٢-
وللأنساب دور عظيم في تمييز الرواة، حتى لا يلتبس راو براو آخر، ذلك:
(أ) أن من الرواة من ينسب إلى غير أبيه: فينسب إلى جده كخالد بن
إسماعيل بن الوليد المخزومي راو ضعيف جدًا، يروي عن هشام بن عروة، فإنه
قد ينسب إلى جده فيظن أنه الصحابي المشهور خالد بن الوليد.
وكعبد الرحمن بن عبد الله
بن كعب بن مالك شيخ للزهري، نسبه ابن وهب إلى جده فقال: عبد
الرحمن بن كعب، وهذا اسم عم الأول، وليس له رواية عن الزهري.
وكابن جريج فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
أو ينسب إلى أمه كمعاذ بن عفراء، وأخويه معوذ وعوذ - رضي
الله عنهم - ينسبون إلى أمهم عفراء بنت عبيد بن ثعلبة من بني النجار، واسم
أبيهم الحارث بن رفاعة.
وكذلك: محمد بن حبيب؛ ف "حبيب" اسم أمه؛ ومن
لا يعرف الأنساب يعتقد أن "حبيب" اسم أبيه.
أو ينسب إلى جدته كيعلى بن منية رضي الله عنه الصحابي الشهير فـ
"منية" جدته، ووَهِم ابن وضاح فقال: إن "منية"
والد يعلى، واسم والد يعلى: أمية بن أبي عبيدة.
وممن نسب إلى جدته بشير بن الخصاصية، فالخصاصية أمٌّ له، منهم من يرى
أنه أمه، ومنهم من يرى أنها أم أحد أجداده؛ واسم والد بشير: معبد.
أو ينسب الراوي لأجنبي عنه، وذلك لسبب من الأسباب، كالمقداد بن
الأسود رضي الله عنه الصحابي الشهير، فهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي،
وإنما قيل له: المقداد بن الأسود؛ لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث
فتبنّاه فنُسب إليه.
وكالحسن بن دينار أحد
الرواة الضعفاء، فـ"دينار" ليس والده، وإنما هو زوج أمه، واسم
أبيه "واصل" وأخطأ من جهل نسبه فسماه: الحسن بن دينار بن واصل،
وسماه آخر: الحسن بن واصل بن دينار، وكذلك "ابن نقطة"
منسوب إلى امرأة أجنبية عنه، ربت جده.
وكذلك "ابن الملقن"، لم يكن أبوه ملقنًا، وإنما نسب
لزوج أمه الذي كان يلقن القرآن بجامع عمرو بن العاص بمصر.
(ب) ومن الرواة من ينسب إلى خلاف الظاهر، فتذكر له نسبة إلى مكان أو بلد
أو قبيلة أو صنعة أو غير ذلك، ولكن الظاهر الذي يسبق إلى الفهم ليس مرادًا.
ومثال ذلك: ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس ـ رضي الله
عنه ـ الصحابي الجليل، يقال له: "البدري"، وظاهر ذلك أنه شهد
غزوة بدر، وليس كذلك، وإنما ينسب إلى بدر لأنه نزل آبار بدر.
وإسماعيل بن محمد المكي، نُسب لمكة وليس هو منها، وإنما
لإكثاره التوجه إليها للحج والمجاورة، و"مقسم" مولى ابن عباس -
رضي الله عنهما - إنه ليس مولى لابن عباس، وإنما هو مولى عبد الله بن
الحارث بن نوفل، لكنه لازم ابن عباس كثيرًا فقيل له: مولى ابن عباس.
و"يزيد الفقير" [يراجع معرفة علوم الحديث للحاكم ص ١٧١، وما
بعدها] التابعي، ظاهر ذلك أنه كان فقيرًا،
وليس الأمر كذلك وإنما أصيب في فقار ظهره فكان يشكو منه، فقيل له: "الفقير".
وخالد بن مهران الحذاء، ظاهر ذلك أنه كان يصنع الأحذية أو يتجر
فيها، وليس كذلك، وإنما كان يجلس فيهم فنسب إلى صنعتهم.
وسليمان بن طرخان التيمي ليس من بني تيم، وإنما نزل فيهم فنُسب
إليهم.
إن علم الأنساب عرف المحدثين بالرواة بدقة، فعرفوا الراوي، وعرفوا
أقاربه، وإن كان في نسبته شيء على خلاف الظاهر عرفوه أيضًا، مما جعلهم يعرفون
الرواة بكل دقة، لا يختلط هذا بذلك، وإنما يعرف كل راو معرفة دقيقة.