والعنف المتبادل تخرج للمجتمع أفرادًا يحملون تشوهات سلوكية واجتماعية خطيرة تهدد السلم الأهلي والبناء المجتمعي ككل، فيتأثَّر بها الطفل على النحو التالي:

(١) المحاكاة الاجتماعية وتبني العنف لفرض الذات.

يتعلم الطفل سلوكياته الأساسية في الحياة عبر آليتي النمذجة والمحاكاة، فالأب الذي يصرخ، ويشتم، ويستخدم قوته العضلية أو نفوذه المالي لفرض رأيه وإسكات زوجته، يُعَلِّمُ ابنه عمليًّا أن الصُّراخ والعنف هما لغة القوة، والوسيلة الوحيدة لإثبات الذات وإخضاع الآخرين. [ألبيرت باندورا، نظرية التعلم الاجتماعي، ١٩٧٧].

وفي المقابل، فإن الأم التي تشتم، وتهجو، وتستخدم اللسان السليط؛ لتعوض ضعفها، تعلم ابنتها أن الهجوم اللفظي هو درع الحماية الوحيد.

ينقل الأبناء هذه النماذج السلوكية المشوهة فورًا إلى بيئاتهم الخارجية؛ فيتحول الطفل في مدرسته وناديه إلى شخص (عدواني تنمري) يمارس العنف ضد أقرانه كآلية دفاعية، أو يتحول إلى شخص (ضحية نمطية) عاجز عن الدفاع عن نفسه، مستسلم لإيذاء الآخرين؛ لأنه اعتاد أن يكون مستسلمًا في المنزل لعنف لا يستطيع رده.

(٢) تشويه البنية المعرفية للزواج

عندما ينشأ الطفل في بيت يغيب عنه الدفء، ويسوده الصراع، ويكون عنوانه اليومي الخصام والتهديد بالطلاق، تنطبع في مخيلته صورة ذهنية سوداوية ومشوهة عن الزواج والأسرة بوصفها في ذهنه المعرفي (ساحة حرب مستعرة، أو مصيدة عاطفية، أو مصدر نكد وعذاب صامت مستمر) [د. مصطفى حجازي، التنشئة الوالدية وأثرها في البناء النفسي، ٢٠١٥]، كل ذلك على اختلاف الصورة التي يعيشها كل طفل.

هذا التشوه المعرفي لا يزول بتقدم العمر، بل يظهر جليًّا عندما يبلغ هؤلاء الأبناء سن الشباب والانخراط في المجتمع؛ حيث يصابون بـ (رهاب الارتباط العاطفي والزواجي) (Gamophobia).

ويفضل هؤلاء الشباب العزوف عن الزواج، واعتزال فكرة بناء أسرة، مدفوعين بخوف باطني جارف من إعادة إنتاج مأساة والديهم، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي، ويزيد من معدلات التفكك والعزلة الفردية في المجتمع.

حرمة ترويع الصغار وجناية هدم السكن الزوجي

جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لتقر مبدأً أصيلًا، ودستورًا محكمًا في العلاقات الأسرية؛ وهو أن الزواج بُنِي على المحبة، والرحمة، والسكينة، وجُعلت هذه الثلاثية هي المقصد الأساسي والغاية الأسمى من بناء البيوت.

(١) مقاصد الشريعة في السكن والمودة والرحمة.

يؤصل القرآن الكريم للرباط الزوجي بوصفه آية من آيات الله في الكون تتطلب الرعاية والصون، حيث يقول الله -سبحانه وتعالى- في محكم التنزيل موضحًا الغاية العظمى من بناء الأسرة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [سورة الروم، الآية: ٢١].

إن غياب السكن النفسي، والمودة، والرحمة من البيت، واستبدالها بالخصام الصاخب، والتناحر المرير أمام الأبناء، هو هدم مباشر للمقاصد الشرعية للأسرة كما حدَّدتها الآية الكريمة، فتتحول الأسرة من واحة طمأنينة إلى بؤرة شقاء، فالمودة والرحمة ليستا مجرد مشاعر اختيارية، بل هما واجبان شرعيان يلتزم بهما الطرفان لحماية الأبناء وصيانة الآباء.

(٢) حُرمة الترويع وعقوبة إفزاع البراءة.

لقد حرم الإسلام ترويع المسلم بأي شكل من الأشكال، وجعل حفظ النفس والعقل من الكليات الخمس التي دارت حولها الأحكام، فكيف إذا كان هذا الترويع موجَّهًا لطفل صغير لا حول له ولا قوة، ومن قِبل والديه اللذين أُمِرَا شرعًا برعايته، وحمايته، وصون نفسه؟ يقول النبي -ﷺ- في الحديث الشريف: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا». [سنن أبي داود، كتاب الأدب، رقم الحديث ٥٠٠٤].

إن فزع الطفل، وبكاءه، وخوفه، ورؤيته لوالديه في حالة احتراب وخصومة صاخبة هو أشد أنواع الترويع إثْمًا، وأعظمها خروجًا عن الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها، والآباء الذين يمارسون هذا الترويع يقعون في إثم شرعي وجناية تربوية يُسألون عنها بين يدي الله -تعالى.

(٣)  المنهج الشرعي في إدارة الخلاف وحجب النزاع

إذا وقع الخلاف والنزاع بين الزوجين -وهو أمر طبيعي ومحتمل في جبلة الحياة البشرية وطبائعها- فإن القرآن الكريم وضع دستورًا حضاريًّا راقيًا لإدارته بعيدًا عن أعين الأطفال ومسامعهم، متمثلًا في قوله -تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٢٩].

إن المعروف والإحسان في فقه العلاقات الزوجية يقتضيان صيانة أسرار البيوت، وحجب النزاعات الكبرى والجدال الحاد عن مدارك الصغار؛ لتبقى صورة الأب وقورةً شامخةً في عين ولده، وصورة الأم حانيةً رقيقةً، فلا ينكسر أحدهما في عين ولده، مما يفتح باب العقوق، وسقوط الهيبة، وضياع القدوة [تفسير القرآن العظيم لابن كثير، بتصرف].

مقارنة بين وجهي إدارة الخلاف الأسري


وجه المقارنة

إدارة الخلاف بجهل وعلوية (الأسرة المضطربة)

إدارة الخلاف بوعي وفقه (الأسرة المستقرة)

مكان النزاع وطبيعته

علني في المساحات المشتركة أمام الأبناء، يشمل الصراخ، وتحطيم الأثاث، وتبادل الاتهامات والألفاظ النابية.

سري خلف الأبواب المغلقة في غضون الخلوة، حوار هادئ يعتمد الحجة، والالتزام التام بلهجة محترمة.

موقع الطفل في الصراع

يُقحم كحكم أو كأداة ضغط عاطفي من أحد الطرفين (مثل قول الأب: "انظر ماذا تفعل أمك"، أو العكس).

يُعزل الطفل تمامًا عن تفاصيل الخلاف، ويُشعر بأن المشكلة سوء تفاهم يخص الكبار وحدهم وسيُحل.

الأثر النفسي والبيولوجي الفوري

فزع حاد، شعور طاغٍ بالذنب، قلق وجودي مزمن، ظهور أعراض التبول اللاإرادي أو التراجع الدراسي.

طمأنينة مستمرة، استقرار في المؤشرات الحيوية، وثقة بأن الخلاف العابر لا يهدد كيان الأسرة واستمرارها.

صورة الوالدين المستقبليّة

تآكل هيبة الأب وسقوط مكانة الأم، ونشوء نظرة احتقار، أو تمرد، أو عقوق مبطن وجفاء عاطفي تجاههما.

بقاء الاحترام، والتوقير، والإجلال للوالدين كقدوات عليا ونماذج ناضجة قادرة على حل الأزمات بحكمة.

نمط العلاقات المستقبلي للأبناء

إعادة إنتاج العنف في أسرهم المستقبلية، أو المعاناة من رهاب الارتباط والعزوف عن الزواج.

القدرة على بناء علاقات صحية، وامتلاك مهارات الذكاء العاطفي، وحل مشكلاتهم الزوجية بالحوار الناضج.

حماية الأطفال من شظايا النزاعات الزوجية

إن الانتقال من مربع الأنانية والانفلات الزوجي إلى مربع المسؤولية التربوية والأمانة يتطلب من الزوجين تبني خطوات عملية واضحة ومقدسة لحفظ أمان أطفالهم النفسي والجسدي؛ وذلك تحمُّلًا للمسؤولية الشرعية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».  [صحيح البخاري، كتاب الأحكام، رقم : ٧١٣٨].

ومن هذه الخطوات:

(١) الطمأنينة في أوقات وأماكن التَّجَمُّع الأسري

يجب على الزوجين، في لحظات الصفاء، الاتفاق على نمط المعيشة الآمن، وهو أن غرف الأبناء، والصالات المشتركة، وأوقات تناول الطعام، هي مناطق آمنة مستقرة تملؤها المودة والمحبة والسعادة، ويُمنع فيها رفع الصوت أو توجيه العبارات القاسية، فإذا شعر أحد الطرفين ببدء تصاعد النقاش الساخن ورغبة في الغضب أو الانفلات، وجب استخدام لغة خاصة متفق عليها مسبقًا بينهما، معناها: علينا التوقف الفوري، فالأبناء في المحيط، نؤجل هذا النقاش إلى خلوتنا.

ولا شك أنَّ هذا الكبح الإرادي الواعي للغضب هو دليل نضج عاطفي وعقلي وشرعي حقيقي، ويمثل حماية استباقية لنفوس الصغار من شظايا الانفلات اللفظي.

(٢) التمييز المعرفي والتربوي بين الاختلاف الصحي والخلاف التدميري

ليس كل نقاش يشهده الأبناء بين الوالدين يُعد سيئًا بالضرورة؛ فالأبناء يحتاجون في تنشئتهم إلى رؤية والديهم يختلفون في الرأي حول موضوع ما (مثل اختيار مكان الرحلة، أو تدبير أمر مالي) ولكنهم يتحاورون بذكاء، وهدوء، واحترام متبادل، ويستمع كل طرف للآخر حتى يصلا إلى حل وسط مُرضي للجميع.

هذا النمط يُسمى: (الاختلاف الصحي)، وهو يعلم الطفل مهارات حياتية هائلة: كمهارات التفاوض، وقبول الرأي الآخر، والمرونة المعرفية، والاعتراف بالخطأ. أما الخلاف التدميري الذي يشمل الصراخ، والإهانة، وتسفيه رأي الآخر، وشتم عائلته، فهو الذي يجب حظره حظرًا كليًّا ومنع وصوله لوعي الطفل؛ لما يسببه من تدمير لنموذج القدوة.

(٣) المعالجة السريعة عند حدوث الانفلات

إذا حدث -تحت وطأة الضغوط الحياتية الخارجة عن السيطرة- وانفلتت الأعصاب ووقع شجار صاخب أمام الأبناء رغْمًا عن إرادة الزوجين، فلا ينبغي أبدًا ترك هذا الموقف يمر دون علاج إكلينيكي وتربوي سريع، يجب على الأب والأم -بمجرد هدوء العاصفة العاطفية وانقشاع الغضب- الجلوس مع الأبناء في جلسة احتضان ومصارحة:

يجب على الوالدين ضم الأبناء والاعتذار منهم علنًا صراحةً؛ كأن يقول الأب: نحن نعتذر منكم يا أبنائي، لقد ارتفعت أصواتنا قبل قليل، الكبار يخطئون أحيانًا كما يخطئ الصغار، لكننا نحب بعضنا ونحبكم كثيرًا، والبيت آمن تمامًا، والمشكلة قد استطعنا بفضل الله -تعالى- أن نتغلَّب عليها.  

هذا الحوار الواعي والعقلي والعاطفي يمسح الفزع فورًا من قلوب الصغار، ويزيل عن كواهلهم عقدة الذنب، ويعيد قوة العلاقة الأسريَّة لموضعها الصحيح.

(٤) عدم الاستقطاب والتحريض المتبادل من الطرفين

من أبشع الجرائم التربوية والنفسية التي يرتكبها الآباء المنفصلون عاطفيًّا أو المتناحرون، هو محاولة أحد الوالدين استقطاب الطفل لصفه وتحريضه ضد الطرف الآخر؛ كأن تختلي الأم بابنها لتبكي وتشكو له ظلم أبيه وقسوته المادية، أو ينفرد الأب بابنته ليشوه صورة أمها ويهز مكانتها الأخلاقية أمامها [د. ريتشارد غاردنر، متلازمة الاغتراب الوالدي PAS، ١٩٨٥].

هذا السلوك الأناني يدمر القيم الأخلاقية في الطفل، ويصيبه بـ "تمزق الولاء الداخلي" (Split Loyalty)؛ حيث يشعر بالخيانة والذنب الفظيع لمجرد أنه يحب والده أو يحب أمه، هذا التمزق يدفعه إلى كره الطرفين معًا، واعتزال الأسرة بأكملها، والهروب من ضغوطها الرهيبة، والارتماء في أحضان رفقاء السوء أو السلوكيات الانحرافية أو العزلة الأسريَّة؛ بحثًا عن بديل للأمان المفقود.

الخلاصة

إن رعاية البيئة النفسية للأبناء، وحمايتهم من مشاهد الصراع والنزاع والشقاق الزوجي ليست ترفًا تربويًّا، أو تفضُّلًا ومِنَّةً، بل هي صلب الأمانة الاستخلافية والمسؤولية التي سيسأل الله عنها كل راعٍ يوم القيامة؛ فالأطفال طيور رقيقة البناء، لا تغرد ولا تنمو أجنحتها النفسية والعقلية إلا في أجواء يسودها السلام الروحي، والوئام المنزلي المستدام.

موضوعات ذات صلة

تُعد الخلافات الأسرية من أبرز التحديات التي تهدد استقرار الأسرة وتماسكها

أولى دينُنا الحنيف الأسرةَ عناية خاصة؛ باعتبارها أساس العمران البشرى

الضغط الاجتماعي المعكوس ظاهرة تهدد استقرار الأسر

الاحترام المتبادل بين الزوجين هو حجر الزاوية في حماية الأسرة واستمرارها

موضوعات مختارة